مارك بنتلي
ديسمبر 18 2017

جمود أسعار الفائدة في تركيا ينذر بمعركة مع المستثمرين

يبدو أن الرئيس رجب طيب أردوغان قرر أخذ وقت مستقطع من انشغاله بالخلاف السياسي مع الولايات المتحدة ليحول اتجاه سهامه إلى المستثمرين الأجانب في الأسواق المالية التركية بعد أن رفع البنك المركزي التركي أسعار الفائدة بنسبة أقل من توقعات المحللين.

ففي الاسبوع الماضي، قرر البنك في أنقرة - تحت ضغوط سياسية تحثه على المساعدة في تنشيط النمو الاقتصادي - رفع أسعار الفائدة بـ 50 نقطة أساس على نافذة الخصم لتصبح 12.75 بالمئة، وهي زيادة لا تتخطى عُشر النسبة التي يقول بعض المصرفيين إنها ضرورية من أجل إنعاش الاقتصاد. ويعني القرار أن تكاليف الاقتراض ستظل أقل من معدل التضخم البالغ 13 في المئة، وهي النسبة الأعلى بين اقتصادات مجموعة العشرين.

ويعكس القرار إصرار أردوغان على موقفه وعدم ممانعته لفتح جبهة صراع جديدة تنضم إلى الجبهات الأخرى التي يحارب فيها دبلوماسيا على المستوى الدولي في الآونة الأخيرة. فالرئيس الذي يشتهر بأنه يحصل على مراده دائما على الصعيد المحلي يبدو عازما على الدخول في مشاحنات مع واشنطن بشأن سياسات الشرق الأوسط وعرقلة جهود الاتحاد الأوروبي الرامية إلى تغيير دفة تركيا المتجهة بشكل واضح إلى الاستبداد.

وربما يكون قرار البنك المركزي المؤشر الأكثر وضوحا حتى اليوم على أن أردوغان لن يتراجع عن مواقفه الاقتصادية، فالرئيس، الذي عمل سابقا موظفا للمبيعات وشغل منصب عمدة اسطنبول من قبل، يؤكد أن ارتفاع أسعار الفائدة يسبب زيادة نسب التضخم. ولم يكتف بهذا فحسب، بل وشهَّر بأولئك الذين يختلفون مع نظريته غير المنطقية، ووصفهم بأنهم يشكلون جزءا من مؤامرة غربية لإذلال تركيا.

أردوغان

وحث أردوغان، في تصريحات له في أنقرة عقب قرار البنك المركزي، قادة الاعمال على دعم برنامج النمو الاقتصادى لحكومته من خلال توظيف المزيد من الاشخاص، وقال إن الأفراد الذين فشلوا فى الإطاحة بحكومته فى انقلاب عسكري العام الماضى يحاولون الآن استخدام الاقتصاد كسلاح ضده.

الرؤية السائدة في القصر الرئاسي اتضحت أكثر في مقال لجميل إرتم، وهو أحد كبار مستشاري أردوغان، في صحيفة ملييت الأسبوع الماضي، والذي أكد فيه أن البنك المركزي سوف يستمر في دعم سياسات النمو الحكومية، وقال إن التضخم سيبدأ في التراجع في الربع الأول من العام المالي، مما يسمح للحكومة بتحرير المزيد من الإقراض من قبل البنوك وتعزيز سوق العمل والصادرات. وأضاف أيضا أن الخزانة ستدفع كذلك في اتجاه انخفاض أسعار الفائدة عن طريق الحد من الاقتراض في الأشهر الأولى من 2018.

لكن تيم آش، وهو خبير مالي في شركة "بلو باي" لإدارة الأصول العالمية في لندن ومراقب مخضرم للشؤون التركية، حذر البنك المركزي من أن هذه المؤشرات تبدو بعيدة المنال في ظل العملية المتبعة لإدارة السياسة النقدية.

وأضاف "من الواضح أنهم التقطوا عدوى "النظرة الوردية" تجاه الوضع الاقتصادي من أردوغان. إنها خطوة صادمة ببساطة". لكن آش لم ينس كذلك أن يشيد بالتزام أردوغان بالعمل على تعزيز سوق العمل.

وانخفضت قيمة الليرة التركية مقابل الدولار الأمريكي يوم الخميس بنسبة 1.9 فى المئة إلى 3.88 ليرة، لتستمر في التراجع بنسبة تزيد عن 12 في المئة منذ سبتمبر. كما ارتفعت أسعار الفائدة الآجلة لمدة ثلاثة أشهر، وهي مؤشر على القيمة المستقبلية للعملة، إلى نحو 4 ليرة لكل دولار.

وقال دورموش يلماز، الذي شغل منصب محافظ البنك المركزي بين عامي 2006 و2011 ويعمل الآن مستشارا لحزب "إيي" المعارض، إن النمو الاقتصادي في تركيا لن يكون قابلا للاستمرار دون معالجة التضخم، مشيرا إلى أن ارتفاع الأسعار وقيمة الليرة الضعيفة دفعتا المواطنين إلى اللجوء إلى "الدولرة"، وهو نمط يشبه ما حدث في الشهور التى سبقت أزمة مالية خانقة فى 2001.

وتفوق نسبة التضخم في تركيا ثلاثة أمثال متوسط نسبتها في الدول ذات ​​الأسواق الناشئة المماثلة، وأصبحت البلاد في سلة واحدة مع البلاد التي تعاني من معدلات تضخم ضخمة مثل الأرجنتين (22.9 فى المئة) وأوكرانيا (13.6 فى المئة). وازدادت المخاوف هذا الأسبوع من مخاطر حدوث فوران اقتصادي بعدما قالت الحكومة إن معدل النمو السنوي ارتفع الى 11.1 في المئة في الربع الثالث.

دورموش يلماز
دورموش يلماز محافظ البنك المركزي بين عامي 2006 و2011

وبالصدفة البحتة، اجتمع يوم الخميس أيضا البنك المركزي فى أوكرانيا التي تشهد اضطرابات حاليا واستعرض استقلاليته من خلال قرار برفع أسعار الفائدة من 13.5 إلى 14.5 فى المئة، محذرا من أن التضخم الذى بلغ معدلا قياسيا عند 16.4 فى المئة فى سبتمبر لم ينكمش بالسرعة المتوقعة. وكان هذا هو ثاني قرار من نوعه من جانب صانعي السياسات المالية في البلاد في آخر اجتماعين للبنك.

يقول مراد جولكان، الرئيس التنفيذى لشركة أونلو لإدارة الحافظات في اسطنبول، إن "البنك المركزي بموقفه السلبي يحفز على زيادة تكاليف الاقتراض بدلا من تخفيضها...والوتيرة الحالية لسرعة ارتفاع معدلات التضخم تثير القلق من أن الوضع قد يصبح خارج السيطرة قريبا..وعندما تزداد قيمة الدولار مقابل الليرة، فإن هذا يخلق حلقة مفرغة."

وقد دفعت المخاوف بشأن التضخم بعض الأتراك إلى تحويل مدخراتهم بالليرة إلى عملات أجنبية. وارتفعت قيمة ودائع النقد الأجنبي التي يحتفظ بها الأتراك في البنوك، بخلاف الحسابات المدرة للفائدة، بمقدار 2.2 مليار دولار منذ عشرة ايام، وفقا لبيانات البنك المركزي.

وخلال الأسابيع القليلة الماضية، قامت خديجة كاراهان، وهي مستشارة بارزة أخرى لأردوغان، بجولات عديدة للتحدث إلى المحللين الأجانب ووسائل الإعلام. وحاولت بالفعل المستشارة الجديدة نسبيا في القصر الرئاسي جاهدة لإقناع المستثمرين بأن أردوغان يدرك جيدا المخاطر التي يشكلها التضخم وسيتخذ التدابير اللازمة لإبقائها تحت السيطرة مع التركيز كذلك على تعزيز معدلات النمو وسوق العمل.

وبينما يقع عبء الحديث على وجوه ودودة مثل كاراهان، التي حصلت على درجة الدكتوراه من جامعة سيراكيوز في ولاية واشنطن الأمريكية عام 2006، ونائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية محمد شيمشيك، وهو خبير اقتصادى سابق فى شركة ميريل لينش، يبدو في الوقت الراهن أن سلطة وضع السياسات الاقتصادية تقع في أياد أخرى، وأردوغان عازم على التحكم بها.

يمكن قراءة المقال باللغة الانكليزية ايضا: