تهاوي الليرة التركية يضرب أصحاب المتاجر في مقتل

تسبب الانخفاض الحاد في قيمة الليرة التركية في تكبد أصحاب المتاجر والعاملين في قطاع التجارة خسائر فادحة مع لجوء المستهلكين إلى خفض الإنفاق تحسبا للمشاكل التي قد تنشأ في المستقبل جراء الأزمة المالية في تركيا.

وفقدت الليرة بالفعل نحو 40 في المئة من قيمتها هذا العام، والسبب في ذلك يعود بالأساس إلى مخاوف المستثمرين بشأن استقلالية المؤسسات المالية والنقدية في تركيا مثل البنك المركزي، وكذلك رفض الرئيس رجب طيب أردوغان رفع أسعار الفائدة لمواجهة معدلات التضخم الآخذة في الارتفاع. كما أدت العقوبات الأميركية التي فرضت إثر خلاف حول الأميركيين المحتجزين في تركيا إلى الإجهاز على ما تبقى من آمال في السوق إزاء إمكانية صمود الاقتصاد التركي في وجه الأزمة.

وظهرت آثار هذا الوضع الاقتصادي المتردي بوضوح في سوق (البازار الكبير) في إسطنبول التي تشهد عادة نشاطا صاخبا كل عام قبل عطلة عيد الأضحى، إذ اتسمت الأجواء في السوق هذا العام بالهدوء الرتيب في ظل عزوف المستهلكين عن الإنفاق خشية احتياجهم لمدخراتهم النقدية مع اشتداد الأزمة. وقد حاول بعض أصحاب المتاجر جذب الزبائن المحليين والسائحين بعروض التخفيضات والخصومات، لكن البعض الآخر لم يكترث حتى بالتوقف عن احتساء الشاي وقراءة الصحف، وذلك ببساطة لأن معظم الزائرين الذين يتجولون في ممرات السوق المتشعبة هذه الأيام باتوا لا يتوقفون حتى لتفحص البضائع المعروضة، ناهيك عن الدخول في مساومات للحصول على أفضل سعر.

يقول علي، وهو صاحب محل مجوهرات في السوق "أعمل هنا منذ أكثر من 30 عاما. كانت هناك دائما أيام سيئة، لكن لطالما اعتدنا على التمسك بالأمل حتى تمر هذه الأيام. أما الآن فلأول مرة أرى البازار غارقا في اليأس".

وأضاف علي أنه يتفهم تماما لماذا يلجأ الزبائن المحليون إلى خفض الإنفاق، لأنه نفسه يحاول تقليل نفقاته وحجم مشترياته. وتابع قائلا "الزبون الآن يدلف من الباب لكي يسأل عن سعر الذهب ثم يغادر. هناك اتجاه بين الناس الآن لتقديم المشغولات الفضية في هدايا الزفاف بدلا من الذهب".

وذكر الكثير من تجار البازار أنهم لم يلحظوا بعد زيادة في أعداد الزبائن من السائحين الأجانب الذين قد يجتذبهم انخفاض قيمة الليرة، وهو ما يأمل كثيرون في أن يعوضهم عن انخفاض قيمة العملة.

وقال صاحب متجر آخر للمجوهرات "لقد فقدنا الأمل بشأننا، وما أخشاه الآن هو أننا سنترك لأطفالنا وأحفادنا عالما أسوأ. يقول الجميع إن السياح العرب يبقون البازار الكبير مكتظا، لكنني لا أستطيع رؤية هؤلاء السياح العرب الذين يقال إنهم يتجولون في أرجاء السوق بجيوب مليئة بالمال".

لكن الوضع كان أفضل حالا نوعا ما لبائعي الحلوى التركية (الملبن)، وذلك لأن الزبائن الذين لا يستطيعون تحمل تكلفة شراء ملابس جديدة أو سلع فاخرة يلجؤون دوما إلى الحصول على مشتريات أقل تكلفة.

يقول سليم، وهو موظف مبيعات في متجر للحلوى التركية "نحن كدولة نمر بأوقات عصيبة. وبطبيعة الحال سوف تنخفض مبيعاتنا. ونحن سنقبل بذلك الوضع حتى تتمكن بلادنا من تخطي هذه الفترة الصعبة".

وأضاف "حتى الأغنياء من السياح العرب لا يشترون الآن أكثر من نصف كيلو. لم نعتد حتى تحمل عناء الرد على العملاء الذين يطلبون مثل هذه الكميات الصغيرة. هذا هو العيد الأكثر هدوءا على الإطلاق في البازار الكبير".

وفي منطقة محمود باشا المجاورة التي تضم سوقا معروفة للعائلات ذات الدخل المنخفض والمتوسط ، ينظر الباعة المتجولون في الشوارع على أمل جذب انتباه أي زبون محتمل، فيما تتكدس الملابس والستائر والأقمشة في المحلات وتنتشر اللافتات في كل أنحاء السوق عن وجود تخفيضات هائلة. ومع ذلك، لا تزال الأسعار أعلى من طاقة الكثيرين.

ففي أحد أركان السوق، يتفحص سليمان، وهو سائق سيارة أجرة وأب لثلاثة أطفال، بعض السراويل، قبل أن يصدم لدى معرفته سعرها. وقال "أتمنى لو أنني لم أسأل عن سعرها. كنت أعرف أنني لا أستطيع تحمل تكلفة شرائها. اشتريت بالفعل ثلاث قمصان لأطفالي. لكن بما أنني أحضرت الأطفال إلى هنا، فعلي أن أشتري لهم هدية أو بعض الحلوى. وبطبيعة الحال، لم يتبق أي مال لشراء شيء لي أو لزوجتي".

أما مسعود، وهو بائع أحزمة، فقد قابنا بضحكة عالية عندما سألناه عن حال العمل، وقال "لدي أفضل عمل في السوق، فبإمكاني دائما صناعة أحزمة أصغر وأضيق. لقد اعتدت بيع 50 حزاما في يوم وقفة العيد، لكن لا تسألني كم بعت اليوم".

وفي منطقة شمبرلي تاش القريبة التي استمدت اسمها من العمود الروماني الذي لا يزال قائما هناك حتى الآن وشيده الإمبراطور قسطنطين في عام 330 بعد الميلاد احتفالا بتأسيس مدينة جديدة باسم القسطنطينية لتكون هي روما الجديدة في الشرق، كانت معظم المحلات التجارية فارغة إلى حد كبير، باستثناء متاجر الحلوى التركية.

وقالت نيريمان، وهي معلمة متقاعدة تبلغ من العمر 68 عاما لدى شرائها الحلوى لأحفادها الذين كانوا يزورونها "دعني أخبرك بشيء، أنت تعرف المثل القائل (كما تكونوا يولّى عليكم)، هذا ما يحدث لنا. وسوف يزداد الأمر سوءا. لن نتمكن حتى من شراء الخبز. ولن تكون هناك حصص غذائية هذه المرة".

وحتى ساحة إبليك جيهان التي تعج بالأساكفة ومحلات الأحذية كانت شبه فارغة. وقال صاحب متجر طلب عدم نشر اسمه "ماذا بوسعنا فعله؟ نحن على وشك إغلاق متاجرنا. لقد قضت الدولة بالفعل على صناعة الأحذية المحلية، والآن لم يعد لدينا شيء".

وأضاف صاحب المتجر أن المحال العشرين بالمنطقة كانت تكتظ بالزبائن في الماضي. وتابع قائلا "قدمنا تخفيضات ولم يفلح الأمر. قدمنا خصومات ثانية وثالثة على الأسعار المخفضة، والآن تمر أيام علينا لا نبيع فيها حتى زوج واحد. سوف نغلق المتاجر بما أننا لا نستطيع أكل هذه الأحذية".


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkish-economy/fall-turkish-lira-hits-shopkeepers-customers-tighten-their-belts
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.
This block is broken or missing. You may be missing content or you might need to enable the original module.