ذو الفقار دوغان
يوليو 31 2018

توقعات بإطلاق سراح القس الأميركي أندرو برانسون قريبا

أوضح خطاب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في قمة مجموعة دول بريكس (البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا) أن حكومته تبحث باستماتة عن أي خيار قابل للتطبيق للمساعدة في التغلب على الأزمة المالية والسياسية التي تواجهها إدارته.
ومثلما وجه الرئيس التركى نداءات مماثلة إلى منظمة شنغهاي للتعاون، اقترح انضمام تركيا إلى كتلة البريكس. وقال أردوغان "إذا قبلتم انضمامنا، فإن المجموعة ستصبح بريكست". ولم يلق اقتراحه ترحيباً حاراً.
وعلى الرغم من كونها عضواً في حلف شمال الأطلسي، باتت علاقات تركيا مع الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي أكثر توتراً منذ محاولة الانقلاب عام 2016، وبالتالي فإن الرئيس التركي أردوغان، الذي يواجه مخاطر مالية ودبلوماسية وعسكرية محتملة، يبحث عن أي تعاون يمكنه الحصول عليه من أي مكان حول العالم.
وتركيا بالفعل شريك في الحوار مع منظمة شنغهاي للتعاون، وأردوغان لديه الدعم الكامل من رئيس كازاخستان نور سلطان نزارباييف والدعم الجزئي من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للانضمام إلى المنظمة. ومع ذلك، فهو بحاجة إلى صوت الرئيس الصيني شي جين بينغ أيضاً. ووفقاً لما ذكره أردوغان، يؤيد شي انضمام تركيا إلى مجموعة بريكس، لكن ثمة حاجة لإقناع الأعضاء الآخرين.
جاءت واحدة من المشاكل الأولى بين تركيا وحلفائها منذ فترة طويلة في حلف شمال الأطلسي بسبب اعتقال مراسل صحيفة دي فيلت الألمانية دنيز يوسيل والناشط في مجال حقوق الإنسان بيتر شتيودتنر في أعقاب محاولة الانقلاب. وقد ردت ألمانيا، وهي حليف في حلف الأطلسي، بفرض عقوبات على بيع الأسلحة وإصدار تحذيرات سفر للمواطنين الألمان إلى تركيا.
ومع ذلك، عندما واجه أردوغان خسارة ائتمان هيرميس للتصدير ومشروعات تحديث الدبابة ليوبارد، غير مساره بسرعة وأطلق سراح دنيز يوسيل دون محاكمة. وبعد فترة احتجاز مطولة، استقل يوسيل طائرة إلى ألمانيا في نفس اليوم. حتى قال يوسيل بعد إطلاق سراحه "الشيء المضحك هو، ما زلت لا أعرف لماذا تم اعتقالي قبل عام، أو بشكل أكثر دقة، لماذا تم أخذي رهينة قبل عام. وأنا أيضاً لا أعرف لماذا تم إطلاق سراحي اليوم"، مضيفا "ما زلت غير اتهم بارتكاب أي جريمة". وأطلق سراح شتيودتنر بنفس الطريقة. ففي الظهيرة كان على متن طائرة خاصة في طريقها إلى ألمانيا.
وقد أثبت إطلاق سراح شتيودتنر ويوسيل أن السلطة القضائية في تركيا ليست مستقلة بقدر ما يعتقد مسؤولو الحكومة التركية أن بقية العالم يؤمن بذلك.
الآن، ثمة شيء مشابه يحدث مع حليف آخر في حلف شمال الأطلسي، فقد تم سجن الأميركي أندرو برانسون، القس الإنجيلي من ولاية نورث كارولينا، في تركيا لمدة عامين تقريباً في اتهامات تتعلق بالإرهاب والتجسس في أعقاب محاولة الانقلاب في 15 يوليو عام 2016. في مرحلة ما، اقترح حتى الرئيس أردوغان إطلاق سراح برانسون في مقابل تسليم رجل دين تركي منفي في ولاية بنسلفانيا.
وفاقمت هذه القضية من توتر العلاقات بين البلدين عندما هدد كل من الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونائب الرئيس مايك بنس بفرض عقوبات على تركيا إذا لم يتم الإفراج عن برانسون. في البداية، لم يعلق الرئيس التركي أردوغان على تهديدات ترامب وبنس.
ومع ذلك، سرعان ما أفادت وسائل الإعلام الأميركية بأن ترامب وأردوغان أبرما اتفاقاً لإطلاق سراح مواطنة تركية مسجونة بتهم تتعلق بالإرهاب في إسرائيل مقابل إطلاق سراح برانسون. وذكرت صحيفة هاآرتس الإسرائيلية أن مسؤولين إسرائيليين أكدوا أنباء أن ترامب قد ضغط على نتنياهو للإفراج عن إبرو أوزكان، وهي مواطنة تركية تبلغ من العمر 27 عاماً اعتقلتها الشرطة الإسرائيلية الشهر الماضي للاشتباه في تآمرها مع منظمات إرهابية. ونفى مسؤولون أتراك إبرام مثل هذا الاتفاق.
ونفى الرئيس أردوغان أيضاً إبرام أي اتفاق مقابل إطلاق سراح برانسون لكنه شكر الرئيس ترامب على مساعدته في إطلاق سراح إبرو أوزكان.
من ناحية أخرى، يقول مطلعون على بواطن الأوضاع السياسية في أنقرة إن الحكومة تمارس لعبة "مافي مرمرة" بشأن إطلاق سراح برانسون. ففي عام 2010، داهمت قوات الجيش الإسرائيلي ست سفن مدنية تركية في البحر المتوسط، مما أسفر عن مقتل عشرة ناشطين أتراك. في أعقاب حادث مافي مرمرة، طالب أردوغان إسرائيل بالاعتذار، ودفع تعويضات لعائلات المتوفين، ومحاكمة الجنود الذين داهموا السفن. 
ومع ذلك، بعد وقت قصير من الحادث، علم الجمهور التركي أن فريدون سينيرلي أوغلو، وكيل وزارة الخارجية التركية في ذلك الوقت، قد أبرم اتفاقاً مع مسؤولي وزارة الخارجية الإسرائيلية في روما تنازل خلاله عن كل هذه المطالب تقريباً.
بعد فترة وجيزة، توسط الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما في إجراء اتصال هاتفي بين نتنياهو وأردوغان. اعتذر نتنياهو خلال المكالمة الهاتفية بحسب تقارير، ولم يقدم الاعتذار الرسمي الذي طالب به الرئيس التركي. وبعد وقت قصير، أسقط "القضاء التركي المستقل" القضية ضد الجنود الإسرائيليين. وضغطت الحكومة على أسر الضحايا للتنازل عن مطالبها. بعد ذلك أرسلت الحكومة الإسرائيلية 20 مليون دولار لعائلات الضحايا من خلال مؤسسة خيرية، وليس "كتعويض رسمي". لذا، لم يكن ملف مافي مرمرة أكثر من ذلك!
ويقول المطلعون على الأمور في أنقرة الآن إن "المحكمة التركية المستقلة" التي غيرت قرارها بتمديد اعتقال برانسون بعد خمسة أيام فقط وأفرجت عنه ووضعته رهن الإقامة الجبرية يمكن أن تبرئه بسرعة أيضاً.
وبالنسبة للاقتصاد التركي الهش، قد تكون العقوبات العسكرية والمالية الأميركية ضربة قاضية. ومن هنا، إذا أوقفت تبرئة برانسون العقوبات الأميركية، فإن الحكومة التركية ستطلق سراحه.
يحاول المتحدث باسم الرئاسة إبراهيم كالين تخفيف حدة التوتر بين البلدين. وطالب كالين من الولايات المتحدة في الآونة الأخيرة أن "تتبنى موقفاً بناء".
وبالمثل، فإن كلمات الرئيس أردوغان القاسية موجهة للجمهور المحلي بدلاً من الرئيس الأميركي. وأردوغان معروف بتغيير رأيه وموقفه عند الضرورة. فبعد ثمانية أشهر فقط من الأمر بإسقاط طائرة عسكرية روسية والتحدث بصرامة، أرسل أردوغان خطاب اعتذار إلى بوتين، ووقع اتفاقاً لإنشاء محطة نووية بقيمة 22 مليار دولار، ووقع عقداً بقيمة أربعة مليارات دولار مع روسيا لشراء الأنظمة الصاروخية إس-400.
وبعد معارضة التدخل العسكري لحلف شمال الأطلسي في ليبيا، سرعان ما أيد أردوغان إسقاط معمر القذافي. وبعد أشهر قليلة فقط من وصف إسرائيل بأنها "دولة إرهابية"، وقع على اتفاق مافي مرمرة. بعد كل حديثه عن ألمانيا وهولندا والاتحاد الأوروبي، يخطط أردوغان لزيارة المستشارة أنغيلا ميركل في ألمانيا في سبتمبر لتطبيع العلاقات بين تركيا والاتحاد الأوروبي.
من هنا، لن أصاب بالدهشة بتبرئة القس برانسون ورؤيته على متن طائرة متوجهة إلى الولايات المتحدة قريباً إذا كان هذا القرار سيوقف فرض العقوبات الأميركية على تركيا.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا: