يناير 21 2018

تيارات الإسلام السياسي في ملاذها التركي الأخير

على الرغم من كثرة إخفاقات برنامج الإسلام السياسي للرئيس التركي رجب طيب اردوغان وكشفه اكثر من مرة عن سلوك براغماتي يقدم مصالحه الانتخابية ومجده الشخصي على أي شيء آخر، الا ان ذلك كله لم يقلل من بقايا تيارات الإسلام السياسي الهائمة بالنموذج الاردوغاني.
واذا كان البر والتقوى والعمل الصالح من علامات الرجال الصالحين فأن تورط الحلقة الأقرب الى اردوغان المتورطة في الفساد ونهب المال العام تلغي تلك التقوى تماما.
ويفاقم تراجيديا النموذج التركي – الاردوغاني الاعداد الغفيرة من ضحاياه، فالسجون تغص بعشرات الوف المعارضين والافا أخرى من الأبرياء فضلا عن عمليات عسكرية ضخمة خاضها الجيش التركي اباد فيها مئات الأبرياء.
من جهة أخرى ما انفك اردوغان يعلن انه لا ولن يتخلى عن علمانية الدولة التركية ولا عن العلمانية منهجا له ولحزبه الحاكم وهو يناقض تماما اطروحات الإسلام السياسي في مسحته الاخوانية ومع ذلك يغض أولئك النظر ولا يرون ذلك التناقض الصارخ.

تجمعات الاسلام السياسي ما زالت تلوذ بأردوغان ونظامه متوهمة انه المنقذ لها من فشل مشروعها ومشروعه ايضا
تجمعات الاسلام السياسي ما زالت تلوذ بأردوغان ونظامه متوهمة انه المنقذ لها من فشل مشروعها ومشروعه ايضا

في كتابه الإسلام السياسي في تركيا يقول الباحث التركي عبد الله مناز بظهور حزب "العدالة والتنمية"، اتجهت أنظار مناصري فكر الإسلام السياسي نحوه، كونه حزب تأسس على يد شخصيات تحمل فكر "الرؤية القومية". ولكن قُوبلت هذه الشخصيات، كرجب طيب أردوغان وعبد الله غل وبولنت أرينتش، بعين الشبهة، كونها انفصلت عن لواء القائد التقليدي الأساسي لفكر الإسلام السياسي في تركيا، نجم الدين أربكان.
ويضيف الباحث" لقد أظهر حزب "العدالة والتنمية" الذي وصل إلى الحكم عام 2002، بالرغم من شبهات أنصار الفكر الإسلامي، أنه حزب محافظ أكثر من كونه يحمل فكر الإسلام السياسي التقليدي القائم على تطبيق النظم الشرعية في جوانب الدولة، وحزب يميل إلى الحداثة والأفكار المرّنة البعيدة عن التعصب الديني وفقاً لما يُورده الكاتب".
ويعلن الباحث عن فشل الإسلام السياسي في تركيا ويعزو ذلك لعدة أسباب منها:
ـ قصور الرؤية وفشل الأسلوب.
ـ عدم طرح مشاريع محاكية للمشاكل العصرية.
ـ الاستعجال في الإصلاحات القريبة من فكر الإسلام السياسي، الأمر الذي أرهب مؤسسات الدولة العلمانية ودفعتها لمحاربتها، على النقيض من حزب العدالة والتنمية الذي برع في التدرج.
ـ البيئة الاجتماعية لتركيا، والتي لا تعتبر مؤهلة للقبول بفكر تطبيق الأحكام الشرعية أو القوانين الاقتصادية أو الاجتماعية الإسلامية، لما لعبته سياسة الدولة الحداثية في تهيئتها كبيئة معتدلة بعيدة عن التعصب الديني.
لكن هذه الحصيلة العملية لا تغير شيئا من اجندات تيارات الإسلام السياسي العاملة على الساحة العربية وما تزال تتشبث بأهداب التجربة الاردوغانية بوصفها بديلا عن فشلها في الحكم.

التحالف بين التنظيم العالمي للاخوان وبين اردوغان مرشح للتصدع بانتهاء مصلحة كل طرف مع الطرف الاخر
التحالف بين التنظيم العالمي للاخوان وبين اردوغان مرشح للتصدع بانتهاء مصلحة كل طرف مع الطرف الاخر

في مقال نشر في موقع امة بوست جاء فيه انه"  يتم التسويق لتركيا أنّها دولة إسلامية من الطراز الأول. دولة تسعى في الواقع بقيادة حزب العدالة والتنمية إلى الانقلاب على العلمانية قريبًا جدًا. تنتظر الجماهير عام 2023 المنشود الذي سيشهد مئوية معاهدة لوزان وإعلان تركيا كالدولة العظمى في العالم. يربط الكثير من الناس بين هذا وبين إعلان الخلافة عام 2023 من قلب إسطنبول كعاصمة الدنيا، ويرون أنّ تركيا تسير بخطوات ثابتة نحو أسلمة جميع مفاصل الدولة والمجتمع قريبا".
ويضيف المقال" إلّا أنّه ومن وجهة النظر الرسمية لتركيا، بل وحتّى باعتراف أردوغان ووفق المبادئ التأسيسية لحزب العدالة والتنمية، ومن مشاهدات واقعية للحياة اليومية ووفقًا لآخر استطلاعات الرأي للشعب التركي فإنّ تركيا علمانية حتى النخاع، وليس هذا فحسب، بل تدافع عن العلمانية وتروّج لها. العلمانية في تركيا بعيدة جدًا عن الزوال قريبًا".
اليوم، يتعايش الشعب التركي مع العلمانية بلا أي مشكلة كما كان في السابق. هناك فرق بين العلمانية الأتاتوركية التي كانت تقمع أي حراك أو وجود ديني وبين العلمانية التي جاء بها أردوغان وحزبه منذ 2001 ، هذا الامر يخلق تناقضا مريرا لدى تيارات الإسلام السياسي في العالم العربي الذي ينتظر بفارغ الصبر نعي العلمانية التركية وانتصار الاخوانية التركية.
في المقابل تأتي تصريحات رئيس  البرلمان التركي مناقضة تماما لما هو قائم اذ اعلن في تصريحات صحفية" إن تركيا تحتاج دستورا دينيا وإنه ينبغي إسقاط مبدأ العلمانية من دستورها الجديد".
من جانب آخر تجد تيارا فاعلا على الساحة التركية ممثلا في تيار المعارضة وحزب الشعب الجمهوري المعارض، الذي يعتبر نفسه قائما على مبادىء الجمهورية التركية الحالية، التي وضع أسسها مصطفى كمال أتاتورك قبل نحو تسعة عقود، يعارض بشدة مساعي حزب العدالة والتنمية لصياغة دستور جديد وفق توجهات الحزب وانسحب من اللجنة البرلمانية التي شكلها البرلمان الحالي لوضع الدستور الجديد.
وقال زعيم حزب الشعب الجمهوري كمال كليجداراوغلو" إن العلمانية هي أساس السلم الاجتماعي والفوضى التي نراها في الشرق الأوسط حاليا هي نتاج عقلية أناس أمثال السيد قهرمان، باستغلالهم الدين لاغراض سياسية. العلمانية هي ضمان لحق الأفراد في ممارسة عقائدهم بحرية".

الدفاع عن علمانية الدولة التركية في رأس اولويات النظام السياسي التركي منذ تأسيس الدولة التركية مهما حاول اردوغان الايحاء بخلاف ذلك
الدفاع عن علمانية الدولة التركية في رأس اولويات النظام السياسي التركي منذ تأسيس الدولة التركية مهما حاول اردوغان الايحاء بخلاف ذلك

ما تغفله تيارات الإسلام السياسي المتشبثة بأذيال اردوغان حقيقة الدستور التركي نفسه الذي يعتبره البعض معادياً نوعاً ما للإسلام، ألغيت فيه القوانين المستمدة من الشريعة الإسلامية في قضايا الأحوال الشخصية. فمنع تعدد الزوجات، وأعطيت المرأة المسلمة حق الزواج من غير المسلم وسمح بتغيير الدين، وأقرّت المساواة بين الذكر والأنثى في الميراث، كما أعطت القوانين الجديدة للأب حق الاعتراف بطفله، الذي يولد نتيجة علاقة غير شرعية.
هذا غيض من فيض من المسكوت عنه لدى تيارات الإسلام السياسي في اطار التعمية والتسويف وجمع الاتباع والايهام بمجد الإسلام السياسي في نموذجه التركي بينما دولة المؤسسات العلمانية المطلقة التي أسسها اتاتورك ماضية الى أهدافها غير مكترثة لمؤتمرات إسطنبول التي يجتمع فيها ثلة  من تيارات الاخوان المسلمين بين الحين والأخر لتمجيد الرئيس التركي باعتياره زعيما لتيار الإسلام السياسي والمدافع الأمين عن الاطروحات الاخوانية.
ختاما نقرأ ما كتبه الباحث مجدي سمير في موقع رصيف 22 عن تناقضات اردوغان اذ يقول" سجل أردوغان عبر تاريخه السياسي الكثير من التصريحات والقرارات المتناقضة بشأن مبادئ العلمانية، التي تبنتها تركيا خلال العقود التسعة الماضية، وعلاقتها بالإسلام. فأطلق عليها الكثير من التعريفات المتناقضة، التي تحير المتابعين له، وتزيد من الغموض المحيط بمصير العلمانية، في ظل حكمه الذي اشتد وتده عقب المعارك السياسية الأخيرة.
ويضيف الباحث" تتضح أبرز تناقضات أردوغان عبر قوله" لا يدّعي أحد أنه مسلم، ويقول في الوقت نفسه أنه علماني، فهذا غير ممكن"، في خطاب ألقاه عام 1997، حين كان رئيس بلدية إسطنبول. بينما تغنى بالعلمانية ومبادئها في سبتمبر عام 2011، خلال جولته في دول الربيع العربي، مناشداً مسؤوليها تبني الدستور العلماني التركي، مؤكدا أن" العلمانية لا تعني اللادينية".