Yavuz Baydar
نوفمبر 15 2017

تفاقم الأزمة بين أردوغان والاتحاد الأوروبي

يبدو أن هناك إجماعاً دولياً حول السياسة الخارجية لأنقرة؛ فكلما زاد الرئيس رجب طيب أردوغان من توطيد السلطة من حوله، وكلما سارع في بناء نظامٍ يدور في مداره الخاص، كلما ازدادت زعزعة السياسة الخارجية.
فقد أصبح سلوك الرئيس التركي الذي لايمكن الآن التنبؤ به، حتى قبل الانتخابات الألمانية في سبتمبر الماضي، مصدر قلق لكل من حوله لدرجة أن بعض المعلقين، مثل مارك بييريني من مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي وستيفن كوك من مجلس العلاقات الخارجية في واشنطن، يتحدثون الآن عن الخديعة التي تحيكها تركيا لحلفائها الغربيين.

والسبب هنا واضح، وهو أن أردوغان بنفسه يقوم بتعريف جميع مكونات السياسة المحلية والدولية في تركيا، وعرضها وتنفيذها على أساس مصالحه الشخصية وليس على أساس المصالح الوطنية لتركيا. وفي مواجهة فيضانات مزاعم الفساد وانتهاكات القانون الدولي، يبدو أن الرئيس التركي قد أوقع بنفسه في ورطة كبيرة.

حيث لاتزال قضية "شاحنات المخابرات التركية" التي كانت تقل الأسلحة للجماعات الإرهابية في سوريا، والتي انتهت بالحكم على صحافيين من صحيفة "جمهورييت" المعارضة بالسجن لكل منهما بعد إدانتهما "بإفشاء أسرار الدولة" قيد الكتمان.

كما أن اعتقال مجموعة من الصحافيين الزملاء، بمن فيهم الصحافي الألماني دينيز يوسيل، فيما يتعلق بقضية تسريبات حساب البريد الإلكتروني الخاص بوزير الطاقة بيرات البيرق، صهر أردوغان، تنتشر حولها المزيد من الشكوك حول الممارسات الفاسدة التي تحدث بعلم من أردوغان شخصياً.

وهناك أيضاً تلك القضية الكبرى التي سيتم الحكم فيها في المحكمة الفيدرالية في نيويورك هذا الشهر وهي أفضل قضية يمكنها تفسير ما يحدث من تناقض. حيث لا تُدين القضية المسماة بـ "قضية زراب" فقط تاجر الذهب الإيراني التركي، رضا زراب، المعروف بصلاته القوية بالرئيس التركي، بل أيضاً مجموعة من المصرفيين الأتراك والوزير السابق لحكومة أردوغان، ظافر جاجلايان.

تلك المحاكمة، التي توجُّه فيها الاتهامات للمدعي عليهم بتجاوز العقوبات الأميركية المفروضة على إيران، هي الأساس الذي تتحدد من خلاله السياسة الخارجية التركية، أو بالأحرى سياسة أردوغان.
فمن انتقاد لاذع من قبل ألمانيا وهولندا في الصيف الماضي، إلى ما يدعوه منتقدو أردوغان "احتجاز الصحافيين والناشطين المدنيين كرهائن"، إلى الشجار الدموي الذي حدث عند بوابات السفارة التركية في واشنطن، إلى إلقاء القبض على أحد موظفي البعثة الأميركية في أنقرة؛ كل هذه الدلائل والأحداث تشير إلى هذه المحاكمة، التي يبدو أنها تحولت إلى كابوس يطارد الرئيس التركي.

وفشل محللي تركيا خلال العامين الماضيين في قراءة قضية زراب ما كان نتيجته محاولة تضليلهم وإرباكهم. لكنهم أيضاً فشلوا في فهم المنطق الشخصي لأردوغان؛ حيث كان الأخير يأخذ كل نقد على محمل شخصي، وفي الأوقات التي يتعرض فيها شخصه للتهديد، بالإضافة إلى أسرته ورجاله، يقوم باتخاذ تدابير مضادة عفا عليها الزمن لمواجهة هذا التهديد متحدياً بذلك معايير الدبلوماسية الدولية الراسخة منذ سنوات عدة.

ولكن أدرك المراقبون في تركيا أن قضايا "شاحنات المخابرات التركية" و"تسريب البريد الالكتروني" و"قضية زراب" هي الأهم وتحتل المرتبة الأولى في عناصر السياسة الخارجية التركية، وما يأتي بعد ذلك في فهو شئ ثانوي.
وكانت قضية زراب أكبر مثال على أنه لا يمكن كبح جماح الحقيقة بأي شكل من الأشكال، بغض النظر عن عدد الراغبين في التعتيم على هذه القضية. وعلى الرغم من ذلك نجح أردوغان بالفعل في التعتيم على القضية في تركيا في عام 2014 بشكل تدريجي. فقد تمكن من إقناع قطاعات مختلفة من المجتمع التركي بمساعدة وسائل الإعلام بأن الادعاءات كانت مجرد مكيدة حاكها خيال مجموعة من التابعين لغولن والقائمين على إنفاذ قوانينه.

لكن ظهور الأدلة في نظام القضاء الأميركي جاء دليلا على أن هذا السرد لا يمكن أن يتجاوز الحدود التركية، لأن المحاكمة كانت نتاج سنوات من التحقيق الذي أجراه مكتب التحقيقات الفيدرالي. هذه الحقائق تحولت إلى كابوس يطارد أردوغان، ما أدى إلى نبذ تركيا من قبل تحالف الناتو والاتحاد الأوروبي.

هذا الوضع أشبه بمن أضرم النار في الممتلكات العامة، ثم يحاول رجال الإطفاء ملاحقته غير قادرين على إيقافه. وهذا يقودنا إلى عنصر آخر من عناصر مفارقة مبادئ السياسة الخارجية في تركيا: وهو أن هناك الآن شعور داخل الحكومة التركية بأن أردوغان، من خلال سياسته التي يمارسها وهو بكامل قواه العقلية سواء الداخلية أو الدولية، هو الذي يتحمل المسؤولية الكاملة تجاه هذه السياسات التي ينتهجها.

وكمثال على ذلك  تنم الرسائل المشوشة التي تصدر عن رئيس الوزراء بن علي يلديرم وعدد من الوزراء الآخرين عن أن هذا التصور أصبح الآن متأصلاً في المستويات العليا لحزب العدالة والتنمية الحاكم بحيث يمكن الآن رؤية الفجوة تتسع بين "القصر"، أردوغان وما يقرب من 40 مستشاراً تابعين له، وقيادة الحزب الحاكم.

هذه الحقيقة، التي لم يتم التعبير عنها بصراحة، وإنما كانوا يهمسون بها في المحادثات الخاصة بين نخبة الحزب الحاكم بأنقرة وبين رجال الأعمال في اسطنبول، أدخلت أيضاً من هم أقرب لشركاء أردوغان الغربيين، ممن لاحظوا تحمل أردوغان للمسؤولية في وقت أبعد من ذلك بكثير، في الدائرة.
ومع ذلك، فإن مسألة التوصل إلى توافق في الآراء حول حقيقة ما هي شيء، ومنظور الشعب للقائد القوي هي شئ آخر.  فعلى الرغم من أن أردوغان لم يعد قادرا على حكم تركيا دون فرض حالة الطوارئ الحالية، إلا أنه يتحكم في جانبين رئيسيين.

أولاً، تخضع جميع مؤسسات الدولة والقضاء ووسائل الإعلام والأوساط الأكاديمية تحت سيطرته الشخصية، ووفقا لاستطلاعات الرأي، يحظى بتأييد ما بين 38 بالمئة إلى 49 بالمئة من الجمهور دون منافس. منافسه الوحيد هو السياسي الزعيم الكردي، صلاح الدين دميرتاش، المحتجز الآن إلى أجل غير مسمى في السجون التركية.

من هذا المنطلق يخبرنا المنطق البارد، الذي يعجز عن تأمين حلول مرضية إنسانياً، أنه حتى تحافظ على السلطة بشكل ديمقراطي، فإن أردوغان سيحافظ على كل هذه الأدوات في يده. ثانيا، وباتباع أسلوب المكر والازدواجية استطاع أردوغان أن يقيم تحالف جديد مع شخصيات وازنة من "الحرس القديم"، المعادي للأكراد والمعادي أيضاً للغرب، وهو ما ينبئ بمستقبل أكثر ظلمة مما هو عليه الآن.

هذه الصورة المتدهورة ما هي إلا عامل زاد من أزمة تركيا مع دول الاتحاد الأوروبي. فكيف إذن سيتم التعامل مع تركيا؟ على الرغم من أن الأزمة تبدو أكثر تعقيداً من ناحية أردوغان، لكن الجواب بسيط: وهو أن تركيا لم تعد تستوفي معايير كوبنهاغن للاتحاد الأوروبي بسبب تردي الأوضاع السياسية الذي تشهده البلاد.

ويبدو أنه لا يوجد هناك حل سريع من أجل تسيير العلاقات، طالما تمسكت تركيا بالسلطة دون ظهور أي تحد ديمقراطي في الأفق. وكل ما يمكن للاتحاد الأوروبي وواشنطن ومنظمة حلف شمال الأطلسي فعله الآن هو السيطرة على الفوضى والأضرار.

يمكن قراءة المقال بالانكليزي ايضا: