جذور ومُستقبل تأسيس حزب العدالة والتنمية، التركي.. أربكان، غول، أردوغان

 

تسبب تأسيس حزب العدالة والتنمية كحزب منفصل عن الراحل نجم الدين أربكان مؤسس حركة "الرؤية القومية"، في أزمة يمكن تفسير أحداثها العظيمة تحت عنوانين رئيسيين.
الأزمة في العنوان الأول مرتبطة بالأزمة في حزب الرفاه الذي يُعدّ حزب الرؤية القومية. وأما العنوان الثاني للأزمة فمرتبط بموضوعات الاقتصاد والسياسة وحقوق الإنسان والعلاقات الدولية التي دخلت فيها الدولة.
ظهرت الأزمة المرتبطة بحزب الرفاه كما هو معروف باضطرار نجم الدين أربكان للتخلي عن رئاسة هذا الحزب بعد عملية 28 فبراير.
في هذه الأزمة قام عبدالله غول بالترشح لرئاسة الحزب ضد رجائي كوتان الذي أشار إليه أربكان بأن يكون هو خليفته في رئاسة الحزب، وحصل غول على أصوات ليست بالقليلة.
حصل رجائي كوتان على 633 صوتاً بينما حصل غول على 521 صوتًا. وكان هذا موقفًا استثنائيًا جدًا قبل حركة الرؤية القومية وبعدها.
ولقد تركت بعض المفاهيم أثرا في ذاكرتنا، مثل مفهوم "قائمة الترشح للرئاسة" التي تلفظ بها غول في مؤتمره الأول حيث يُمنح المندوبون سلطة تعيين إدارة الحزب وليس الرئاسة العامة فقط.
وبهذه الطريقة وقبل تأسيس حزب العدالة والتنمية، تمت تهيئة الرأي العام لدعم الحزب عن طريق لفت انتباهه لمجموعة الناخبين الذين حصلوا على دعم حركة "الرؤية القومية".
وبينما كان حزب العدالة والتنيمة في طور التأسيس، أصبح هناك توقع من تصرفات عبدالله غول وفريقه الذين لم يعطوا حزب الرفاه ومن بعده حزب الفضيلة أهمية، أنهم سيتخلون عن العروض التي أتوا بها في ذلك المؤتمر من خلال توحيد مواقفهم.
حتى أنّه تمّ عمل برنامج  في هذا الإطار في المؤتمر العام للمندوبين من أجل أن يكون لكل عضو في الحزب كلمة.
تخلى حزب العدالة والتنمية منذ مؤتمره الأول عن "القانون الحديدي للأوليجاركية" الذي أقره العالم السياسي روبيرت ميشيلز في بداية القرن العشرين والذي لم تستطع الكثير من الأحزاب الهروب منه.
ولكن تم تحقيق هذا التغيير على غير عادة الاتجاه في هذه الحركة أي عكس المركزية التابعة لقوة المركز.
(تم التخلي عن مبدأ اختيار الأعضاء بالحزب للمندوبين بسبب عدم قبول الرؤساء الحاليين للجميع كأعضاء، والتطبيقات مثل دفاتر الأعضاء الموازين وهذا لضمان الوجود في إدارة الحزب والتمتع بسلطة اختيار مندوبي الأعضاء).
تقوم الأحزاب من كل المستويات باتخاذ التدابير التي تؤمن بتواجدها في الحكم عندما لا يقع عليها ضغط خارجي، ويظهر هذا في موضوع عدم وجود قصور فيها.
وفيما يتعلق بإدارة الحزب فقد نُسيت هذه الاقتراحات في زمن قصير جدًا، ونتيجة لذلك ظهر في حزب العدالة والتنمية وضع لا يمكن لقانون الأوليكارشية الحديدي توضيحه.
لأنّ قانون الأوليكارشية الحديدي لميشيلز كان يقول بوجود اتجاه تحكم مجموعة بشكل لا يمكن إنكاره في كل مؤسسة. أما في حزب العدالة والتنمية فإنه لم يكن التحكم في يد مجموعة ولكن في يد شخص واحد حاسم.
يتوجب دراسة هذا الموضوع والحيرة التي عاشها هذا الفريق عندما خرج من المجموعة، والذي كان يتكون من أشخاص أصحاب مسؤولية وكلمة داخل حزب الرفاه، وطوروا الاعتراضات الأولى داخل الحزب، والذين لم يشتكوا من مركزية الحزب لفترة طويلة، ولم يكونوا من السياسيين أصحاب الخبرة.
نحن نعلم أنه لا يمكننا القيام بتحليل شامل في مقالة واحدة بجريدة، ولكن يمكننا أن نقول التالي:
ومن الطبيعي أن تؤدي التصرفات المتخوفة للمجموعة المنبوذة التي تدل على رؤية مختلفة للرئيس داخل حزب العدالة والتنمية، وحتى التصرفات المتخوفة في استخدام المسؤولية التي وكلت إليهم من الهيئات والمؤسسات خارج الحزب إلى هذه النهاية.
وكمثال لهذا الموقف فإن الرئيس السابق عبدالله غول قد ترك حل المشكلة الخاصة بتقييد استخدام الإنترنت للمحكمة الدستورية بدلًا من إرسالها لمجلس النواب مرة أخرى لمناقشتها بالرغم من درايته أنها غير دستورية.

وأخيرا شعور غول باضطراره لإعلان موافقته على مرسوم 696ـ عقب انتقاد مسؤلي حزب العدالة والتنمية ومؤيديه وكذلك أردوغان قائد الحزب له بعدما أعلن غول قلقه بشأن الأقوال المبهمة في المادة 121 من المرسوم 696 الذي يحمل قوة القانون، والذي يبرئ المواطنين من المحاكمة بشكل مبهم بدون شرط أو وقت محدد ـ الذي يوضح لماذا الحاكم هو شخص واحد لا يستشير أحد.

باختصار فإن الأزمة التي تُشبه الأزمة التي برهنت على نجاح غول في مخاطبة أعضاء حزب الرفاه داخل الحزب وأيضًا مخاطبة الرأي العام، ودوره المهم في تأسيس حزب العدالة والتنمية كبديل قوي ليست موضوعًا للحديث كإدارة للحزب من وجهة نظر حزب العدالة والتنمية.
ولكن تأسيس حزب العدالة والتنمية في تركيا مطلع الألفية وحالة حقوق الإنسان التي أمنت تطوره والأزمات الموجودة في المجالات الاقتصادية والسياسية، وربما وجودها في فترة حكم حزب العدالة والتنمية بشكل أكبر قد فتحت الطريق أمام مشاكل أكبر داخل الحزب حتى وإن لم تكن هناك مشكلة في إدارة الحزب.
والأهم من ذلك، عندما وصل حزب العدالة والتنمية لسدة الحكم كان يتم امتداحه بسبب إزالته لقانون الطوارئ الذي كان محددًا ببعض الأماكن فقط، والآن يقوم المنتمون لحزب العدالة والتنمية بخنق الدولة بشكل منفصل عن القضاء ورقابة مجلس الأمة عن طريق استصدار المراسيم التي تحمل قوة القانون في الموضوعات التي لا يشملها قانون الطوارئ حيث أصبحوا السبب الرئيسي للتأثير العميق في الكثير من الناس بالظلم الذي يقع عليهم.
هذا النظام غير الموجود في الرقابة القانونية يشتكي منه رئيس الجمهورية وليس الذين يسري عليهم النظام فقط. وكما نذكر فقد اشتكى رئيس الجمهورية من الأعمال التي تنفذ باسمه قائلًا "لن أوافق على الأعمال الخارجة عن القانون والتي تنفذ باسمي"، وهنا يكون قد أوضح ضمنيًا أنه قد انفصل عن تصرفات موظفي الدولة التي تتم خارج محيط القوانين العامة.
يمكن لهذا الوضع أن يتضح عن طريق الأسباب الهيكلية وليس عن طريق فساد البيروقراطية التركية. أصبحنا نعرف أن البعد عن دولة القانون يفتح الباب أمام الظلم المتمادي بعيدًا من خلال كلام رأس الإدارة في البلاد.
لا يمكن لتلك القضايا، والعمل الخفي في قضايا اتحاد المجتمعات الكردية، والخيانة التي تعرضت لها المدن أن تتم إلا بالانفصال عن دولة القانون. وآخر مثال على الأذى الذي سببه البعد عن دولة القانون فهو المشكلة الموجودة في تطبيق باي لوك والتي دخل بسببها قرابة العشرة آلاف شخص في قوائم وأماكن خاطئة، ورأينا كيف تم سجن ألف شخص بسبب هذه الاتهامات الباطلة عن طريق طلب من إعلام التيار الرئيسي الحاكم.
والأسوأ من ذلك بحسب ما أفادت به مجموعة تقوم بالبحث في هذه المواضيع هو انتحار أربعة أشخاص نتيجة تواجدهم في هذه القائمة الخاطئة. إن هذا الوضع الذي وضع الكثير من المبادئ تحت قدميه مثل المحاكمة العادلة قرينة البراء، والمجرم يستفيد من الاشتباه، وقانونية الاتهام والجزاء؛ لهو أزمة في حقوق الإنسان والعدالة.
لم يعد لدي متسع من أجل مقارنة المشاكل الاقتصادية والسياسية والعلاقات الدولية عند تأسيس حزب العدالة والتنمية بهذه المشاكل اليوم. ولذلك يمكنني أن أقول التالي بدون الدخول في تفاصيل: 
إن الأزمات والأسباب التي ولدت حزبًا بديلًا في ذلك الوقت ستفتح الطريق إما لاستعادة حزب العدالة والتنمية لقوته أو تشكيل سياسي يتحدث عنها ويعطي الأمان بخصوصها.
 

يُمكن قراءة هذا المقال باللغة التركية أيضاً: