جامعات جوفاء ومتعلمون عاطلون

قال رئيس اتحاد العاملين المستقلين بقطاع الصحة في تركيا محمد بيرقدار مؤخرا: "بلغ عدد المتخرجين من الجامعة العاطلين عن العمل رقمًا رهيبًا وهو مليون واحد، من أصل 4 ملايين، ما يعني أن التعليم الجيد لم يعد كافيًا للحصول على العمل في تركيا." 
مضمون هذه التصريحات صحيح وخطير للغاية؛ لأن عدد العاطلين بلغ 4 ملايين حتى طبقًا للإحصاءات الرسمية، علمًا أن هذا الرقم لا يشمل العاطلين من الشباب الذين لم ينضمّوا إلى القوى العاملة بعدُ، وكذلك هؤلاء الذين لا يبحثون عن العمل. ولو انضم قسم من هؤلاء إلى نظام التأمين ضد البطالة فإن نسبة البطالة وعدد العاطلين ستصل إلى مستويات أكثر خطورة.
ومع أن وجود مليون متخرج من الجامعة ضمن 4 ملايين عاطل، أمر مثير وباعث على القلق، لكن التعقيب الذي ساقه رئيس الاتحاد المذكور من أن التعليم الجيد لم يعد كافيًا للحصول على العمل يتضمن خطئًا بارزًا ينبغي تصحيحه. 
النقطة التي استوقفتني في هذه التصريحات هي أن بيرقدار يزعم أن هناك مليون شخص حصلوا على تعليم جيد، إلا أن ذلك لم يشفع لهم في الحصول على عمل. وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن السيد بيرقدار لم يجد وقتًا كافيًا لإلقاء نظرة على متوسّط الوضع لخريجي الجامعات من ناحية المؤهلات العلمية.
ومع أنني لم أطلع على أي دراسة في هذا الصدد، إلا أنني لا أعتقد أن يوجد بين مليون متعلم عاطل مَنْ تخرجوا في الجامعات المرموقة، مثل جامعات الشرق الأوسط التقنية أو بوغاز إيجي (البوسفور) أو إسطنبول التقنية. حتى لو افترضنا وجود عاطلين بينهم أيضًا فأنا متأكد من أن عددهم محدود للغاية. 
نظام التعليم في تركيا يعاني من مأزق كبير، وقد وصلت مشكلة النوعية والجودة إلى الذروة. نحن نعيش في فترة لم يعد مجرد الشهادة فيها نافعًا ومجديًا إذا كان حاملها بعيدًا عن المؤهلات العلمية والمهنية. وربما لن يقام أي وزن للشهادات الجوفاء في المستقبل. 
أريد أن أقدم لكم مقتبسات من الأخبار التي نشرتها مختلف المواقع الإخبارية خلال الأسابيع الأخيرة عن أوضاع الجامعات في تركيا:
فقد ورد في خبر نشره موقع "آرتي كرجيك" في 27 فبراير 2019: 
"شهد عدد الطلبة الذين تركوا الدراسة الجامعية خلال السنوات الخمس الأخيرة تزايدًا كبيرًا، فقد اضطر مليون و115 ألفًا و530 طالبًا جامعيًّا إلى ترك الدراسة، وذلك وفقًا للمعطيات التي أعلنتها وزارة التعليم التركية. وتشير تلك المعطيات إلى أن 135 ألف طالب جامعي تركوا دراستهم خلال العام الدراسي 2013-2014؛ في حين أن هذا الرقم ارتفع إلى 161 ألف طالب خلال العام الدراسي 2014-2015، ليواصل الرقم الارتفاع إلى 197 ألف طالب في العام التالي. واستمر الرقم في الارتفاع خلال العام الدراسي 2016-2017 ليصل إلى 212 ألف طالب. أما خلال العام الدراسي 2017 – 2018 فشهد زيادة كبيرة بلغت نسبتها 92.2% ليقفز الرقم إلى 408 آلاف طالب."
تدل هذه الأرقام على أن الطلاب الذين يطلعون على المستوى التعليمي في الجامعات عن كثب يهربون من الدراسة فيها. 
وخبر آخر عن أوضاع الجامعات نشره موقع "ديكن" في 26 فبراير 2019: 
"أعدت المنصة العلمية التابعة لحزب الشعب الجمهوري تقريرًا حمل عنوان "هروب من الجامعات والانهيار الأكاديمي"، لفتت فيه إلى أن إيران تقدمت اليوم على تركيا بأربع مراتب في مجال المنشورات العلمية بعد أن كانت أقلّ منها بـ12 مرتبة في عام 2002. وتراجعت حصة الاستثمار المخصصة للتعليم العالي بنسبة 42% في ميزانية عام 2019 مقارنة بالعام السابق. وكان كل أستاذ في الجامعات الحكومية مسؤولاً عن 120 طالبًا في عام 2002، فيما ارتفعت هذه النسبة إلى 157 طالبًا في عام 2018. وأفرد حزب الشعب الجمهوري مساحة للدراسات الدولية أيضًا في تقريره المذكور، حيث أشار إلى أن تركيا احتلت المركز الـ101 بين 137 دولة في مؤشر جودة نظام التعليم العالي لعام 2017-2018، وذلك بحسب تقرير التنافسية للمنتدى الاقتصادي العالمي." 
والخبر الأخير الذي سأنقله لكم نشرته صحيفة "جمهورييت" في 2 مارس 2019:
"لقد تزايد الانهيار الأكاديمي في عهد أردوغان بشكل ملحوظ. فبحسب مجلس التعليم العالي أو شركة (Quacquarelli Symonds)  البريطانية المتخصصة في التعليم العالي، التي يتعاون معه المجلس التركي، فإن أيًّا من الجامعات الحكومية لم تستطع الدخول بين أفضل 500 جامعة في العالم لعام 2019. ومع أن بعضًا من الجامعات الحكومية انضمّت إلى التصنيف القائم على النجاح في مجالات معينة، غير أن المجالات التي نجحت فيها لم تجاوز عددها أصابع اليدين. وإن كانت جامعة الشرق الأوسط التقنية برزت في مجال الهندسة، وجامعة "حاجت تبه" في مجال الطبّ، إلا أنهما تراجعتا أيضًا بـ100 مركز على الأقل في قائمة أفضل 500 جامعة في العالم خلال خمس سنوات. فيما استطاعت جامعتان خاصتان فقط على الدخول في القائمة، وهما جامعة كوتش التي تبوأت المركز الـ448، وجامعة "بيلكنت" التي احتلّت المركز الـ456."
ويواصل الخبر قائلاً: "ومما لفت الانتباه أن ترتيب الجامعات التركية الخاصة شهد تراجعًا بين أفضل ألف جامعة في العالم كذلك. فإذا عقدنا مقارنة بين الدراسات التي أجرتها الشركة البريطانية ذاتها في السنوات الخمس الأخيرة يتبين انخفاض ملحوظ في ترتيب الجامعات التركية. حيث توقف عدد الجامعات التركية في قائمة أفضل ألف جامعة عند 10 فقط، وهي: جامعات كوتش، بيلكنت، صابانجي، الشرقة الأوسط التقنية، بوغاز إيجي (البوسفور)، إسطنبول التقنية، أنقرة، غازي، حاجت تبه، وأخيرًا جامعة إسطنبول. وهذا بعدما كانت 5 جامعات تركية تتمكن من إحراز موقعها بين أفضل 500 جامعة في الدراسات التي أجريت في عامي 2016 و2017. فجامعة بيلكنت مع أنها كانت في المرتبة الـ394 عام 2016، إلا أنها تركت الصدارة لجامعة كوتش في 2019، فيما توقف ترتيب الأخيرة عند حاجز 448. وكانت جامعة الشرق الأوسط التقنية التي تتبوأ الصدارة بين الجامعات الرسمية في تركيا جاءت في المرتبة الـ431 بين جامعات العالم، والمرتبة الثانية بين عموم الجامعات التركية (الرسمية والخاصة) في 2016، إلا أنها لم تحجز موقعًا لها بين أفضل 500 جامعة على مستوى العالم عام 2019، حيث تراجع ترتيبها إلى 551." 
قدمت لكم مقتطفات من أخبار نشرتها مواقع إلكترونية مختلفة في تركيا، كان الخبر الأول يتعلق بمليون متخرج من الجامعة عاطل عن العمل رغم تلقيهم "التعليم الجيد"، وبقية الأخبار تتعلق بأوضاع الجامعات. 
إذا كان نظامنا يحتل المرتبة الـ101 من بين 137 دولة في مؤشر جودة التعليم العالي، وإذا كان هناك اتفاق جمركي بين تركيا والاتحاد الأوروبي، أي إذا كانت مفتوحة للتنافس الدولي، فأنا لا أفهم لماذا يستغربون بقاء المتخرجين من الجامعات دون عمل؟! 
زد على ذلك أن هؤلاء الشباب العاطلين يبحثون عن العمل وفقًا  لقيمة شهادتهم الاسمية، بغض النظر عن توافر المؤهلات العلمية الحقيقية فيهم أو عدمه، ومع ذلك لا يجدون العمل، ذلك لأن هناك فرقًا كبيرًا بين القيمة الظاهرية للشهادة الجامعية وقيمتها الحقيقية.
في عصرنا الراهن، الذي نشهد منافسة كبيرة في كل المجالات على المستوى المحلي والعالمي، من المستحيل تصوُّر نمو مستدام بمعزل عن جودة نظام التعليم. إذا لم يتمّ تطوير حلول جذرية لتحسين نظام التعليم والرفع بمستوى الدراسة الجامعية في تركيا، فلن يتحقق ذلك النمو المنشود أبدًا، وإن تدفق إلى البلاد أموال محدودة على المدى القصير في أحسن الحالات.
ومع أنني بنيت مقالي على التقييم الخاطئ لأحد رؤساء الاتحادات في تركيا، إلا أن هذا اعتقادٌ شائع بين عامة الناس، ومن الصعوبة بمكان تصحيحه. وذلك بسبب أن الناس لا يرغبون عادة في انتقاد أنظمة ومؤسسات ينحدرون منها وتصحيح الأخطاء المشهودة فيها، خاصة إذا كان الموضوع يخص الجامعات أو نظام التعليم بأكمله. ولا يمكن، في ظل هذه العقلية لنظام أردوغان، تغيير نظام التعليم بكل مراحله والجامعات، وليس فقط هذا الاعتقاد الشائع الخاطئ.


يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضا:

https://ahvalnews.com/tr/ekonomi/issizlik-universiteler-ve-cok-yaygin-bir-yanlis
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.