أحوال تركية
أبريل 29 2019

تصفية السجين الفلسطيني حلقة بمسلسل القتل في سجون أردوغان

إسطنبول - أصبحت تصفية المعارضين الأتراك داخل السجون التركية سياسة ممنهجة دأبت عليها الحكومة التركية التي تقوم بالتخلص منهم، واختلاق ذرائع واهية وتبريرات ملفّقة من أجل التغطية عليها، بحسب ما يؤكّد معارضون أتراك.

وفي أحدث واقعة من وقائع التصفية داخل السجون التركية، أقدمت حكومة الرئيس أردوغان على تصفية السجين الفلسطيني زكي مبارك حسن الذي كانت اعتقلته قبل أيام واختلقت له تهمة "التجسس لصالح دولة الإمارات"، بحسب ما أكّد يوسف ابن المقتول، وذلك في محاولة يائسة منها للتغطية على أزماتها الاقتصادية والسياسية.

ولم يقنع بيان مكتب الادعاء التركي من خلال الزعم "أن الحراس عثروا على زكي مبارك حسن، مشنوقا على باب دورة المياه في زنزانته في سجن سيليفري غرب إسطنبول عندما جاؤوا لتوصيل وجبة الطعام صباح أمس الأحد"، يوسف زكي مبارك؛ ابنَ المقتول الذي طالب بلجنة تحقيق دولية للتحقيق في حادثة مقتل والده، كي لا تظهر براءته وزيف التهم المفبركة بحقه.

كما أن البيان الذي وصف بالهزيل، والذي أعلن الادعاء فيه أن السلطات فتحت تحقيقا في الواقعة وأن دائرة الطب الشرعي فحصت الجثة، أثار كثيراً من الشكوك حول عملية التصفية التي تمّت، والتي تبدو استكمالاً لسياسة ممنهجة حرصت حكومة أردوغان على اتباعها.

ونقلت قناة  "العربية"اليوم الاثنين عن يوسف زكي مبارك الذي اتّهم الأمن التركي بقتل والده، قوله: أطالب بتشكيل لجنة طبية تضم طبيباً فلسطينياً أميناً لتشريح جثة أبي وتبيان الحقيقة.

وأكد أن كل ما جرى مسرحية، معتبراً أن "والده ذهب ضحية وكبش فداء في صراع سياسي، لتغطية تركيا على خيبتها"، بحسب تعبيره.

ونفى زكريا مُبارك، شقيق السجين المقتول، المزاعم التركية بانتحار أخيه، واتهام النظام التركي بقتله.

وهناك مخاوف من تصفية السجين الفلسطيني الآخر سامر سميح شعبان، الذي اختلقت له تهمة التجسس التي وصفت بالمفبركة.

وسلّطت الحادثة الأضواء على واقع السجون التركية السيّئة الصيت، وتعالت أصوات الداعين إلى تدخل لجان ومنظّمات دولية معنية بحقوق الإنسان والكشف عن الأوضاع المأسوية التي يعانيها السجناء فيها.

ويواجه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مأزقاً سياسياً وأخلاقياً، وهو الذي استغلّ عدّة حوادث لغايات انتخابية، وبخاصة حادثة مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي في قنصلية بلاده بإسطنبول في أكتوبر الماضي، ومحاولته المتكررة ابتزاز المملكة العربية السعودية عبرها، ودعواته المتكرّرة لإنشاء لجنة تحقيق دولية.

ويكمن مأزق أردوغان في محاولته التغطية على عملية التصفية، وزعم إجراء تحقيق محلي، في الوقت الذي تكون أجهزته الأمنية موضع اتّهام، فكيف يصلح أن يكون متّهماً ومحقّقاً في الاتّهام في الوقت نفسه..!

وتحظى المطالبة بلجنة تحقيق دولية لكشف النقاب عن جريمة مقتل السجين الفلسطيني بمزيد من الاهتمام والتركيز، ولاسيما أنّه اعتقل مع فلسطيني آخر، بناء على اتهامات مختلقة وملفّقة، ما يفتح الباب واسعاً أمام أمان وسلامة السائحين والمقيمين العرب والأجانب في تركيا، واحتمال استهداف أيّ منهم بذريعة ملفقة ليتمّ من خلاله التغطية على قضايا أخرى تشغل الرأي العام.  

ولا تكتفي السلطة التركية بتصفية خصومها داخل السجون، بل تقوم بتشويه صورتهم، وتعلن أنّهم أقدموا على الانتحار، أو تعرّضوا لأزمة صحية قضت عليهم، وذلك في الوقت الذي يكون هؤلاء تحت رقابة صارمة داخل السجن، ويمنع عليهم اقتناء أي أداة يمكن أن تساعد على الانتحار، في حال أرادوا ذلك.

وتحاول حكومة الرئيس رجب طيب أردوغان التغطية على حوادث التصفية التي تقوم بها في السجون، وتتخلص ممّن تستشفّ أنّهم قد يشكّلون عبئاً عليها، أو قد يفضحون بعض أسرارها، ولاسيما إذا كان السجن من أحد المسؤولين الكبار السابقين في الدولة، أو في أحد الأجهزة الأمنية، فتلجأ إلى تصفيته بسرعة، والزعم بانتحاره أو موته المفاجئ لسبب ما، وغالباً يكون غير مقنع للمعارضين الذي يشكّكون بروايات السلطة الحاكمة.

يكون القتل داخل السجون أداة مباشرة بيد السلطة الحاكمة للتخلص ممّن تحتجزهم، ويمنع لاحقاً على أهل المقتولين معاينة جثثهم أو فحصها، بحجة أن الدوائر الطبية المختصة قامت بالفحص والتدقيق والتحقيق، وتأكدت أن سبب الوفاة؛ إما الانتحار أو الموت بأزمة قلبية أو سبب صحيّ آخر.  

توصف حقبة حكم حزب العدالة والتنمية بالمظلمة في تركيا من قبل المعارضين الأتراك، حيث يقوم هذا الحزب بزيادة الشروخ الاجتماعية، وتقسيم المجتمع التركي على أساس الولاء الحزبي، بحيث يكون هناك أعضاء في العدالة والتنمية، وبالتالي هم موضع احتفاء السلطة ومركز الامتيازات والتنفعيات فيها، أو يكون هناك المواطنون الأتراك الآخرون الذين لا ينتمون إلى العدالة والتنمية، ولا يوالون زعيمه رجب طيب أردوغان الذي ينقل البلاد من أزمة لأزمة، من أجل تكريس حكمه الاستبدادي، بحسب تعبير بعضهم.

أعفت المادة التاسعة في مرسوم الطوارئ رقم 667، الذي دخل حيز التنفيذ في 23 يوليو 2016 بعد أيام من نجاة الحكومة التركية من محاولة الانقلاب، موظفي الدولة من أي مسؤولية قانونية أو إدارية أو مالية أو جنائية بموجب حالة الطوارئ، ما يعني أنّ أية حالة تصفية تكون موجّهة وممنهجة ومحمية بحكم القانون، وبالرغم من إنهاء العمل بقانون الطوائ بعد تمديده لعدة مرات متتالية، إلّا أنّ أجواءه ما تزال سائدة، وتمّ سنّ قوانين فضفاضة يخشى معها معارضو أردوغان أنها تبيح التصفية بأقنعة مختلفة داخل السجون.  

وتوصف هذه الحماية التي يوفرها القانون لعناصر الشرطة أو الاستخبارات أو الحزب الحاكم، بأنها واحدة من الأسباب الرئيسة للزيادة المفاجئة في حجم حوادث التعذيب في تركيا، أو حالات التصفية التي تصنّف بأنها انتحار أو موت مفاجئ، ناهيك عن الحالات التي لا يتم الإبلاغ عنها.

وبحسب الكاتب التركي عمر فاروق جرجرلي أوغلو في مقال سابق له بموقع أحوال تركية، يدفع التعذيب الوحشي الذي يتعرض له المعتقلون في السجون التركية بعض المعتقلين إلى اللجوء للانتحار أثناء احتجازهم في السجون أو مراكز نتيجة تعرضهم للتعذيب الشديد الذي يجرّدهم من إنسانيتهم ويدفعهم للموت.

وقد تبدو أساليب التعذيب قاسية للبعض، لكنها بالنسبة للسجناء لا تشكل سوى جزء من معاناتهم. فوفقا للأعراف الدولية، فإن الظروف المروعة التي يحتجز بها المعتقلون تشكل أيضا تعذيبا. ولعل أكبر ضحايا هذه الظروف هم الأطفال الصغار الذين يضطرون إلى العيش في السجون إلى جانب أمهاتهم المحتجزات.

وبالرغم من مزاعم السلطات التركية على أن جميع السجناء يحصلون على العناية اللازمة، إلا أنها تظل موضع شكوك كبيرة من المعارضين ومنظمات حقوق الإنسان.

يمكن تذكر حادثة تصفية الرئيس السابق لجهاز استخبارات الشرطة التركية في أنقرة زكي غوفين في سجن تركي، والزعم تالياً بأنه توفي جراء أزمة قلبية في السجن، بعد اعتقاله للاشتباه بارتباطه بالداعية الإسلامي فتح الله غولن المتهم بتدبير الانقلاب الفاشل عام 2016.

وكثيراً ما شككت شبكة غولن، المحظورة في تركيا وتعتبرها منظمة إرهابية، في وفاة عشرات المشتبه بهم في السجن ومنها حالات انتحار.

ولم تتمكن حكومة حكومة العدالة والتنمية من التعتيم على جميع الحالات التي قامت فيها بتصفية خصومها لأنها افتضحت، بعد أن غدت سياسة ممنهجة تستعين بها حين الحاجة.