Ergun Babahan
مارس 22 2018

جريدة "حرييت" في ثوبها الجديد المملوك للدولة

جاء الدور على آيدين دوغان الذي بدأ حياته بائعًا لقطع الغيار في سيركه جي كي يُسلِّم المفتاح إلى ابن مهنته، وشريكه الأول، أردوغان دميروران الذي ترقب هو الآخر هذه الفرصة كثيرا.
تمكن أردوغان في النهاية من هدم قلعة جريدة "حرييت" التي تعرضت مؤخرا له في مقال بعنوان "لن يستطيع الفوز حتى بمنصب مختار". 
يمكننا القول إن صفقة بيع جريدة "حرييت" تلك كانت بمثابة إعلان رسمي لوفاة الإعلام في تركيا؛ لأن عاقبة حرييت تحت إدارة دميروران لن تختلف كثيرا عن مثيلتها في صحيفتي ميللييت، والوطن. وكل ما حدث هو أن عملية البيع تلك لم تأتِ بأي جديد سوى أنها عجَّلت بموت حرييت فحسب.  
أظهر المديرون في الجرائد المنافسة ردة فعل كبيرة عندما سرَّبت الحكومة في الثمانينيات مجموعة صور خاصة جدا إلى جريدة حرييت بعد وقوع أحد الحوادث المهمة في تلك الفترة. تحدّث رئيس تحرير حرييت خلال هذه الفترة جتين آمتش - الذي راح ضحية اغتيال شنيع في وقت لاحق- في معرض رده على هذه الانتقادات قائلًا "كل ما في الأمر أن جهاز الاستخبارات الوطنية يفرق في المعاملة بين الأخ الأكبر والأخ الأًصغر". 
نعم، لقد كانت الصحف في ذلك الوقت، أو بتعبير هذه الأيام كان الإعلام يُدار بتوجيه من الدولة. استطاعت جريدة "صباح" أن تكسر هذه القاعدة مرة واحدة لفترة قصيرة خلال سنوات عملها الأولى في الصحافة، ولكن ما لبثت أن تراجعت عن موقفها، ليس هذا فحسب بل وأصبحت الجريدة المفضلة للدولة في تلك الفترة. وبالنسبة لجريدة حرييت، فقد استخدمتها الدولة كذلك لإرسال ما تود إرساله من رسائل، وسعت من خلالها كذلك إلى توجيه الشعب التركي.
أصبحت حرييت الجريدة الأكثر طباعة للنسخ، وامتلكت شبكة توزيع قوية في عموم تركيا، وصارت الجريدة الأكثر تأثيرا بكتابها المعروفين. وتزايد نشاطها بشكل أكبر في فترة إدارة أرطغرل أوز كوك.
نجح أوز كوك خلال تلك الفترة في إدارة الجريدة، كان بمثابة رئيس أوركسترا بارع استطاع أن يوفِّق بين مصالح آيدين دوغان من ناحية، ومطالب الدولة، والقراء من ناحية أخرى. استطاع كذلك أن يُقوي من دعائم جريدة حرييت بالدخول بقوة في سوق الإعلانات في وقت كانت جريدة صباح تجاهد لتنجو بنفسها من خطر الغرق. وحققت الجريدة في عهده مكاسب كبيرة من الإعلانات بلغت بتقدير تلك الفترة ما يزيد عن 1.2 مليار دولار..
بذل أوز كوك جهده كي تحافظ جريدته على تفوقها، ولكنه لم يكن يدري حينها أن إصراره –وهو يسعى لتحقيق لذلك – على قهر منافسيه كان بمثابة بداية النهاية لطموحه هذا.
لم يكن يدري بحملته على تورغاي جينر الذي خَلَفَ دينج بيلجن في إدارة صباح لفترة قصيرة ظنًا منه أنه بذلك يقوِّي من نفسه، أنه كان يتجه هو الآخر إلى فترة من الضعف والركود. لأنه وقف وحيدا في مواجهة رجب طيب أردوغان الذي تنامت قوته، ونفوذه في تلك الفترة.
يُذكِّرني الموقف الذي اُضطر معه آيدين دوغان إلى بيع جريدة حرييت بكلمة إلهان جيهانر "يظن حزب الشعب الجمهوري أن الدولة التي نراها اليوم هي نفسها الدولة التي أسسها في الماضي".
كان بيع جريدة حرييت بمثابة إشعار بانتهاء تأثير الدولة القديمة على الإعلام. كانت الدولة القديمة تدين بالولاء للفكر الكمالي، وتتخذ مبادئ العلمانية أساسا لها، كانت من أشد المؤيدين للحضارة، والثقافة الغربية في الشكل، ونمط الحياة؛ أما الدولة الحديثة فهي أردوغانية، إسلامية التوجه، تميل بسياستها نحو الشرق..
لم تكن حرييت مجرد صحيفة عادية؛ فكانت المتحدث باسم فترة الجمهورية التي عرفت بتعدد الأحزاب السياسية فيها: حقيقةً أنها تتحدث في الإطار الذي تحدده الدولة، ولكنها لم تتردد في الوقت نفسه في دعم الانقلاب على السلطة الحاكمة عندما انحرفت تركيا إلى طريق وعر. ويقف التاريخ شاهدا على دعمها المطلق لانقلاب عام 1960، وتدخل الجيش في عام 1917، كما دعمت مذكرتي 28 فبراير، و27 إبريل.
وقفت جريدة حرييت في الوقت نفسه في مقدمة الكيانات التي لم تعترف بالعقوبات المفروضة على بعض الأسماء التى تراهم الدولة "أعداءً" لها: من هؤلاء يلماز غوناي، وأورهان باموق، وأحمد قايا، وأكين بيردال، وعثمان باي دمير، وهرانت دينك.
انتقدت صلاح الدين دميرتاش خلال فترة الانفتاح، ولكنها لم تنفخ الأبواق من أجل الدولة من أجل مقتل طاهر ألجي.
كثر الحديث في الآونة الأخيرة على نعت الأكراد بالأعداء. والواقع أنهم لم يأتوا بجديد في هذا الشأن لأن الأكراد كانوا أعداء في نظر الدولة القديمة، والحديثة معا؛ أي أن فكر الدولة لم يتغير في هذا الشأن، وفي هذا الإطار تمسكت جريدة حرييت بشعار "تركيا للأتراك" حتى في الأيام التي ظنت فيها الدولة أنها ستحقق حلمها بالحصول على عضوية الاتحاد الأوروبي.
وفي الوقت الذي ناصبت فيه الدولة العداء للدين لم تغير الجريدة من توجهها، وظلت تنشر أخبار "دروس القرآن" على صفحاتها. وخسر حزب الشعب الجمهوري، ورواد الفكر الكمالي هذه المعركة الكبيرة.
كان بيع جريدة حرييت بمثابة رفع راية الاستسلام من جانب أنصار الفكر الكمالي، وتكميم أفواههم.
أصبحوا مثل جيل لا يجد سبيل سوى العيش على آمال، وأحلام الماضي، تماما مثل الشيوعيين الذين يحتفلون بذكرى الثورة في موسكو بالأعلام الحمراء. لم يعد هناك من يتحدث باسم هذه الشريحة من المجتمع التي تتوق لعودة العصر الذهبي للفكر الكمالي.
كانت جريدة حرييت على الرغم من كل شيء الملاذ الأخير لبعض الأسماء التي تسعى جاهدة للعيش حرة، مستقلة. لم يعد هناك وجود الآن لهذا الملاذ. أما الكُتَّاب، والأقلام المؤيدة للدولة داخل حرييت فلا شك أنهم سيشعرون بالراحة لأنهم ينظرون إلى بيع جريدة حرييت بأنه مجرد تغيير في الأسماء.
لا شك أن الدولة ستستمر في توفير الحماية الملائمة لهؤلاء. 


يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضا: