مارك بنتلي
ديسمبر 13 2017

تعويذة إردوغان والنمو القياسي للاقتصاد التركي

هناك حدود للاستمرار في الترويج للأرقام والنسب. أو للدعاية لسيناريو من شأنه أن يدر عليك المال، هذا إن كان صحيحا بالطبع.

ومثلما يقولون "تحدث بالأفعال وليس بالكلمات" فإن قدرتك على الاستمرار في الدفاع عن حجة ما تستمر طالما سمح لك بعضهم بذلك. الأمر أشبه بلعبة البوكر، فقد تبدو مغفلا إن لم تكن ممسكا بأوراق اللعب بين يديك.

وحدود "الترويج لسجلاتك"، وهو أسلوب يستخدمه التجار والباعة في عالم المال ويثبت نجاحا حين يلجأ إليه الساسة، هي أن العامة سيصدقونك وبشدة وباستمرار إذا كان في الأمر منفعة مالية عائدة عليهم. ففي مختلف أنحاء العالم، وتركيا جزء منه، يبدو الواقع بالنسبة للنخبة مختلفا تماما عن واقع الملايين من العاطلين أو الفقراء.

لكن يتساءل أحدهم إن كان الرئيس رجب طيب إردوغان سيراهن على الأقوال لا الأفعال ويستثمر في أيام كهذه في قطاعات أعمال خاصة في الزراعة أو العقارات. هل سيثق الرئيس في خطاباته هو نفسه إذا كان يحصل على الحد الأدنى للرواتب البالغ 367 دولارا شهريا، كما هو حال خمسة ملايين من الأتراك، أو إذا كان واحدا من العاطلين في تركيا الذين يشكلون نسبة قدرها 21 بالمئة من الشباب؟

الاقتصاد التركي

فقد أعلنت الحكومة أن الاقتصاد التركي نما بنسبة 11.1 بالمئة خلال الربع الثالث عنه في نفس الفترة من العام السابق وهي على ما يبدو أكبر نسبة نمو في أي بلد على مستوى العالم.

وكأي تاجر أو بائع ماهر لم يتأخر إردوغان في اقتناص الفرصة. بعد خطاب لإحياء اليوم العالمي لحقوق الإنسان تحدث إردوغان بزهو منتصر لكن دون التوقف عن الشكوى من وجود مآمرة.

قال إردوغان "قدمنا أجمل رد على المحرضين في الداخل والخارج الساعين لإظهار بلدنا بمظهر البلد الضعيف".

ولو تمسك إردوغان بعادته فسيقضي الأشهر الثلاثة المقبلة يردد في خطاباته "رقما مثيرا". ولا شك أن ضحيته المفضلة ستكون دائما "المحرضين" سواء من الأتراك أو الأجانب ويفضل لو كانوا من اليهود أو "مؤيدي الإرهاب" الذين يدافعون عن واقع مختلف والذين يعارضون تيارا بات اليوم يعرف بكلمة "الإردوغانية".

قد تعد "الإردوغانية" ضدا صريحا لمصطلح "الريغانية"- الذي أشار إليه الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الأب يوما بعبارة "اقتصاد التعاويذ" التي تعني اقتصادا غير واقعي.

الاقتصاد التركي

في ثمانينات القرن العشرين كان الرئيس ريغان يسعى لمحاكاة سياسة اقتصادية بملامح براقة. وكان الحل الواضح في هذا الإطار يتمثل في أربعة نقاط جوهرية:

خفض الإنفاق الحكومي وتشجيع الاستثمار الخاص

خفض الضرائب على الدخول

تقليص اللوائح

خفض التضخم والحد من تدفق المال

واليوم بعد 30 عاما إليك ما تدعو إليه "الإردوغانية":

زيادة الإنفاق الحكومي (لتعويض النقص في الاستثمارات الخاصة

زيادة الضرائب

تكثيف اللوائح (امنح أفضل عقود الأعمال والخصومات الضريبية لدائرة الشركات التابعة لك).

 تشجيع التضخم وتدفق المال

تمتد رؤية إردوغان الخاصة لتعويذة ريغان لتجدها في خطاباته. أو وحسب تعريف القاموس باعتبارها "افتراضات شديدة الترجيح" أو شيء ما غير واقعي بتاتا.

وكافتراض إردوغان بخصوص "المحرضين" فإن حجته بأن نوعا من المعجزات سيتحقق في تركيا تبدو بلا أي أساس.

فبينما نما الاقتصاد التركي بنسبة سنوية قدرها 11.1 بالمئة في الربع الأخير من العام فإن الواقع وراء هذا العنوان مختلف تماما.

فالفترة من يونيو إلى سبتمبر من عام 2016 أو التي يفضل الاقتصاديون في هذه الحالة تسميتها "بالفترة الأساسية" شهدت محاولة الانقلاب العسكري الفاشلة التي أضرت بإنفاق المستثمرين وبالاستثمار. لم يكن غريبا إذا أن نرى زيادة قدرها 20.7 بالمئة في صناعة الخدمات عن العام السابق أو 18.7 بالمئة في قطاع التشييد.

ثانيا فإن الربع الثالث من عام 2017 لم يشهد تسارعا في النمو بل انخفض بمقدار النصف تقريبا. هذا من واقع بيانات موسمية لربع مقارنتة بالربع المماثل من العام السابق وهو المقياس الذهبي لمعرفة مدى النمو أو الانكماش في البلدان النامية.

لقد أصبح النمو أبطأ فوصل إلى 1.2 بالمئة بين يوليو وسبتمبر منخفضا بنسبة 2.2 بالمئة عن الربع الثاني.

وبينما كان أداء قطاعي التشييد والاستهلاك جيدا خلال تلك الفترة فإن النمو كان سالبا في قطاع التصنيع (انخفض بنسبة 1.3 بالمئة) وبنسبة 18.5 بالمئة في الأنشطة المالية وأنشطة التأمين وبنسبة 1.3 بالمئة في الأنشطة العقارية وبنسبة 0.2 بالمئة في قطاع الزراعة.

لقد كان نمو الإجمالي هو الأبطأ منذ الربع الثالث من العام الماضي- الذي شهد محاولة الانقلاب العسكري مثلما أسلفنا- حيث انكمش الاقتصاد بنسبة 2.6 بالمئة عن الفترة نفسها من العام السابق.

وبنظرة على الأشهر الاثني عشر الماضية فإن نصيب الأسد من النمو كان للفترة بين أكتوبر وديسمبر والتي بلغت 4.9 بالمئة. لكن بعد ذلك أصبح النمو أبطأ رغم وجود برنامج مدعوم من الحكومة لإعادة تمويل قروض بقيمة 230 مليار ليرة (60 مليار دولار) تدين بها بعض الشركات المتعثرة.

ورغم الرقم القياسي الذي ضربه الاقتصاد التركي فيما يتعلق بمعدل النمو فإنه لا يبدو جيدا إذا ما قورن بالعديد من البلدان الأخرى. فعند مقارنة بيانات شهرية من 19 بلدا بينها الولايات المتحدة والصين وجنوب أفريقيا والهند  وغيرها سنجد أنها شهدت نموا أفضل من تركيا. وبين هذه الدول خمس في أوروبا.

في الوقت نفسه فإن التوقعات للنمو في الربع الرابع غير واضحة. ومع وجود تضخم بنسبة 13 بالمئة وهي النسبة الأعلى منذ 13 عاما فإن ثقة المستهلكين تراجعت للشهر الرابع على التوالي كما أن ثقة قطاعات الأعمال باتت في أدنى مستوياتها منذ فبراير وأصبح النمو في إيرادات قطاع الصناعة الأبطأ منذ نمو قياسي في يوليو ولا تنس حالات الإفلاس وهي في أعلى مستوياتها منذ بداية العام الحالي.

وسبق وان قال وزير الاقتصاد نهاد زيبكجي إن الحكومة ستقر تمويلا إضافيا مقداره 70 مليار ليرة في صورة حوافز للاستثمار قبل مطلع العام بغرض المساعدة على النمو.

هنا يعود السؤال نفسه ليطل علينا بقوة- هل راجع إردوغان دفاتره؟ الإجابة قطعا سلبية.

يمكن قراءة المقال باللغة الانكلزية ايضا: