Tiny Url
http://tinyurl.com/y8auwruo
ذو الفقار دوغان
يناير 07 2019

تغييرات كبرى في قيادة الجيش التركي مع تعثر عملية الفرات

أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في الثاني عشر من ديسمبر نيته إطلاق عملية عسكرية "خلال أيام" ضد المسلحين الأكراد في شمالي سوريا، بما في ذلك من جرى نشرهم إلى جانب القوات الأميركية في مناطق مثل مدينة منبج.
وبعد أسبوع واحد بالضبط، زاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب حالة الارتباك في ديناميات المشهد السوري من خلال إعلانه المفاجئ على تويتر عن نيته سحب قوات بلاده.
في الوقت ذاته، فإن التغييرات التي طرأت في قيادة الوحدات التركية التي من المنتظر نشرها في إطار العملية المرتقبة في سوريا طرحت تساؤلات في تركيا وأثارت حديثاً حول عدم توافق رؤية الحكومة للأمور مع رؤية القوات المسلحة.
وبرر ترامب قرار الانسحاب قائلاً إن أردوغان سيتولى مسؤولية القضاء على تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا، وهو الهدف المعلن الذي أتى بالقوات الأميركية إلى البلاد في المقام الأول. لكنه لم يكن لديه ما يقوله بشأن الهدف الرئيس لأردوغان، وهو إلحاق الهزيمة بوحدات حماية الشعب الكردية التي قاتلت إلى جانب القوات الأميركية ضد تنظيم الدولة الإسلامية، والتي تنظر إليها أنقرة على أنها عدو بسبب ارتباطها بمسلحين أكراد في تركيا.
لكن الرئيس الأميركي راجع في وقت لاحق وعده بتنفيذ انسحاب سريع يتم خلال مئة يوم، وبات يتحدث الآن عن سحب القوات بشكل فيه تدرج أكبر. ومع تغير الأوضاع على الأرض في سوريا بسرعة، يبدو أن التطورات الجديدة تقلب الأمور ضد الغزو العسكري الذي يخطط له أردوغان.
وقاد وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو ووزير الدفاع خلوصي أكار وفداً إلى موسكو في التاسع والعشرين من ديسمبر؛ لكن التصريحات التي خرجت في أعقاب الزيارة تشير إلى أنهما لم يتمكنا من الحصول على موافقة روسيا على تنفيذ عملية شرق نهر الفرات.
وآثرت إيران التزام الصمت فيما يتعلق بالعملية. في الوقت ذاته، فإن الفراغ الذي خلفه الانسحاب الأميركي يمكن أن تملأه السعودية، الحليف المخلص للأميركيين في منطقة الخليج، وشركائها في دولة الإمارات العربية المتحدة والبحرين.
أعادت دول الخليج فتح سفاراتها في دمشق بعد سبع سنوات؛ وفي الوقت ذاته، اتخذت جامعة الدول العربية إجراءات لإعادة حكومة الرئيس السوري بشار الأسد بعد ثماني سنوات من إقصائها. ويمكن النظر إلى هذه الإجراءات على أنها جهد لعزل تركيا، التي رفضت إجراء حوار مع الديكتاتور السوري.
بالإضافة إلى ذلك، فإن هناك بياناً من وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف، الذي قال إن القوات المسلحة التركية موجودة في إدلب - آخر منطقة في قبضة المعارضة في سوريا - بموافقة حكومة الأسد. وبقراءة ما بين السطور، فإن رسالة لافروف يبدو مفادها أن دمشق لن تسمح بعملية تركية في منبج أو في شرق الفرات، وأن روسيا تشاركها الرأي.

خلوصي أكار، وزير الدفاع التركي ورئيس الأركان السابق في المنتصف مع كبار قادة الجيش في زيارة للقوات التركية المتمركزة على الحدود مع سوريا في كلس بتركيا
خلوصي أكار، وزير الدفاع التركي ورئيس الأركان السابق في المنتصف مع كبار قادة الجيش في زيارة للقوات التركية المتمركزة على الحدود مع سوريا في كلس بتركيا

تُظهر التطورات على الجانب التركي إشارات مشابهة على الاضطراب؛ فما أن بدأت الدبابات والمدفعية والعربات المدرعة التركية الانتشار، حتى أُزيح فجأة إسماعيل متين تميل القائد العسكري الذي كان سيتولى مسؤولية تنفيذ عملية.
وتميل هو الجنرال الذي قاد بنجاح الهجومين السابقين في شمالي سوريا: عملية درع الفرات التي نُفّذَت في الباب وجرابلس عام 2016، وعملية غصن الزيتون التي أسست لسيطرة تركيا على منطقة عفرين شمال غربي سوريا في يناير 2018.
وتميل هو الرجل الذي أحدث صخباً قبل انتخابات الرابع والعشرين من يونيو عندما أثنى على انتقاد أردوغان لمنافسه في الانتخابات الرئاسية محرم إينجه، مرشح حزب المعارضة الرئيس حزب الشعب الجمهوري.
قال إينجه في ذلك الوقت إن تميل يجب أن يُجَرّد من رتبته العسكرية لأنه أبدى ميلاً سياسياً. وكان أردوغان صارماً في دفاعه عن الجنرال؛ لكنه بعد ذلك بستة أشهر يبدو قد فعل ما اقترحه إينجه تماماً، وذلك من خلال إصدار قرار رئاسي بإحالة الرجل إلى العمل المكتبي. ويعتبر مثل هذا القرار من الناحية الفعلية بمثابة إحالة إجبارية للتقاعد.
القرار ذاته أزاح العميد مصطفى باروت عن الميدان وأحاله إلى وظيفة في عمل مكتبي. وكان باروت قائداً لقوات النخبة التركية الخاصة المسماة (القبعات الحمراء) خلال عملية عفرين، وكان رجاله هم من رفعوا علم تركيا في وسط المدينة خلال شهر مارس. وشأنه شأن تميل، فُسِّرَت إحالة باروت إلى الوظيفة الجديدة على أنها إجراء لإجبار الجنرال على التقاعد.
وعزت الدوائر السياسية في تركيا الإطاحة بالضابطين النشطين والمُقَلّدين بعدة أوسمة إلى خلاف في الرأي مع أكار ورئيس الأركان العامة يشار غولر. وقيل إن ما أبداه تميل من اعتراض على العملية المزمعة كان السبب في ذلك الخلاف. واستند تميل في رأيه إلى إدراكه أن هجوماً عسكرياً واسع النطاق على هذا النحو يشمل مساحة كبيرة من الأراضي سيحتاج إلى قوة عسكرية ضخمة وأن مخاطر سقوط ضحايا مرتفعة.
ويُقال إن تميل عبر عن مخاوف من أن تكون العملية المقترحة لم تحظ بما يكفي من التخطيط. وستمتد العملية لخمسمئة كيلومتر وستواجه القوات التركية فيها كلاً من تنظيم الدولة الإسلامية ووحدات حماية الشعب الكردية.
ويبدو أن اعتراضهما لم يلق آذاناً صاغية لدى القيادة العليا؛ وفي الرابع عشر والخامس عشر من ديسمبر، بعد أيام من إعلان أردوغان عن العملية الوشيكة، لم يحضر تميل وباروت اجتماع التقييم العسكري السنوي في أنقرة وقيل إن السبب هو دواعي المرض.
واعتُبر غياب الضابطين احتجاجاً على أكار وغولر؛ وهناك تكهنات على نطاق واسع في تركيا بأن أردوغان أطاح ببطلي عفرين بناء على توصية من قادتهما في الجيش.
كما أُطيح أيضاً بحقان أتينج، وهو جنرال معروف بأنه مقرب من تميل، من منصبه في قيادة مجموعة العمل المشتركة التي تدير العمليات في سوريا.
وكانت تلك هي المرة الأولى التي يتم فيها تعيين قيادات عامة في إطار النظام الرئاسي التنفيذي الجديد من قبل أردوغان شخصياً بشكل مباشر وبتوقيع واحد.
غير أن الدوائر السياسية في تركيا تصف إزاحة تميل بأنها مدبرة من أكار وغولر، وليس من الرئيس. ويُقال إنهما اتخذا هذا الإجراء ضد جنرال كان نجمه آخذاً في الصعود وكانوا يرون أنه صاحب حظوة لدى أردوغان.
وقيل أيضاً إنهما اتخذا إجراءً استباقياً ضد الجنرال من خلال قطع أي طريق محتمل قد يؤدي به إلى قيادة القوات البرية أو الأركان العامة، قبل شن حملة ضده سعياً لإجباره على الاستقالة.
ووفقاً لتقارير إعلامية تركية فإن العملية تكللت بالنجاح، إذ يُقال إن تميل قبل بإقصائه من دون احتجاج.
وهناك شائعات عن أن أكار وغولر يتطلعان إلى إعادة تشكيل القوات المسلحة عبر الإطاحة بمزيد من الضباط بقرارات رئاسية، أو إجبارهم على الاستقالة أو التقاعد.
واعتُبرت الإطاحة بتميل وباروت إشارة على أن الإدارة المدنية تعطي أولية لرغباتها ولديها الاستعداد للتخلص من أي شخص يشكل تحدياً لسياساتها. كما يُقال إن تلك الخطوة تشير إلى أن هناك تغييرات أخرى في الجعبة ستطال شخصيات أعلى رتبة في القوات المسلحة.
وتُعدُّ إزاحة هذين الضابطين، دون أي اعتبار لرتبتيهما أو مكانتهما، أقوى تعبير عن تركز السلطة بيد فرد واحد في إطار النظام الرئاسي الجديد وعدم التساهل مع أي معارضة.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.