يناير 07 2018

جمهورييت: الصحيفة التي كشفت وجه الدكتاتورية والاستبداد

ان التاريخ سيصف ممارسات السلطات التركية القمعية بـ"العار"، بهذه العبارة خاطبت صحيفة "جمهورييت" السلطات  التركية، وذلك عقب اعتقالها تسعة صحفيين ومديرين تنفيذيين في الصحيفة، ضمن إطار حملة الاعتقالات الانتقامية الواسعة التي يشنها الرئيس رجب طيب أردوغان، مستغلا محاولة الانقلاب التي جرت منتصف يوليو الماضي.
 الشرطة التركية طاردت بلا هوادة صحفيي جمهورييت فبدأت باعتقال  رئيس التحرير مراد سابونجو ثم الحقت ذلك باعتقال 13 من صحفييها وادارييها.
ما جرى لصحفيي جمهورييت يكشف حجم الفضيحة والمأساة التي تعيشها الحريات الصحفية في تركيا  فخلال تلك الحملات قضت محكمة في اسطنبول بسجن رئيس تحرير موقع صحيفة «جمهورييت» المعارضة، أكثر من ثلاثة أعوام لاتهامه بالقيام  بـ"دعاية إرهابية"، عبر تغريدة، وفق ما نقلت الصحيفة.
وكان غوفين اعتقل بتهمة كتابة تغريدة اعتبرت في غير محلها على حساب «جمهورييت» على «تويتر»، حول وفاة أحد المدعين المشرفين على التحقيقات مع أنصار جولن في حادث سير.
وأشارت الصحيفة في هذه التغريدة إلى أن المدعي «صدمته شاحنة». وشطبت التغريدة بعد أقل من دقيقة لتستبدل بأخرى جاء فيها أن المدعي قضى في حادث شاحنة مأساوي.
اما جان دوندار، رئيس تحرير الصحيفة فقد تمت مطاردته واعتقاله ويومها قال في مقابلة مع صحيفة الـغارديان  البريطانية إنّ ملاحقة بلاده المستمرة للصحافيين هي الأسوأ في تاريخها، وقد اودع السجن بتهمة التجسّس وإفشاء أسرار الدولة.

رئيس تحرير جمهورييت تمت ملاحقته وسجنه وتم اتهامه بالخيانة و بالتعاون مع منظمة ارهابية
رئيس تحرير جمهورييت تمت ملاحقته وسجنه وتم اتهامه بالخيانة و بالتعاون مع منظمة ارهابية

جاءت التهم الموجّهة إلى جان دوندار على خلفية نشر مقال في مايو 2015 يتهم الإستخبارات التركية بإرسال أسلحة إلى منظمات إرهابية في داخل سوريا تحت ستار المساعدات الإنسانية. 
وبعد ان استطاع جان دوندار مغادرة تركيا مستغلا فرصة الافراج المشروط ظل زملاءه يعانون الامرين ما بين السجون والمحاكم التركية.
فقد أصدرت محكمة تركية أمرا باستمرار احتجاز أربعة من صحفيي الجريدة.
وقالت صحيفة "جمهوريت" إن احمد شيخ ، صحفي التحقيقات البارز والذي يخضع للمحاكمة تم منعه من التحدث خلال دفاعه بعد اتهامه لإجراءات المحاكمة بأنها ذات دوافع سياسية وانتقاده لـ"النظام الديكتاتوري" في البلاد.
وقام حراس الأمن بإخراج شيخ من قاعة المحكمة، مما دفع متهم آخر، هو مراد سابونجو، رئيس التحرير، إلى رفض مخاطبة القاضي احتجاجا.
وقد وجه الادعاء العام تهم تتعلق بالإرهاب ضد 17 صحفيا وموظفا بصحيفة جمهوريت، منهم رئيس التحرير السابق جان دوندار، الذي يعيش في المنفى في أوروبا.
وشهدت جلسات الاستماع السابقة اطلاق سراح صحفيين آخرين في القضية بانتظار صدور حكم. ويواجه بعض المحكوم عليهم عقوبة السجن لمدة 43 عاما إذا ثبتت إدانتهم.
وفي الاجمال يتهم 17 من مسؤولي وصحافيي ورسامي وموظفي الصحيفة الحاليين أو السابقين وبينهم أربعة قيد الحبس الاحترازي منذ نحو سنة بمساعدة "منظمات ارهابية مسلحة" وهي تهم تصل عقوبتها حتى السجن 43 عاما.

العديد من صحفيي جمهورييت مازالوا في السجون ينتظرون احكاما قضائية تعسفية قد تمتد لسنوات عديدة
العديد من صحفيي جمهورييت مازالوا في السجون ينتظرون احكاما قضائية تعسفية قد تمتد لسنوات عديدة

وفي نهاية الجلسة العاصفة، قرر القاضي تمديد احتجاز الاربعة، الصحافي شيك، ومدير الصحيفة اكين اتالاي، ورئيس تحريرها مراد سابونجو، والمحاسب ايمري ابيير، حسب ما قال المحامي كمال ايتاك لفرانس برس.
وحدد القاضي 9 مارس موعدا للجلسة المقبلة التي ستعقد في مجمع سجن سيليفري خارج اسطنبول، بدلا من المحكمة الرئيسية في المدينة حيث عقدت كافة الجلسات السابقة.
وقد شعر القاضي بالاستياء والإهانة من تصريحات شيخ الذي أدان الحكومة واتهمها انها تتعامل مع معارضيها كـ"إرهابيين".
وقال شيخ في معرض دفاعه عن نفسه إن"هناك قضاء تسيطر عليها الحكومة ويتحول مصطلح +الارهاب+ إلى اتهامات عبثية".
ورد رئيس المحكمة قائلا" كفى، اذا أردت ان تمارس السياسة، عليك أن تصبح نائبا في البرلمان. لا يمكن أن أسمح للمتهم المواصلة بهذه الطريقة. فليتم اخراجه من القاعة".
على الفور، سارع العشرات من مؤيدي "جمهورييت" الحاضرين في القاعة بالتوجه الى القاضي قائلين "سيأتي يوم تخضع فيه للمحاكمة" و"سيخرج أحمد من السجن وسيكتب من جديد"، ما أدى الى تعليق الجلسة.
وبدات المحاكمة في 24 يوليو الفائت، وامرت السلطات بإطلاق سراح عدد من المتهمين ليبقى أربعة فقط قيد الاحتجاز، بينهم شيخ الموقوف منذ 360 يوما.
وكان شيخ كشف في كتاب عن علاقات النخبة التركية بحركة غولن التي تقول انقرة انها تغلغلت في المؤسسات الحكومية. لقد سبق وان تعرض للسجن بين عامي 2011 و2012.

مراد صابونجو احد اشرس الصحفيين المعارضين وهو قاد فريق عمل جمهورييت بعد تمكن دوندار من مغادرة االبلاد
مراد صابونجو احد اشرس الصحفيين المعارضين وهو قاد فريق عمل جمهورييت بعد تمكن دوندار من مغادرة االبلاد

ويتهم صحافيو "جمهورييت" بانهم ومن خلال كتاباتهم أيدوا ثلاث مجموعات تعدها انقرة "ارهابية" وهي حزب العمال الكردستاني، ومنظمة حزب-جبهة تحرير الشعب اليسارية الراديكالية، وحركة الداعية فتح الله غولن.
وتنفي "جمهورييت" الاتهامات الموجهة الى صحافييها وتصفها بانها "عبثية" وتؤكد ان الهدف من المحاكمة هو اسكات إحدى آخر الصحف المستقلة في تركيا.
وقالت محامية الصحافيين غولندام سان كارابولوتلار لفرانس برس ان" هذه المحاكمة هي رمز للمحاولات الهادفة الى تكميم حرية التعبير في تركيا اليوم. انها رمز للضغوط التي تمارس ضد الصحافيين".
وقد امضى اتالاي وصابونجو 421 يوما في السجن حتى الان، في حين أمضى المحاسب ايبر 263 يوما.
وكانت المحكمة افرجت عن متهمين بارزين، بينهم المعلق السياسي قدري غورسيل، لكنهم لا يزالون في لائحة الاتهام ويخضعون للمحاكمة.
وتثير المحاكمة قلق شركاء تركيا الغربيين بعد ان ضاعفت السلطات توقيف الصحافيين منذ محاولة الانقلاب.
ويفيد موقع "بي24" المختص في قضايا حرية الصحافة ان نحو 170 صحافيا معتقلين، معظمهم بموجب قانون الطوارئ المفروض منذ محاولة الانقلاب الفاشلة منتصف يوليو 2016.

الاحتجاجات والمطالبات الدولية والمظاهرات لم تفلح في ثني السلطات التركية في اجراءاتها التعسفية ضد صحفيي جمهورييت
الاحتجاجات والمطالبات الدولية والمظاهرات لم تفلح في ثني السلطات التركية في اجراءاتها التعسفية ضد صحفيي جمهورييت

وتحتل تركيا المرتبة 155 في قائمة تضم 180 بلدا في تصنيف لحرية الصحافة وضعته منظمة "مراسلون بلا حدود".
وتعد صحيفة جمهورييت  أحد الأصوات المعارضة الحقيقية القليلة في الصحافة التي تهيمن عليها وسائل الإعلام المؤيدة للحكومة واليوميات الشعبية الأكبر التي باتت أكثر حرصا على عدم تحدي السلطات.
وتحولت صحيفة جمهورييت التي تأسست عام 1924 وتعد أقدم صحيفة قومية شعبية في البلاد، إلى شوكة في خاصرة أردوغان خلال الأعوام القليلة الماضية.
وتلخص محاكمة الصحافيين في إسطنبول الوضع الراهن للصحافة والحريات في تركيا والتي شهدت منعطفا حادا منذ محاولة الانقلاب الفاشلة في يوليو 2016، وما لحقها من تداعيات، حيث أصبحت التهمة الأكثر شيوعا للصحافيين، لا سيما المعارضين منهم هي “دعم منظمات إرهابية”.
ودعت منظمات دولية مدافعة عن حرية الصحافة وجماعات حقوق الإنسان إلى اسقاط الاتهامات.