مارس 20 2018

تصاعد التنديد الأوروبيّ بعمليات التخريب التركية في عفرين

برلين - يتصاعد القلق الأوروبي والأميركي من تفاقم الأوضاع في منطقة عفرين بعد سيطرة القوات التركية وقوات من الجيش السوري الحر متحالفة معها على المنطقة، وانتشار أخبار عن عمليات تخريب، تبدو انتقامية، تقوم بها على نطاق واسع في تلك المنطقة.
ترتفع أصوات أوروبية للتنديد بالانتهاكات المتكررة من قبل الحكومة التركية بحقوق الإنسان، ما يفرض على الغرب ضرورة مناقشة تركيا في ذلك، وتداول دورها في حلف شمال الأطلسي. 
وقد عبر رئيس الكتلة البرلمانية للتحالف المسيحي الديمقراطي الذي تتزعمه المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل عن "ارتياعه" في ضوء التقارير التي تناولت الوضع المأسوي في منطقة عفرين السورية، عقب دخولها من قبل القوات التركية وقوات الجيش السوري الحر المتحالفة مع الجيش التركي.
وقال فولكر كاودر قبيل اجتماع كتلته البرلمانية اليوم الثلاثاء في برلين "انتهاكات حقوق الإنسان غير مقبولة.. علينا أن نتحدث في مثل هذا الوضع مع تركيا".
وأشار كاودر إلى تقارير عن سماح تركيا لقواتها بأن "تعيث في الأرض فسادا" وأن هناك "عمليات تخريب" على أوسع نطاق" في المنطقة ذات الأغلبية الكردية.
ورأى القيادي المسيحي أن هذه التقارير تمثل اتهامات شديدة ضد تركيا، العضو في حلف شمال الأطلسي وقال: "ننتظر الآن من الحكومة التركية أن تنظر في هذه الاتهامات ولا بد من التحدث بهذا الشأن في مجلس الحلف، لا يمكن أن يحدث مثل هذا الشيء بأي حال من الأحوال".
وشدد كاودر على أن هناك إضافة إلى ذلك خطر حدوث مواجهة بين القوات التي تخدم تحت راية تركيا والقوات التي تخدم تحت راية الولايات المتحدة "ولا يمكن قبول ما يعنيه ذلك بالنسبة لحلف شمال الأطلسي".
وأشار كاودر إلى أنه ليس من مصلحة ألمانيا أن تخرج تركيا من حلف شمال الأطلسي.
وعقب سيطرة القوات التركية وحلفائها من قوات الجيش السوري الحر على منطقة عفرين السورية تواردت أنباء من قبل عاملين في الإغاثة عن وضع إنساني مأسوي في المنطقة حيث ذكر هؤلاء أن الآلاف "فروا يائسين مذعورين" من عفرين حسب ما كتب المدير الإقليمي للجنة الصليب الأحمر الدولية، روبرت مارديني، اليوم الثلاثاء.
وأكد مارديني أن هؤلاء الفارين ليس لديهم مأوى ولا يكادون يجدون غذاء ولا ماء ولا رعاية صحية.
ورفضت تركيا بشدة انتقادات اللجنة الدولية للصليب الأحمر عقب عمليتها العسكرية في عفرين.
وكانت تركيا قد بدأت عمليتها العسكرية ضد وحدات حماية الشعب الكردية في 20 يناير الماضي وسيطرت أمس الأول الأحد على المنطقة.
وحسب بيانات الأمم المتحدة فإن عشرات الآلاف من سكان المنطقة اضطروا للنزوح عقب دخول المدينة من قبل قوات الجيش التركي وحلفائه من الجيش السوري الحر.

المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل ورئيس الوزراء التركي بن علي يلدرم
المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل ورئيس الوزراء التركي بن علي يلدرم

مناشدات كردية للغرب:

ويشعر أكراد سوريا الذين كانوا رأس حربة المعركة ضد تنظيم الدولة الاسلامية بأن حلفاءهم الغربيين "تخلوا عنهم" مع العملية التركية في عفرين وينددون بعملية "تطهير إثني" بينما يقف العالم "متفرجا".
وكتبت جمعية أكراد يتحدرون من عفرين ويقيمون في أوروبا في صحيفة "لوموند" الفرنسية أن "صمت المجموعة الدولية يساهم في الخطة المروعة التي دبرها (الرئيس التركي رجب طيب أردوغان) صمت يوازي القبول".
وناشدوا في رسالتهم الأسرة الدولية بالقول "لا تتخلوا عن حلفائكم" فيما طردت وحدات حماية الشعب الكردية من معقلها عفرين الاحد من قبل الجيش التركي وفصائل سورية معارضة مدعومة من أنقرة.
ووحدات حماية الشعب الكردية التي تعتبرها انقرة "ارهابية" بسبب ارتباطها بحزب العمال الكردستاني الذي يخوض تمردا مسلحا ضد تركيا، هي في موازاة ذلك حليفة اساسية للتحالف الدولي ضد تنظيم الدولة الاسلامية في سوريا بقيادة واشنطن.
لكن رغم ذلك يقول خالد عيسى الممثل الرسمي في فرنسا للإدارة الذاتية الكردية في شمال سوريا إن "المقاتلين الذين حاربوا بشجاعة ضد داعش، هم أنفسهم اليوم متروكون لرحمة الجيش التركي" منددا "بتطهير إثني تبقى القوى الكبرى متفرجة عليه".
وبحسب المرصد السوري لحقوق الانسان فإن حوالى 250 ألف مدني فروا من أعمال العنف في عفرين وقتل عشرات آخرون وكذلك حوالى 1500 مقاتل كردي.
لكن "بسبب انتماء المعتدي لحلف شمال الاطلسي فإن هذا الانتهاك المتكرر للقانون الدولي لن تتم المعاقبة عليه أبدا" بحسب ما قالت المجموعة الكردية في ألمانيا حيث يقيم حوالي مليون كردي.
وقال ديدييه بييون مساعد مدير معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية إن "عفرين تجسد بالشكل الأكثر وحشية لما نطلق عليه اسم السياسة الواقعية".
وعلق هذا الخبير الفرنسي في الشؤون التركية أن "الغربيين وخصوصا الأميركيين كانوا بالطبع راضين لرؤية القوات الكردية السورية على الارض تحارب تنظيم الدولة الإسلامية. لكن أنقرة العضو في حلف شمال الأطلسي ستكون على الدوام أكثر أهمية من عفرين".
تقول دوروثي شميت مسؤولة برنامج تركيا والشرق الأوسط في المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية إن "عفرين تضع الغربيين في موقف محرج".
وتوضح الباحثة أن "الالتزام إلى جانب الأكراد يعني دعم مستقبل سياسي للأكراد في سوريا، وخصوصا روج آفا، لكن الغربيين لم يحسموا أبدا هذه المسالة. بالتالي هذا سيعني الغوص مجددا في النزاع السوري في وقت يريد فيه كل العالم الخروج منه".
فقد حذرت واشنطن الاثنين أنقرة معبرة عن "قلقها العميق" بعد السيطرة على عفرين.
وعبر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أيضا عن "قلقه العميق" ودعا موسكو، الطرف الأساسي على الساحة السورية، "إلى بذل أقصى جهودها لوقف المعارك والخسائر المدنية".
لكن ردود الفعل هذه لا ترقى إلى حجم المأساة الدائرة على الحدود التركية-السورية كما يحذر الأكراد الذين يتهمون أنقرة بالتحالف مع الجهاديين للسيطرة على عفرين.
وحذرت جمعية الأكراد المتحدرين من عفرين من أنه "على الحكومات الأوروبية أن تدرك أن الأمر لا يتعلق فقط بأمن شعبنا، لأن سقوط عفرين يعني خلق بؤرة جهادية جديدة تهدد أمن باريس وبرلين ولندن".
وحذر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان من أنه يعتزم توسيع نطاق الهجوم التركي إلى مناطق أخرى في شمال سوريا بينها مدينة منبج الواقعة على بعد مئة كلم شرق عفرين.
ومثل هذه المبادرة ستنطوي على مخاطر شديدة لأن مئات العسكريين الأميركيين الذين يدعمون وحدات حماية الشعب الكردية في مواجهة الجهاديين ينتشرون هناك.
لكن أحد المطلعين على هذا الملف يتساءل "هل يملك أردوغان الإمكانات العسكرية لتحقيق الطموحات التي يعبر عنها بشأن سوريا؟ أشك في ذلك".
ويخلص ديديه بييون إلى القول "رغم تصريحات أردوغان الحربية، لن تتمكن تركيا من المضي كثيرا أبعد من ذلك" مشيرا إلى أن المسألة الكردية على طول الحدود التركية -السورية "تتطلب سلوك طريق المفاوضات".