"تركي من أصل x ".. ملاحظات على تناقضات النظرة العرقية

 

كنت أريد أن أكتب مقالاً عن السياسة والقانون، لكن نظرًا لأن هذا النوع من الكتابات لم يعد يحمل أي معنى في تركيا الراهنة، قررت الحديث عن نفسي.
لقد استخدمت حتى اليوم أوصافًا مختلفة للتعريف بنفسي، مثل: "مواطن تركي من أصل يوناني". ومثيله في الولايات المتحدة: أميركي من أصل أيرلندي! مع أنني كنت أصف نفسي بذلك، إلا أنه كان أمرًا مزعجًا للغاية بالنسبة لي.
تقع قضية "الأصل" ضمن القضايا التي تشغل بالي دائمًا، وتدفعني إلى التفكير فيها. وأشعر بهذا الانزعاج كلما أقرأ كتابًا عن "الأتراك المنحدرين من أصلx " أو "المواطنون الأتراك ذوو أصلx ". سأحاول شرح هذا الوضع لكم، وفي الوقت ذاته سأحاول أن أفهم نفسي أيضًا.
ماذا تعني كلمة "الأصل"؟ ولماذا يُرتبط بالعرق؟ فمثلا لماذا نجعل الهوية العرقية أو الدينية أساسًا في التعامل مع من وصفوا أنفسهم في القرن التاسع عشر بأنهم أرمن أو يهود أو يونان؟ أليس لهؤلاء الناس وأجدادهم أصول عريقة؟ وإذا عدنا إلى الوراء أكثر أفلن نجد أصولاً أعرق لهم؟ أليس أصلي يعود إمّا إلى كائن حي يشبه القرد الذي عاش قبل مليون عام، بحسب رأي داروين، أو إلى آدم وحواء –عليهما السلام- وفقًا للكتب المقدسة؟ فإذا كان من المفروض أن نشير إلى أصولنا أليس من الأفضل أن نلجأ إلى مثل هذه الخيارات؟
يقصد الأغلبية بـِ "الأصل" الهوية العرقية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. وهناك مجموعات من القوميين العنصريين/ الجمجميين من يذهبون أبعد من ذلك، فيتحدثون عن أقوام يعود ماضيهم إلى آلاف السنين. فماذا كان أصل هذه الأقوام يا ترى إن عاشوا فعلاً؟ لا يركز أحد على البداية في هذا الصدد.
لا يمكننا إيجاد تفسير لهذه التناقضات والصمت على التساؤلات الواردة داخل هذا النموذج القومي/ العرقي. ذلك لأننا نتحدث عن تصورات ومعتقدات الأيديولوجية القومية من دون وعي وإدراك. نحن لا نشكك في صحة هذه التصورات، ولا يمكننا أن نرى تناقضاتها بطبيعة الحال.
وجود أقوام تمتعوا بالاستمرارية التاريخية المزعومة، والهويات العرقية التي يُنظر إليها وكأنها "الأصل"، وأصول الناس.. هذه مفاهيم يراها كثير من الناس غير قابلة للنقاش. ومن ثم نغوص في فوضى المفاهيم المتناقضة التي تولِّدها تلك الأحكام المسبقة القائمة على الأيديولوجية القومية ونقول دومًا: أصولنا وجذورنا، وما إلى ذلك.
بالطبع، ليس الإنسان مضطرًا للخروج عن إطار النموذج القومي. لكن يجب أن نكون أحراراً في اختيار أيديولوجيتنا، تمامًا مثلما نكون أحراراً في اختيار ديننا. وفي ضوء ذلك، يمكن للشخص أن يحدد هويته وأصله على أساس الأصل العرقي، ومن الممكن أيضًا أن يتصور أصول الآخرين بنفس الطريقة العرقية والإثنية، لكن أعتقد أنه يجب عليه في هذه الحالة أن يلاحظ على الأقل المعنى الذي يعطيه لكلمة "الأصل". ولا بدّ أن يعلم أن "الأصل العرقي" هو هوية جديدة نسبيًّا بدأت في الظهور خلال الفترة الأخيرة التي راجت فيها القومية.
عندما نتحدث عن الأصل لا يمكننا الهروب بسهولة من تناقض أساسي. فإذا أردنا الحديث عن الأصل العرقي لمجموعة ما، فإننا نغوص تلقائيًّا في عالم النموذج العرقي/ القومي. لذلك لا يقبل القوميون الأتراك مقولة: تركي من أصلx ". وهم في ذلك على حق، حيث إنهم ينظرون إلى "الأصل" من منطلق العرق. كما أن الإثنية والقومية متشابكة عندهم. علاوة على ذلك، فإن مبادرة البعض في عصرنا الحالي إلى تبني إثنية معينة باعتبارها هوية، وانتمائهم الفعلي لها، أمر، ونظرتهم إلى هذه الإثنية كأصل لهم أمر آخر.
وإذا قيل: إن الصفات والتعريفات العرقية والقومية تستخدم للدلالة على المواطنة فقط. إذن لماذا يتم التركيز على الأصل العرقي، والتذكير بالهويات العرقية السائدة في القرن التاسع عشر فقط؟ بمعنى أن أصحاب هذه النظرة يسوّغون استخدام الأصل؛ المبدأ  الأساسي للنموذج القومي، من ناحية، ومن ناحية أخرى يدعون إلى الابتعاد عن التفسيرات القومية، ويزعمون أن هذه الكلمات تستخدم بمعنى المواطنة. لكن يجب على الذين لا يرغبون في خداع أنفسهم بالأكاذيب أن يعلموا جيدًا أن تعريف المواطنة -وفقًا للدستور- لا يتضمن أيًّا من العناصر العرقية والقومية والدينية. 
وفي ضوء ما سبق فما هو أصلي إذن؟ وفقًا للتفسير القومي، فأنا "مواطن تركي من أصل يوناني". فضلاً عن ذلك فإنه ينبغي أن لا تنسوا أن الكثير من الأتراك المسلمين لا يقبلونني كمواطن تركي عادي.
حسنًا ماذا يكون موقعي إذا خرجنا عن إطار النموذج القومي؟ لا شكّ أنني سأكون في هذه الحالة "الإنسان العاقل" أو البشر. أما من حيث المواطنة، فإنني سأكون مواطن البلد الذي أحمل جواز سفره.
خلاصة ما أقوله هو أنني لا أحب أبدًا كلمة "الأصل". مع ذلك فإنني أعرف أصلي، وهو ليس أمرًا يتعلق بالعرق. بل العرق يفرضه عليّ نموذجٌ أحاول التخلص منه. وما يقلقني ويجب معالجته هو ذلك النموذج أو الأيديولوجية أو النظرة للعالم. وإذ أحاول التحرر من ذلك النموذج لا أحب أن يذكرني أحد، ولو بحسن النية، بصفة تتعلق بأصلي العرقي. 
حسنًا، أليست هناك جوانب مختلفة تميزني عن الآخرين؟ بالطبع لا! فالجوانب المختلفة هي القاسم المشترك بين جميع الناس. نحن جميعا مختلفون. فالذي يراني مختلفًا أراه مختلفًا بالدرجة ذاتها. ويمكن لأحد أن يركّز على دينه ولغته وسلالته وهويته العرقية، فهذا اختياره.
في بعض الأحيان يحمل الناس الهويات التي يفرضها عليهم المجتمع، شاؤوا أم أبوا. لكن عندما أرغب بوصف نفسي أفضّل إبراز الخصائص الأخرى، كقصة حياتي وأفكاري والأمور التي أحبها والتي أكرهها.. فهذه الأمور هي التي يمكنها أن تصفني.
وماذا عن هويتي؟ الإجابة على هذا السؤال تختلف وفقًا للمرجع الذي يعتمده السائل. فإذا كان السائل صاحب نظرة قومية للعالم، فربما أردّ عليه قائلاً: "أنا شخص ذو أصل فلاني"، اختصارًا للكلام وإرضاء للسائل، وإن كان ذلك يعد نوعًا من التنازل عن الفكرة التي أتبناها وأدافع عنها. لقد قلت ذلك بالفعل في الماضي، ولكن هذه الهوية ليست الهوية التي أحبّها وأرغب في الظهور بها.
اسمحوا لي أن أذكر ملاحظة ثم نضع نقطة النهاية لهذا الموضوع العريض: إن الأقليات ذات اللغة والدين والثقافة المختلفة عانت كثيرًا على أيدي خصومها. ولما شعرت بآلامها وقفتُ إلى جانبها، مع أن السائد في هذا الموضوع كان إغماض العين، وإغلاق الأذن، وكتم الصوت. وإذ أتحدث عن تلك الأقليات التي تعرضت للإقصاء والشيطنة قد يظنّ البعض أنني أتصرّف انطلاقًا من هويتي العرقية، لكني أعتقد أنني أفعل ذلك بوصفي إنسانًا.
 
 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/guncel/benim-kokenim-ne
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.