جنكيز أكتار
مايو 17 2018

تشامبرلين العصر الحديث.. استرضاء تركيا وتزويدها بالسلاح

خلال زيارة مدتها ثلاثة أيام إلى بريطانيا بدأت يوم الأحد، التقى حاكم تركيا مع الملكة إليزابيث الثانية ومع تيريزا ماي. وأعقب الزيارة، بل وربما كانت نتيجة لها، تجمع سنوي بين مسؤولين من البلدين يعقد منذ عام 2011 ويسمى منتدى (اللسان العذب).

جاءت الزيارة وسط اضطرابات تعانيها بريطانيا، وهي بصدد الخروج من الاتحاد الأوروبي، تسعى جاهدة لتعزيز التجارة مع أي أحد وأي جهة، لكنها تشارك أيضا في الدعاية للانتخابات البرلمانية والرئاسية التركية التي ستجرى في 24 يونيو المقبل في ظل حالة الطوارئ. ولابد أن أسارير حاكم تركيا قد تهللت للدعوة، إذ أنه نوعا ما شخص غير مرغوب فيه في القارة الأوروبية. 

كانت الحكومة البريطانية الأكثر تفهما على الإطلاق بين الدول الأخرى فيما يتعلق بأفعال النظام التركي منذ الانقلاب العسكري الفاشل في يوليو 2016. فقد تبنت حكومة جلالة الملكة، ووزارة الخارجية، والمبعوثون البريطانيون بوجه عام، موقفا تصالحيا حيال أنقرة.

لم يغير أيّ شيء موقف لندن: الإجراءات القاسية وغير القانونية التي اتخذت بحق آلاف المواطنين الأتراك عقب محاولة الانقلاب، القمع المستمر للمعارضة، مصير السياسيين الأكراد، الحالة المزرية للإعلام وحرية التعبير، التعاملات المريبة مع الجهاديين في الشرق الأوسط، غزو أراضي أكراد سوريا، المحور الجديد مع روسيا ومشتريات السلاح الروسية، رفض تركيا إبداء التضامن مع بريطانيا في قضية محاولة اغتيال جاسوس روسي سابق.

ولم يكتفِ مسؤولو الحكومة البريطانية بعدم تغيير موقفهم وحسب، وإنما أصبحوا مدافعين عن النظام على الساحة الدولية. لا ننسى أن لندن قبل خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي كانت أقوى داعم لأنقرة في مساعيها للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، برغم الافتقار الشديد إلى التوافق مع المعايير المطلوبة. واعتمدت دبلوماسية تركيا لسنوات على دعم بريطانيا لمحاولتها للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، في حين أنه بالنسبة للبريطانيين، حتى منغوليا كان ينبغي أن تنضم للاتحاد!

يقول الزعماء البريطانيون لتركيا "لا نريد أن تصبح بريطانيا ملاذا آمنا لهؤلاء المتآمرين". لا يسعني إلا تذكر الزيارة التي قام بها إلى لندن مدبر انقلاب آخر، هو الجنرال التركي الراحل كنان إيفرين الذي استقبلته الملكة في عام 1988.

وبالطبع فإن معرفة السفراء البريطانيين أفضل من المشرعين. وقالت لجنة الشؤون الخارجية بمجلس العموم في تقرير في مارس من العام الماضي "لا تعرف وزارة الخارجية شيئا يذكر عن المسؤول عن محاولة الانقلاب في تركيا، أو عن أتباع رجل الدين الإسلامي التركي الذي يعيش في المنفى فتح الله غولن الذين تتهمهم الحكومة التركية بأنهم مسؤولون حصريا عن الانقلاب. توصلنا إلى أن رواية الحكومة التركية عن أتباع غولن والانقلاب، التي يبدو أن وزارة الخارجية مستعدة لقبولها عموما في ظاهرها، غير مدعومة بأدلة ملموسة متاحة علنا، برغم أنه حتى الآن لا يوجد ما يناقضها بنفس المعيار. وبصورة أعم، نحن نختلف مع إشارة وزارة الخارجية ضمنا إلى أن شدة الإجراءات التي اتخذتها الحكومة التركية بعد محاولة الانقلاب يبررها حجم التهديد".

لا بأس! فالاسترضاء دائما يكون مجزيا، وفي هذه المرة مع فائدة. فمبيعات الأسلحة البريطانية لتركيا منذ محاولة الانقلاب تشكل صفقة بقيمة 667 مليون دولار لبيانات إلكترونية عسكرية، وعربات مدرعة، وأسلحة صغيرة، وذخائر، وصواريخ، وطائرات دون طيار، وطائرات وطائرات هليكوبتر. وتشمل أيضا صفقة بقيمة 135 مليون دولار لشركة (بي.إيه.إي سيستمز) لتحقيق خطة أردوغان لبناء طائرة مقاتلة تركية الصنع. ووقعت ماي اتفاق الطائرات في يناير 2017 بموجب "رخصة مفتوحة" لتسهيل نقل التكنولوجيا العسكرية، وتقول تقارير حاليا إن المسؤولين البريطانيين يرغبون في توسيع الاتفاق من أجل السعي لفوز شركة رولز رويس بعقد المحركات. 

وحتى الآن هذه التجارة المشينة خفية نوعا ما. وفي تقرير عن الزيارة، تسرد صحيفة فاينانشال تايمز المبجلة البنود الرئيسة في التجارة بين البلدين: مولدات طاقة ميكانيكية، وسيارات، وخامات معدنية، ومستحضرات دوائية، وكيماويات عضوية، والحديد والصلب، وآلات متخصصة، وصادرات طائرات، لكن لا توجد أسلحة! 

وقال عضو البرلمان عن حزب العمال المعارض لويد راسيل مويل "أصبح 10 داونينغ ستريت (مقر الحكومة) في عهد تيريزا ماي بابا دوارا لأعتى المستبدين في العالم، الذين هم أيضا أكبر زبائن أسلحتنا".

يبدو الأمر كما لو أن رئيس وزراء بريطانيا نيفيل تشامبرلين، ونظيره الفرنسي في ذلك الحين إدوار دلادييه، كانا سيبيعان أسلحة لأدولف هتلر في ميونيخ في عام 1938 خلال زيارتهما المشينة بهدف استرضاء الطاغية الألماني.

وسجلت زيارة "ميونيخ 1938" في التاريخ الأوروبي بوصفها كارثة سياسية وعسكرية ودبلوماسية. وأظهر تاريخ العلاقات الدولية أن استرضاء قوى دكتاتورية عمل عقيم بقدر ما هو خطير.

أما اليوم، فروح ميونيخ ليست في أوج ذروتها فحسب، بل إن أكبر تجار الأسلحة في العالم ومنهم بريطانيا، لا يشعرون بوخز الضمير من إبرام صفقات مع حكام مستبدين ما داموا قادرين على دفع الثمن.
وفي النهاية، من في بريطانيا لا يزال يمتلك الجرأة على الاحتجاج على التوافق الوطني الواضح؟

حسنا، كتب تسعة من أعضاء البرلمان يقولون "يشعر هذا المجلس بقلق بالغ إزاء زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى المملكة المتحدة، في ضوء الانتخابات العامة الجارية حاليا في تركيا في ظل استمرار فرض حالة الطوارئ؛ وينوه فيما يتصل بهذا إلى أن مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان صرحت في الآونة الأخيرة بأن من الصعب تصور مدى جدية إمكانية إجراء الانتخابات في أجواء تعاقب فيها بشدة وجهات النظر المعارضة والتحديات للحزب الحاكم، وأن إجراء الانتخابات في أجواء تواجه فيها الحريات الديمقراطية وسيادة القانون مخاطر من شأنه أن يثير شكوكا حول شرعيتها؛ ويشجع حكومة تركيا على استعادة النظام الدستوري واحترام الحريات الأساسية وضمان إشراف مراقبين دوليين على الانتخابات والسماح لكل السياسيين المشاركين في الانتخابات بالدعاية بحرية والحصول على تغطية إعلامية متكافئة؛ ويدعو الحكومة إلى طرح تلك القضايا بشكل عاجل مع الرئيس التركي خلال زيارته".

ودعت مؤسسة (القلم الإنكليزي) ومؤشر الرقابة، ومنظمة مراسلون بلا حدود، وشبكة حقوق رسامي الكاريكاتير، ولجنة حماية الصحفيين، والاتحاد الأوروبي للصحفيين، وشبكة المحررين العالميين، والمنظمة الإعلامية لجنوب شرق أوروبا، والمركز الأوروبي لحرية الصحافة والإعلام، والشبكة العالمية للدفاع عن حرية التعبير والترويج لها، إلى توجيه رسالة قوية إلى السلطات في كل من تركيا والمملكة المتحدة. 

وقد تمّ ذلك يوم الثلاثاء أمام داونينغ ستريت.

أمّا في الوقت الحالي فإنّ النشاط التجاري سوف يزدهر بين البلدين، دون أيّ شك..
 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضاً: