نوفمبر 15 2017

تيارات الإسلام السياسي تبحث عن ملاذ آمن تجده عند اردوغان

مما لا شك فيه أن المتغيرات التي شهدها العالم العربي في اعقاب ما عرف الربيع كانت كافية لدفع تركيا الى البحث عن دور مؤثر واستثمار ما جرى من هزات سياسية واجتماعية في عدد من البلدان العربية.
كان هذا الاستثمار في الازمات كفيلا بدفع تركيا الى مساحات خيال وطموح مسرف باتجاه ان تكون هي مرجعية لذلك الواقع الجديد ممثلا في صعود تيارات الاخوان السياسي الاخوانية في كل من تونس ومصر وليبيا بشكل خاص.
هذا الخيال المسرف تمثل في إمكانية ان تقاد تلك الأنظمة بمرجعيات تركية او بالاصح اردوغانية حتى اختلطت الكاريزما الاردوغانية ما بين شكل تركي للاخوان المسلمين ونسخ  اخوانية اخرى قادمة من مصر وتونس وليبيا والعراق وسوريا.
هذه الحصيلة المتناقضة لم يكن يربطها من رابط سوى انتهازية جميع الأطراف المؤتلفة في هذا التشكيل الاخواني تحت خيمة اردوغان.
هذه الانتهازية السياسية والمصالح الانية المشتركة جعلت اقطاب هذا التيار يرتمون في حضن اردوغان فيما هو صار يمثل دور الراعي السياسي للجميع متمسحا بمسحة روحانية ايمانية.
وخلال ذلك كان اردوغان يطرح نفسه على انه بطل عثماني قادم من القرون الوسطى تتمثل فيه سيماء الفرسان الذين يمتد نفوذهم عبر الامصار لا يقيمون وزنا لا لحدود ولا لسيادة دول.
كانت الساحة المصرية التي شهدت الصعود الملفت للنظر لجماعة الاخوان المسلمين وتسلمهم السلطة في العام كفيلة بفتح شهية اردوغان مجددا بعد الصلة الوثيقة التي أسسها مع الشيخ راشد الغنوشي زعيم حزب النهضة التونسي والقطب الاخواني المعروف.
كانت مصر بثقلها السياسي والاجتماعي والثقافي شغلا شاغلا لاردوغان ولهذا كانت زيارته التاريخية لها في منتصف نوفمبر 2012 والقائه خطابا في قاعة المؤتمرات في جامعة القاهرة قد افصحت عن كثير مما يسعى اليه بصدد المشهد المصري.
التقى محمد مرسي الذي كان يشغل منصب الرئيس حينئذ وقال" تركيا ومصر إذا اتحدتا لن يتغنى أي أحد إلا بالسلام في المنطقة، وإذا تماسكنا مع بعضنا البعض، فتأكدوا أن البكاء والنياح لن يطغى على المنطقة".

اردوغان ومرسي
مرسي واردوغان خيال متخشب لشكل دولة الاستبداد

كان يرسم صورة وردية لتعاون استراتيجي مستقبلي وقدم لمرسي وصفة أراد من خلالها الوصول الى ذلك "الاتحاد الاخواني" المفترض.
يقول الباحث رجا طلب في مقال له في صحيفة الرأي الأردنية" لقد تلمس اردوغان نشوة النصر لدى زيارته اليتيمة للقاهرة في عصرالإخوان".
وأضاف" في تلك الزيارة اُستقبل استقبال الفاتحين وأشعره قادة الجماعة بدفء العلاقة وإستراتيجيتها، ورفع أنصار الحركة شعارات عكست عمق الارتباط الفكري والتنظيمي بين الجانبين ومن أبرزها "أردوغان.. أردوغان.. تحية كبيرة من الإخوان" و "مصر وتركيا عاوزينها خلافة إسلامية".
ويضيف الباحث" كان نظام اردوغان في ذلك الوقت يمر بالفترة الذهبية من حيث القوة، كما لم يكن قد تورط بعد في سوريا بصورة كبيرة، واستثمر كل تلك القوة في دعم نظام مرسي وقدم له الوصفة "الانقلابية" التي عمل بها منذ عام 2002 وهي استلام السلطة عبر استثمار أدوات النظام الديمقراطي القائمة".
لقد مضى اردوغان في تفاؤله المفرط في نقل تجريته في زعامة حزب العدالة والتنمية الى الساحتين المصرية والتونسية باتجاه تكامل افتراضي عاشه مع مستشاريه وكان هذا التفاؤل قد صار واقعا من خلال سلسلة القرارات والقوانين التي سنها مرسي ورهطه ابان استحواذهم على السلطة في مصر.
اما على صعيد الساحة التونسية فقد كان حبل الود متينا ما بين الرئيس التركي وبين زعيم حزب النهضة راشد الغنوشي الذي ما انفك يزور تركيا ويلقي فيها محاضرات صارت تستقطب جمهورا واسعا من حزب العدالة والتنمية.
يذكر الباحث زهير خلف الله  ان أفكار الغنوشي تلقى رواجا كبيرا داخل الساحة السياسية والفكرية في تركيا لأن العقل السياسي التركي يعتبرها أساس نهضته لأنها تعبر عن هويته التي حاولت الأحزاب العلمانية واليسارية طمسها والقضاء عليها".ويضيف الباحث "من جهة أخرى ظل فكر الشيخ الغنوشي في تونس غريبا عن الشعب التونسي رغم أنه ابن هذا الشعب. ومع الأسف، نقول أن أشد من يعادي فكر الغنوشي ويعمل ليلا ونهارا لتشويهه هم توانسة رفعوا شعارات ضد الغنوشي وتعتبره "سفاحا وقاتلا للأرواح". 

اردوغان والغنوشي
اردوغان والغنوشي واحلام الاسلام السياسي

ويقول الباحث التونسي امين بن مسعود" ان أردوغان عاش نحو عام ونيف، "جملوكيا"، من الجمهورية والملكية، على أقطار عربية عاشت ولا تزال عقدة فقدان الأب الروحي والسياسي القائد".
ويضيف "انها بلدان ظلت تعاني من أزمة هيكلية وبنيوية عميقة في مشروع الدولة القطريّة، إلى درجة أنّه لم يستوعب بعد ثورة 30 يونيو التصحيحية في مصر، ولم يستكنه بعد المسار النقدي الذي دخلته تونس بعد اغتيال المناضلين شكري بلعيد ومحمد البراهمي".
ليختتم قائلا" أنّى لمن عيّن نفسه قائدا على خلافة إخوانية من تراب وسراب أن يستفيق على ثورة تصحيح وتنقيح قطعت الطريق أمام “أخونة” الدولة و”عثمنة السلطة” وتحويل طريق “تونس – طرابلس – القاهرة” إلى حديقة خلفية لتركيا أردوغان".
لقد كان الانهيار المدوي لحكم زعامات الاخوان في جميع الساحات صدمة لاردوغان ونظامه ولهذا راح يدفع التهم عن الحركة التي اواها وساندها وانفق عليها.
يقول اردوغان في مديحه للتنظيم العالمي" انني لا أعتبر الإخوان المسلمين منظمة إرهابية لأنها ليست منظمة مسلحة، بل هي منظمة فكرية".
هو في الحقيقة دفاع اليائس من تلك التجربة المتخشبة ولهذا لم يجد بديلا عن جمع ثلة من الاخوانيين ، اغلبهم مطلوبون للقضاء في بلدانهم وعقد مؤتمرات اخوانية متواصلة كان زعيمها الروحي الشيخ يوسف القرضاوي الذي يتولى منصب اتحاد للعلماء المسلمين مقره في قطر.
الشيخ القرضاوي قال في اردوغان مالم يقله من قبله انسان فهو صاحب مقولة" الله معك وشعوب العرب والمسلمين معك، وكل الأحرار في العالم معك، ونحن علماء الأمة الإسلامية في المشارق والمغارب معك.. وجبريل وصالح المؤمنين، والملائكة بعد ذلك ظهير".

اردوغان والقرضاوي
اردوغان والقرضاوي : العلاقة الحميمية القائمة على المصالح

هذه المنظومة الكلامية المتنافرة كان الشيخ القرضاوي يلقيها على مسامع اردوغان في الوقت الذي كانت اجهزته الأمنية والمخابراتية تلقي بعشرات الوف الاتراك في السجون وكان هنالك عشرات الألوف مطاردين ومفصولين من الوظائف وحشودا أخرى تحت المراقبة.
التنظيم العالمي الاخواني برئاسة القرضاوي ما انفك يقيم المؤتمرات المتتابعة في اسطنبول وكلها تقريا كان يحضرها اردوغان مزدهيا بمن حوله من فتات التنظيمات المتناثرة هنا وهناك لسماع مايطربه من خطب القرضاوي بحقه .

الاتحاد العالمي ضيف دائم في تركيا
تجمع الاخوان اجتماعات دائمة في ضيافة اردوغان

في تحقيق نشره موقع روسيا الان جاء فيه" ان  أردوغان يحتاج إلى الإخوان المسلمين كقاعدة شعبوية يتغذى عليها ويستمد منها جماهيريته، فالرجل لم ينسى رفعة علامة "رابعة" بيده فى واحدة من أحلك الليالى التى مرت عليه فى حياته أثناء محاولة الإنقلاب عليه 15 يولي 2016 ، وكانت حركة ذكية منه لجمع أكبر قدر من التعاطف والدعم الشعبى فى هذه اللحظة العسيرة".
لاشك أن الإخوان يحتاجون أردوغان بنفس القدر، إما لسد الفجوة التاريخية التى سقطوا فيها باعتباره نموذجاً لخليفة المسلمين فى دولة الخلافة المنشودة التى تأتى على رأس أدبياتهم، أو ليظل حامياً ومدافعاً عنهم.
لهذا كله ليس مستغربا ان يوجه اردوغان ماكنته الإعلامية ضد مصر منذ سقوط حكم الاخوان الى اليوم اذ يقول" إن مصر تقوم بدعم الكيانات الموازية التي تتخذ ستار الدين من أجل السيطرة على عدد من الدول العربية، مضيفًا أنه "يفرق بين الشعب المصري والإدارة المصرية" ، متابعًا: "نحب الشعب المصري وكأنه شعبنا لذلك قدمنا كل الدعم للشعب المصري إلا أننا ضد السلطة المصرية".
لعل تيارات الإسلام السياسي بعد اندحار مشاريعها تباعا لم تعد تجد سلوى الا في مؤتمرات يرعاها اردوغان ويخطب فيها الشيخ يوسف القرضاوي والجميع يتغنون بمجد الإسلام السياسي والحنين للسلطنة العثمانية وهو ما يطرب الطرفين ويخدر مشاعر قواعد هشة مازالت احلامها الطوباوية ابعد ماتكون عن مآسي الواقع المعاش والى اين يسير العالم ومصالحه المتشابكة.