فبراير 26 2018

جمهور كرة القدم التركية.. زبون ... يصعب إرضاؤه!

 

أصبح يوسف يازيجي واحدًا من أكثر اللاعبين الذين تناقلت الصحافة أخبارهم مؤخرًا؛ فقد استطاع خلال فترة زمنية قصيرة أن يحقق الفوز في العديد من المباريات، مرتديًا قميص فريق طرابزون سبور، حيث أَهلته طريقة لعبه المميزة، وقدراته المهارية العالية، وثقته بنفسه؛ ليحتل مكانة لائقة بين نجوم كرة القدم الآخرين.
وكان من الطبيعي أن يحتل مكانًا مميزًا بين اللاعبين الذين شملتهم حركة التنقلات الأخيرة بين صفوف أندية إسطنبول. ولم يقتصر الأمر على هذا فحسب، بل ألمحت الصحف كذلك إلى احتمال انتقاله للعب في صفوف أندية أوروبا؛ فأصبح أحد اللاعبين الذين يُعلِّق عليهم المنتخب الوطني آمالاً عريضة. الأمر الذي أدخل البهجة والسرور على قلوب السواد الأعظم من مشجعي فريق طرابزون سبور.
لقد كان الجميع يعدونه واحداً من أبنائهم، كما أنه جاء من إحدى مدنهم. كانت أمور ذلك الشاب ابن الحادية والعشرين تسير على ما يرام، إلى أن تعثَّر بشكل مفاجئ في الأسابيع الأخيرة.
من الطبيعي أن يمر أي لاعب كرة قدم بفترةٍ من التراجع في المستوى الأدائي، تقل فيها لياقته البدنية. لم يكن يوسف أوفر حظًا من هؤلاء اللاعبين كذلك؛ فقد ظل على حالته المتردية هذه مباراتين أو أكثر. لكن عندما يستمر الأمر إلى ما هو أبعد من ذلك، حينئذٍ نقول كفى! لقد اشتعلت المدرجات خلال أحداث مباراة فريق طرابزون سبور مع منافسه باشاكشَهِر بصفير المتفرجين؛ احتجاجًا على أداء يوسف، الذي طالما تفاخروا بوجوده بين اللاعبين قبل ذلك بشهرين فقط.
فيرناندو موسليرا، لاعب من دولة أوروغواي، انضم للعب في صفوف فريق غلاطه سراي في صيف 2011. شارك هذا اللاعب، في الصيف السابق لهذا الموسم الكروي، صفوف المنتخب القومي لدولة أوروغواي في مباراة نصف النهائي في تصفيات كأس العالم. وعلى الرغم من تجربته الجديرة بالاحترام مع الفرق الإيطالية، إلا أن بدايته لم تكن موفقة مع أصحاب القمصان ذات اللونين الأصفر والأحمر. 
لذلك لم ترحمه سهام النقد التي انهالت عليه، بعد أن هزَّت شباكه عدة أهداف جاءت جميعها عن طريق الخطأ، وبعد إشهار البطاقة الحمراء في وجهه عدة مرات. ومع هذا لم يستسلم، واستطاع أن يستعيد نشاطه وحيويته بعد فترة قصيرة، ووقف حائطًا منيعًا يصد التسديدات، والضربات الحرة المباشرة...
استطاع الفوز ببطولة الدوري مع فريق غلاطه سراي ثلاث مرات، لعب خلالها فيرناندو أو "ناندو"، كما يطلقون عليه، دورًا رئيسًا في تحقيق الفوز، حيث كان بمثابة الجواد الرابح في مباريات الفريق في أوروبا. ومع هذا، بدأ مستوى الفريق في التراجع؛ فلم يكن موسليرا أفضل حالًا عن باقي اللاعبين؛ إذ توالت على الفريق الهزائم الثقيلة التي أحرزت فيها الفرق المنافسة أربعة أهداف أو أكثر.
مرة أخرى يجد موسليرا نفسه في مواجهة موجة عنيفة من الانتقادات التي كانت نتيجة طبيعية للحالة المتردية التي آل إليها حال الفريق، ووصل الأمر إلى حد تفكير الطاقم الفني للفريق في وضع موسليرا على قائمة الاحتياط . لكن الأمر تغيّر برمته عندما كتب بعض المشجعين رسالة إلى زوجة موسليرا عبر إنستجرام، قالوا لها "عودوا إلى دياركم!".
لم يهتم أحد بعد هذه الواقعة بما يفكر فيه موسليرا، أو زوجته. وعلى العكس من ذلك، كانت النقطة الأساسية التي شغلت تفكيرهم في النادي هي وجود عدد من المشجعين، يطالبون برحيل حارس مرمى تجاوز الحد المسموح به من الأخطاء؛ رحيل لاعب قضى في الفريق ما يقرب من سبعِ سنوات. كانت هذه هى النقطة المحورية في الموضوع، على الأقل من وجهة نظر أحد المشجعين الذين نعرفهم بشكل شخصي!.
شينول غونيش- لم يكد حارس مرمى شينول غونيش يُنهي مشوار حياته الكروية في طرابزون سبور بسعادة الحصول على البطولة، حتى قَبِلَ عرضاً قُدِّمَ له من فريق بشيكتاش؛ لينضم للعب في صفوفه. بهذه الصفقة التقى طريق غونيش مع أصحاب القمصان ذات اللونين الأسود والأبيض، الذين ظل موقعهم - بالنسبة له - في خانة المنافس لفترة طويلة من الوقت.
حقق غونيش مع فريقه الجديد نتيجة مبهرة بحق؛ فقد أحرز انتصارات متتالية في  بطولتين؛ في دوري أبطال أوروبا، ودوري الأبطال التركي. وفي العام الثالث، بدأ بشيكتاش الموسم مع غونيش بدايةً فاترة في الوقت الذي استرد فيه المنافسون عافيتهم إلى حدٍ ما.
وعلى الرغم من أن المنافسة لا تزال مستمرة، وأن هناك متسعاً من الوقت؛ باعتبار ماراثون السباق لا يزال في بدايته، إلا أننا فوجئنا في أحد الأيام، وبدون سابق إنذار، تداول رواد موقع التغريدات القصيرة "تويتر" عبارة واحدة:
"استقالة شينول غونيش!" 
بدأت الأمور تتكشف بعد ذلك؛ إذ لم يبادر مشجعو بشيكتاش بمطالبة غونيش، هذه المرة، بالرحيل بشكل مباشر. بل جاء هذا القرار بعد تداول العديد من مشجعي بشيكتاش رسائل فيما بينهم؛ أبدوا فيها رغبتهم في أن يتقدم مدرب الفريق باستقالته، فما كان من غونيش إلا أن احترم رغبتهم هذه، وتقدم بالفعل باستقالته بشكل مفاجئ. تحوَّل غونيش فجأة إلى موضوع الساعة على الساحة التركية، وأصبح، من وجهة نظر البعض، شخصاً غير مرغوب فيه. كان أمر مناقشة أداء غونيش شيئاً عادياً، ولكن ماذا عن الاستقالة؟ لعل السبب فيها هو أن هذا الرجل الذي حملوه على الأعناق في شهر مايو، بدأ يترنح في شهر ديسمبر.
ولا تزال الجعبة تزخر بالكثير من النماذج المشابهة لتلك التي تحدثنا عنها، والتي قد تبدوا منذ الوهلة الأولى مختلفة عن بعضها البعض. ومع هذا فهي تشترك، في الوقت نفسه، في نقطة واحدةٍ جوهريةٍ؛ مفادها أن الجميع لا يتحلى بالصبر؛ فكل منا يود أن يصبح، بين عشيةٍ وضحاها، نجمًا عالميًا. هذا أمرٌ اعتدنا عليه منذ وقت طويل، ولكن ما نقوم به الآن هو أننا نسعى جاهدين لتحطيم الرقم القياسي في هذا المنحى.
إنه دلال الرياضة؛ من ينجح يحملوه على الأعناق، ومن يخسر، حتى لو كان الشخص نفسه، يبعدوه عن الأضواء، ولا يسلم من سهام نقدهم. حتى الشخص المتردد يظل على تردده هذا لفترةٍ من الزمن، ثم يحسم أمره؛ لأن لتلك الانتصارات، التي تحققت مع هذا اللاعب أو ذاك، ثِقَلاً يجب وضعه في الاعتبار. أما في حالتنا هذه، فلا وجود لمثل هذا الطرح!.
أَتَذْكُرَ القول المأثور "اليوم أنت على القمة، وغدًا ستصبح في القاع" ؟ أعتقد أن هذه المقولة تنطبق، بكل ما تحمله الكلمة من معنى، على الوضع الراهن في عالم الرياضة. فالبطل الذي جابت شهرته الآفاق في يوم الاثنين، قد يصبح بعد مباراة الثلاثاء في بؤرة النقد. إن أحداً لا يستطيع أن يقدم تفسيراً مقنعاً لما يحدث.
ليس لهذا معنى آخر غير أن الوضع أصبح خاضعًا لحسن الطالع أو سوءه. أصبحنا لا نقيس الأمر بما قدَّمنا، بل بعدد الذين رأوا ما قدّمناه؛ حتى أصبح الرياضيون من أكثر الأشخاص الذين نضحي بهم في العالم؛ لأنهم من أكثر الناس الذين تخضع حركاتهم وسكناتهم للمراقبة، بل أصبحوا أكثر من يُثار حولهم الجدل، ويكثر حولهم مَنْ يُسدون إليهم النصح، ويستبقون خطواتهم بهذا الرأي أو ذاك. ففي الوقت الذي يتطلب منا بعض الجَرأة؛ لنتحدث إلى أحد المهندسين قائلين "أنا أيضًا سأصلح تلك الطائرة"، نجد أن الأمر لا يتطلب أكثر من حسابٍ على أحد مواقع التواصل الاجتماعي؛ لنقول بكل جَرأة للمدير الفني لأي فريق "أنا أيضًا سأصنع من هذا الفريق بطلًأ".
مَنْ يستطيع النجاح في مناخ كهذا؟! مناخ يعتمد في الأساس على ممارسة الضغوط على أي شيء، بل لا أبالغ إذا قلتُ إن هناك بعض الكيانات التي تستمد قوتها وشهرتها من خلال توجيه تلك الانتقادات. ولكن الوضع الذي نحن بصدده الآن قد تخطى مرحلة الضغوط العادية؛ لأن تلك الضغوط لم تأتِ من منطلق "نريدكم أن تكسبوا"، بقدر ما كانت نوعاً من الإلحاح بالقول "افعلوا كما نقول لكم!".
لقد ساهمت جهات عدّة في صياغة هذه الحالة التي نعانيها اليوم؛ السياسيون، ورؤساء الأندية، والإعلام، والرموز الثقافية الشهيرة... وغيرهم ممن يقولون "حتى لا يبقى أحد يختبر قوتنا".
لقد ساهمت شعارات كهذه في خلق هذا النموذج الجديد من الإنسان. لم يكن أحدٌ ليتصور أن هؤلاء الذين يظنون أنهم قد ملكوا الدنيا في قبضتهم لا يشاركون النادي الذي يشجعونه بإحساسهم. أضف إلى هذا أن الأندية، التي تستند إلى عدد مشجعين لا يقل عن 10 مليون ، وإلى بنية مؤسسية (!) قد أعطت الضوء الأخضر لهذا الامتلاك.
كان المشجعون ينظرون فيما مضى إلى النادي الذي يشجعونه؛ على اعتبار أنهم المُلّاك الأصليون له، وكان الأمر أقل حدَّة مما يحدث الآن. كان مفهوم الملكية يخلق لديهم إحساسًا آخر بالمسئولية. وإذا اقتضى الأمر، كان المالك يكثف من التدريبات الرياضية، ويستبعد من النادي اللاعب الذي لا يريده، وكان لا يُقْدِمُ على خطوةٍ كتلك، إلا بعد اطلاعه على حصيلة نهاية العام (أي بعد تقييم النقاط التي حصل عليها النادي في نهاية الموسم).
أما الآن، فالعنصر الحاكم في الموضوع هو الزبائن، وليس رئاسة هذا النادي أو ذاك. أصبح الهدف الأساسي الذي تلهث وراءه الأندية والمديرون هو كيفية جني الأرباح، وصار اللاعبون سلعتهم التي يتاجرون بها. وللأسف، تفاعل المشجعون مع هذا الأمر بسرعة، وفهموا المطلوب منهم في هذا الإطار.
يأخذ اللاعب قميص النادي الذي سيلعب لصالحه في بداية الموسم، وعندما ينتصف الموسم يذهب لشراء تذاكر الرحيل. أما المشتري، فيقضي يوم السبت في الاستماع إلى الموسيقى والأغاني، ويتوجه يوم الأحد إلى الإستاد الحديث، ويجلس في مقعده المُميَّز؛ كي ينظر إلى السلعة المعروضة عليه في قميص الموسم الجديد، وإذا لم يعجبه الوضع، فإنه يختبر اللاعب! على أية حال، فالمشتري دائمًا على حق!.
لقد تحوَّلت الفئة الأكثر تأثيرًا في هذه المرحلة (المشجعون) إلى فرانكنشتاين جديد (فيكتور فرانكنشتاين بطل رواية فرانكنشتاين  للمؤلفة البريطانية ماري شيلي، صدرت عام 1818). كان المشجعون فيما مضى يؤدون دورًا فاعلًا ومهمًا للغاية في مساندة فريقهم عندما تتأزم أوضاعه، وعندما يعايش لحظات الانكسار في الأسابيع الأخيرة من عمر الدوري. أما الآن، فلا ربح للذين كسدت بضائعهم، ولم يجدوا من يشتريها، حتى إن كانوا ناجحين رياضيًا.
يمكن القول إن فريق باشاكشهِر كان من أكثر الفرق استقرارًا في السنوات الأخيرة. أضف إلى هذا أن جزءًا كبيرًا من اللاعبين الذين يلعبون في صفوفه قد جاءوا من أنديةٍ أخرى، لها قاعدة عريضة من المشجعين، وأن هؤلاء اللاعبين لم يبلوا بلاءً حسناً مع فرقهم الأصلية؛ حتى قدِموا إلى فريق باشاكشهر ليتغير الوضع، ويحرزوا النجاح.
مثال ذلك المدرب (ساميت أي بابا) الذي عانى مشاكل كبيرة مع المشجعين؛ في نفس الموسم الذي تولى فيه تدريب فريق بشيكتاش؛ لينتقل بعد ذلك إلى نادي سيفا سبور، الذي صعد حديثاً إلى الدوري الممتاز لكرة القدم، ويرتقي بمستوى هذا الفريق الناشئ؛ ليتبوَّأ مكانته بين الستة الكبار. بالشكل نفسه أصبح اللاعب (أوموت بولوت) أيضاً كبش فداءٍ في آخر أيام قضاها مع فريق غلاطه سراي؛ لينتقل بعد ذلك في هذا الموسم إلى فريق قيصري سبور، ويحرز 12 هدفًا حتى الآن. أما صديقه في الفريق (صبري صاري أوغلي)، فيصعد هو الآخر، ويرتدي قميص المنتخب القومي لكرة القدم، ويلعب في صفوفه من جديد بعد انتقاله إلى فريق (جوز تبه).
يعرف الجميع أن مشجعي نادي (جوز تبه) من أكثر مشجعي كرة القدم شراسة في تركيا. ولكنهم لم يملكوا استادًا حديثًا إلى الآن؛ لأنهم لم يصعدوا إلى الدوري الممتاز لكرة القدم إلا مؤخرًا.
أرى أن أكتفي بما عرضتُ من نماذج؛ لأن الوضع صار واضحًا للعيان، لا يحتاج إلى المزيد من النماذج للتأكيد عليه. وفي المقابل، فالأحرى بالنسبة لنا أن نوجه تفكيرنا للبحث عن طريقة للحل، ولكن الأمر ليس بيدنا. السؤال هنا: هل يَرضى أولئك الذين يديرون تلك الأندية عن هذا الوضع؟! أخشى أن أقول إن الإجابة هي (نعم).
على أية حال، فلا يوجد أمام هؤلاء إلا طريقان؛ الأول، أن يسعوا لكسب قلوب المشجعين؛ فلو أحبهم المشتري، فلن تكون هناك مشكلة، وحتى إذا حدث ما هو على النقيض من ذلك، فلن يكون الأمر مقلقًا هذه المرة. ومهما كان الأمر، فسيكون من السهل التأثير على مجلس إدارة النادي.
لا يمكن للمشجع أن يُسرِّح القائمين على أمر النادي بهذه السهولة، ولكن في المقابل توجد مجالس إدارة عامة ديموقراطية تمامًا مثلما هو موجود في المصالح الحكومية الأخرى. وفي هذه الحالة، يمكن للنادي توجيه الأمر بالاستمرار في اللعب، وإذا لم يُعجَب المشتري بالطبق الذي سيُقدَّم له، عندئذٍ يقوم المجلس بتغيير الطاهي، والنادل، ومن ثم تُحل المشكلة. ليس المهم أن نفوز بالكأس في حد ذاته في نهاية الموسم؛ لأننا سرعان ما ننسى تلك الكؤوس. المهم هو أن نصل إلى هذا اليوم!.
 
يُمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً: