أحوال تركية
مارس 30 2019

تعميق الاستقطاب السياسي في تركيا بشكل يصعب التغلب عليه

تعمد حكومة حزب العدالة والتنمية، في سياستها لتعزيز وجودها في السلطة والفوز في الانتخابات بصفة عامة، إلى إحداث الفُرقة بين أبناء الوطن الواحد. ومع تمسك القوى السياسية وقاعدتها الحزبية بسياسة الاستقطاب السياسي طمعاً في الاحتفاظ بالسلطة، ظهرت آراء تؤكد أن الدولة تتجه، بشكل تدريجي، خلال هذه المرحلة نحو نقطة اللاعودة..

أجرى معهد إسطنبول للدراسات السياسية دراسةً عكست الصورة شديدة القتامة لمستقبل الدولة التركية، وأعد المعهد تقريره عن نتائج هذه الدراسة في 26 مارس الجاري.  

يمكننا أن نلخص نتيجة الدراسة التي حملت عنوان "الاستقطاب السياسي في تركيا خلال الفترة من 24 يونيو حتى 31 مارس" في جملة واحدة وهي أن الاستقطاب السياسي قد صار واقعاً ملموساً في تركيا خلال الفترة من الانتخابات الرئاسية وانتخاب مجلس النواب في 24 يونيو 2018 حتى الانتخابات المحلية في 31 مارس.. أو على حد تعبير فريق الأكاديميين الذين قاموا بإعداد الدراسة "تركيا لا تستطيع تجاوز حالة الاستقطاب الحالي مع جمود موقف الناخبين المؤيدين لمعسكر السلطة وجبهة المعارضة".

وعلى الرغم من وجود توافق في الرؤى بين الناخبين المؤيدين لمعسكر تحالف الشعب، والمؤيدين لجبهة المعارضة فيما يخص المشكلات والأزمات التي تعاني منها تركيا في الوقت الراهن، إلا أنهما فشلا في الوصول إلى نقطة مشتركة بينهما فيما يخص المصالحة، بل جَمُدَ كل منهما على موقفه، ولم يبد أية بادرة للاستماع إلى الآخر.

يزداد التباين والاستقطاب السياسي بين حزب الشعب الجمهوري وحزب الحركة القومية يوماً بعد يوم؛ فبعد أن كانا حليفين في انتخابات الرئاسة عام 2014، بدأ التباين والخلاف في الرؤى يدب بينهما، وكانت البداية مع انتخابات عام 2015. ومع تحالف حزب الحركة القومية مع حزب العدالة والتنمية في استفتاء 16 إبريل، تأكَّد التباين والاستقطاب بينهما بشكل أكبر، ودخلت العلاقة بينهما إلى مرحلة حرجة للغاية.  

ازداد التحالف بين الحزبين قوةً بعد ذلك، وظهر ذلك خلال انتخابات 24 يوليو، وفي الفترة الحالية مع اقتراب الانتخابات المحلية في 31 مارس. وفي مقابل ذلك وصفت الجبهة الأخرى ڊ "جبهة الخيانة"؛ مما يؤكد أنه من الصعوبة بمكان، بل من المستحيل، حدوث مصالحة بين الجانبين خلال الفترة الراهنة.

استندت الدراسة التي تناولت الفترة بين الانتخابات العامة في 24 يونيو عام 2018 والانتخابات المحلية في 31 مارس عام 2019 إلى مناقشات مركزة مع الناخبين، الذين جرى تصنيفهم في جماعات حسب الفئة العمرية والجنس والمعسكر الذي منحوه أصواتهم، سواء أكان تحالف الشعب (حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية) أم معسكر المعارضة (حزب الشعب الجمهوري وحزب الشعوب الديمقراطي والحزب الصالح).

وكان من أهم النتائج التي توصلت إليها الدراسة أنه على الرغم من الاستقطاب والتباين الحاد بين الناخبين المؤيدين لتحالف الشعب أو للمعارضة إلا أنهما قد توافقا في الرؤى بشأن المشكلات الأساسية التي تواجه تركيا في الوقت الحالي، وصعوبة التوصل إلى حلٍ لها. وكانت المشكلات الاقتصادية والبطالة وغلاء المعيشة على رأس الموضوعات التي شغلت حيزاً كبيراً من تفكير الناخبين من الفريقين، تلاها موضوع اللاجئين السوريين وتدني منظومة التعليم في تركيا.

وبالإضافة على ذلك، ينظر الناخبون المؤيدون لكلا المعسكرين إلى اللاجئين السوريين باعتبارهم النقطة المحورية للمشكلات الرئيسة التي تعاني منها تركيا في الوقت الراهن مثل المشكلات الاقتصادية والأمنية ومشكلة الإرهاب. وكان أحمد داود أوغلو من أكثر السياسيين الذين ثارت حولهم ردود أفعال من كلا الجانبين.  

يعتقد الناخبون، سواء المؤيدون لتحالف الشعب أو لجبهة المعارضة، أن الدولة تمنح امتيازات كبيرة إلى السوريين المقيمين في تركيا، ومنهم من ذهب إلى أنها تضعهم في المرتبة الأولى في أمور معينة مثل توفير فرص العمل والخدمات التعليمية والجامعية، وتقديم مساعدات على حساب مواطنيها الذين بدأوا في التحوُّل، حسب رأيهم، إلى مواطنين من الدرجة الثانية بالتدريج. 

اتفق الطرفان كذلك على أن القضية الكردية هي القضية الأهم بالنسبة لتركيا في الوقت الراهن، مع فرق وحيد وهو أن المؤيدين لتحالف الشعب يصنفون القضية الكردية باعتبارها "قضية إرهاب وأمن"، في حين حملت وجهات نظر الناخبين المؤيدين لأحزاب المعارضة تبايناً شديداً واختلافاً عميقاً في تصورهم لحل هذه المشكلة. 

ويظهر الخلاف جلياً بين الجانبين عند الحديث عن السبب وراء هذه المشكلات؛ فعلى الرغم من أن جميع الناخبين، سواء المؤيدون لتحالف الشعب أو لجبهة المعارضة، يعترفون بوجود هذه المشكلات، إلا أن التباين الحاد يظهر عندما نتحدث عن الأسباب التي أدت إليها؛ حيث ترى جبهة المعارضة أن السلطة وحكومة أردوغان وسياساتها المضللة في كل المجالات هي المسؤول الأول عن كافة الأزمات والمشكلات التي تمر بها تركيا اليوم.

أما المؤيدون لتحالف الشعب فيرجعون الأمر إلى عدد أكبر من الأسباب ليس من بينها السلطة الحاكمة؛ فهم يرون أن المسؤول عن تلك الأزمات هي القوى الخارجية والبيروقراطية والوسطاء الانتهازيون والسوريون والاستراتيجية التي اتبعها أحمد داود أوغلو، ويتحمل المسؤولية كذلك، من وجهة نظرهم، جزء من الموظفين العموميين في الدولة.

ومن ناحيته، يرى تحالف الشعب (حزب العدالة والتنمية + حزب الحركة القومية) أن حل هذه المشكلات يكمن في التخلص من المسؤولين عنها، بالقضاء على الوسطاء الانتهازيين واتباع سياسة حازمة تجاه القوى الخارجية وإعادة اللاجئين إلى بلدهم.

يظن تحالف الشعب ومؤيدوه أن إعادة السوريين إلى بلدهم سيوفر فرص عمل لملايين الأتراك، وأنهم سيستفيدون من الأموال التي تُنفق عليهم، وبالتالي ستقل نسبة الفقر بشكلٍ كبير في تركيا، وتنتهي المشكلات المعيشية تماماً. ويرون كذلك أن التخلص من الأزمة الاقتصادية الوخيمة التي تمر بها تركيا في الفترة الأخيرة يقتضي التدخل المباشر من جانب الدولة في شؤون الاقتصاد.

أما الناخبون المؤيدون لجبهة المعارضة فيعتقدون أن الحل يكمن في إحداث تغييرات هيكلية شاملة، يأتي على رأسها تغيير الحكومة الحالية، ويؤكد بعضهم  أنه لا سبيل لتخطي تلك الأزمات في ظل وجود الحكومة الحالية.

أما النقطة الأخرى التي يشترك فيها الطرفان كذلك فهي التفاف كل منهما حول الزعيم أو القائد الخاص به، وتوافق آرائهم مع آرائه.

يُرجع التقرير الذي أعده معهد إسطنبول للدراسات السياسية سطوة الزعيم وتأثيره على أتباعه إلى الظروف الراهنة التي يحتدم فيها الصراع السياسي، وتتعمق فيها الصراعات والتحيزات بين الأحزاب على اختلاف توجهاتها.

والنقطة المثيرة للاهتمام في هذا التقرير كذلك هي أن الناخبين المؤيدين لتحالف الشعب قد اختاروا أن يكون الحزب الصالح وجهتم الأولى إذا قرروا، في يوم من الأيام، الخروج من تحت عباءة تحالف الشعب. وفي المقابل كانوا يبدون تخوفهم إزاء توجهات حزب الشعب الجمهوري وحزب الشعوب الديمقراطي.  

أظهرت الدراسة، بالإضافة إلى ذلك، أن الجدل السياسي القائم على الهوية والتوجهات السياسية والعرقية نجح بشكل كبير في تغذية روح الاستقطاب عند كل طرف من الطرفين، ولكن مع تزايد الصعوبات الاقتصادية التي ضغطت بشدة على الحياة اليومية للمواطن، استبدلت الأحزاب ذلك الجدل بجدل آخر يتعلق بالوضع الاقتصادي طمعاً في تحقيق مكاسب سياسية كذلك..

ومن ناحية أخرى، تماثلت وجهات نظر المؤيدين لتحالف الشعب وجبهة المعارضة بشأن النقاشات التي أثارها حزب العدالة والتنمية بشأن الأحزاب الجديدة؛ فعلى الرغم من قناعة الطرفين بأن الخيارات السياسية في ظل الظروف الراهنة صارة محدودة للغاية، إلا أنهما يعتقدان أن أي حزب سياسي جديد لن يتمكن خلال هذه المرحلة من إيجاد حل للمشكلات الراهنة. 

وعلى الرغم من اتفاق الناخبين المؤيدين لأحزاب المعارضة بشأن وجود فجوة في جبهة المعارضة الحالية، إلا أنه لا يوجد على الساحة السياسية في الوقت الحالي حزب أو برنامج جديد قادر على صياغة حل جذري للمشكلات القائمة.

سلطت الدراسة، التي قام بها معهد إسطنبول للدراسات السياسية عن الاستقطاب السياسي في تركيا، الضوء كذلك على الحملة الانتخابية التي تقوم بها الأحزاب قبل الانتخابات المحلية، لا سيما الحملات التي يقوم بها تحالف السلطة، مؤكداً أنها تعمل على تعميق الخلاف بين الحزب الحاكم وجبهة المعارضة، وتغلق أي باب نحو المصالحة.  وتؤكد الدراسة، بالإضافة إلى ذلك، أن التكتل السياسي والتحزُّب صار هو السمة السائدة على الساحة السياسية في تركيا اليوم، وأن التأزم بين الجانبين قد بلغ منتهاه. ويرسل التقرير في النهاية رسالة تحذيرية عما ينطوي عليه هذا السلوك من مخاطر يمكن أن تهدد مستقبل تركيا..

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/turkiye/24-hazirandan-31-marta-kutuplasma-betonlasti-asilmasi-zorlasti
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.