فبراير 24 2018

جنكيز أوندَر.. المواطن واللاعب الصالح، الذي رفض العيش على الهامش في تركيا

على الرغم من ارتداء جنكيز أوندر قميص نادٍ قوي مثل اي إس روما، إلا أنه لم يكن يومًا ما أحد اللاعبين الذين بلغت شهرتهم الآفاق في تركيا. وهذا أمر مألوف للغاية بالنسبة لنا في تركيا...
لم يلعب هذا اللاعب المُحنَّك ابن العشرين عاماً في أحد أندية اسطنبول، كما أنه لم يلبس قميص المنتخب القومي إلا نادرًا.
علاوة على هذا، لا يتمكن الكثيرون من متابعة دوري الدرجة الأولى الإيطالي؛ كي يتابعوا أداءه هناك، لذلك لم يكن جنكيز - يومًا من الأيام - أحد اللاعبين الذين تُسلَّط عليهم الأضواء، وبالتالي لم يتعرض له النقاد الرياضيون كثيرًا في كتاباتهم. في حين علَّقت مجموعة كبيرة من التغريدات على أدائه؛ بشكلٍ فاق تلك الكتابات بكثير.
استطاع جنكيز - خلال وقت قصير للغاية - أن يقتحم عقول الناس، وأن يسلب أفئدتهم بأدائه المُتميِّز. بيد أنه سرعان ما كان ينزوي بعيداً عن الأضواء، لذا لم يكن جنكيز واحدًا من اللاعبين ذائعي الصيت، ممن يعرفهم الكثيرون. وعلى الرغم من هذا، فهو من أكثر اللاعبين قربًا إلى قلوب متابعيه؛ فهو شاب هادئ، وديع، يشارك فريقه بأهداف يسجلها من الحين إلى الآخر. علاوة على هذا، فهو كثير التسجيل في هذه الفترة!.
كان جنكيز ظاهرة فريدة ظهرت، فجأة، بلا مقدمات عند نادي ألتينوردو؛ ظاهرة تجسَّد فيها شعار النادي "الإنسان الصالح، المواطن الصالح، لاعب كرة القدم الصالح". من السهل أن تكون مواطنًا صالحًا؛ إذ للمواطنة شروط وقواعد. فالإنسان يصبح مواطنًا "صالحًا" طالما أنه لم يتجاوز حدود هذه القواعد، وهذا أمر يسهل تحقيقه.
وعندما  تتحد المقدرة والمهارة مع الاجتهاد، عندئذٍ يمكن حل الجزء الأكبر من المشكلة في كرة القدم. ولكن يُشترط لهذا أن يكون الفرد صالحًا منذ البداية. فالتربية، والأسرة، والفضائل أمور مهمة، لكنها لا تكفي وحدها؛ فالمهم بالنسبة للإنسان هو الانتصارات التي يمكن أن يحققها في صراعه مع نفسه.
كان نادي باشاكشهير وجهة جنكيز أوندر الأولى. لم يتردد المدرب عبدالله أفجي في اتخاذ القرار بإشراك تلميذه الجديد في المباريات من أول الموسم الجديد. كان من الطبيعي للاعب يملك هذه القدرة المهارية أن يحصل على هذه الفرصة.
علاوة على هذا، فقد كان لقلة عدد اللاعبين ممن يملكون نفس مهارة جنكيز في الدوري التركي الممتاز أكبر الأثر في تسهيل الأمر عليه. إذ كان من المهم للغاية  للاعب مثل جنكيز أن يشارك – وهو لا يزال في سنوات شبابه الأولى - في سبع وخمسين مباراة مع نادي ألتينوردو، وثلاث وأربعين مباراة مع باشاكشهر!.
وقد ساعدت الظروف جنكيز كثيرًا؛ كي يداوم على لعب كرة القدم، كلاعب محترف دون انقطاع في سنوات عمره ما بين 18-21 عامًا. واللافت أيضًا أن جنكيز استغل هذه الفرصة جيدًا؛ فتمكن من اجتياز كل المعوقات التي حاولت منعه من أن يصبح لاعباً مُجيداً لكرة قدم . وعلى الرغم من هذا، كانت هناك عقبة كَأْدَاء أخرى؛ تتمثل في كفاحه حتى يصبح إنسانًا صالحًا!.

جنكيز أوندَر.. الشاب والمواطن واللاعب الصالح

عندما انتقل جنكيز إلى نادي روما، كان هناك سؤالان لطالما شغلا أذهاننا في ذلك الوقت؛ أما السؤال الأول فهو: هل ستكفي مهارات جنكيز، التي هزَّت نادي الدوري الممتاز في تركيا، للعب في دوري عريق مثل دوري كرة القدم الممتاز في إيطاليا؟ وأما السؤال الثاني، الذي لا يقل في أهميته عن الأول، فهو: ما الذي يمكن أن يفعله جنكيز - الذي لعب في ثلاثة مواسم كروية متتالية – عندما يشعر بالحنين إلى موطنه؛ حال ذهابه إلى روما، دون أن يشارك في المباريات، أو أنه جلس على "دكَّة الاحتياط" هناك؟.
أعتقد أن السؤال الثاني هو الأهم؛ لأن تنمية المهارات تتطلب الصبر، والمُجاهدة. وهذا أمر - بالنسبة إلى جنكيز - سهلٌ يسير. لكن الشعور بالتَبرُّم والاضطراب ليس سلوكاً يمكن لأحدٍ أن يتحمله مدةً طويلةً في مكان تستعر فيه المنافسة مثل نادي روما.
استطاع جنكيز، الذي أحرز أربعة أهداف في المباريات الثلاث الأخيرة في الدوري الإيطالي، أن يوَسِّع المسافة بينه وبين لاعبي كرة القدم الآخرين، وبين أي شاب آخر من أبناء جيله، حيث اجتهد كي يجتاز اختبارات كان يتعين عليه اجتيازها ليصبح فردًا صالحًا؛ اختبارات جرت في دولة لا يعرفها، وتحت سقفٍ يكثر تحته المتنافسون من ذوي المهارات المميزة.
دعوني أحدِّثكم بشكل أكثر تفصيلًا عن موضوع الاختبارات هذه؛ فلم تكن الأرض ممهدة، أو مفروشة بالورود أمام جنكيز أوندر عندما توجَّه إلى إيطاليا. يمكن القول إن الحظ كان حليفه في إبراز موهبته؛ وذلك عندما قدَّمه مدرب نادي روما يوزيبيو دي فرانشيسكو في صورة المُنقذ، بعد تعرُّض الفريق للهزيمة بنتيجة 2-1 في مباراته مع انترميلان في بداية الدوري.
نزل جنكيز إلى أرض الملعب مرتين في شهر سبتمبر. ولكنه ظهر في عيون محبيه، ومتابعيه - في الفترة من نهاية شهر أكتوبر حتى شهر يناير من العام التالي - في صورة اللاعب المؤثر، المخيف. لم يلعب جنكيز خلال فترة تمتد لأربعة شهور سوى تسع مباريات! ليس هذا فحسب، بل كانت مشاركته في هذه المباريات لا تستغرق سوى بضع دقائق؛ لم تتجاوز الدقائق الأربع أو الخمس الأخيرة من عمر المباراة...  
ولست بحاجة إلى التذكير باللاعب صالح أوتشان (لاعب كرة قدم تركي في مركز الوسط، يلعب مع نادي روما مُعارًا من نادي فناربخشه التركي) الذي تخرَّج هو الآخر من مدرسة سيد محمد أوزقان، مؤسس نادي ألتينوردو. فقد لفت الانتباه إليه هو الآخر بمهارته، إلا أنه اختلف عن جنكيز في أنه عندما توجَّه إلى روما كان يلعب في نصف النهائي في دوري أبطال أوروبا، بالإضافة إلى فوزه بالبطولة مع فريقه "فناربخشه".
ولكنه- على الرغم من هذا كله - أخفق في روما، ولم يحقق النجاح المنشود. مكث صالح مدة عامين في العاصمة الإيطالية روما، ولم يستطع خلال هذه الفترة أن يتخطى تلك العتبة المهمة. وهو الآن يسعى لإثبات وجوده في سويسرا، في دوري يقل في قوته عن الدوري الإيطالي.
كان من الممكن أن يتعرض جنكيز إلى سقوط مماثل خلال الفترة التي لم يشارك خلالها في المباريات. علاوة على هذا، فعندما ننظر في وجه جنكيز فإننا لا نرى فيه صورة "طفل" صفيق، قليل الحياء، بل إنه- على العكس من ذلك تمامًا – هادئ، وديع، منطوٍ على نفسه. حتى عندما كان نجم نادي باشاكشهر لم نكن نرى في وجهه إلا الحياء، والاحترام.

جنكيز أوندَر.. الشاب والمواطن واللاعب الصالح

 

وعلى الرغم من هذا، كان جنكيز يحافظ على صفاته تلك؛ حتى تُمَرّر الكرة بين قدميه فقط! ليتحول إلى لاعب آخر يقوم بعمله بثقة كبيرة لا تقف عند حاجز السن، أو الأقدمية. كانت هذه سمة جيدة للغاية قد تحلى بها. لم يفتعل جنكيز طوال فترة لعبه مع باشاكشهر أية أزمات. ومع هذا فقد أضر به صمته الهادئ هذا، حيث ظل مهمشاً  لمدة طويلة في روما.
تعرَّض جنكيز إلى النقد العلني من المدير الفني لفريق روما دي فرانشيسكو خلال مؤتمر صحفي. قال المدير الفني حينها "كان يتعين على جنكيز أن يُمرِّر الكرة إلى رفيقه"، ووجه له تحذيرًا بعدم التردد في اتخاذ القرار الصحيح. كان توجيه النقد العلني للاعب نشأ في تركيا نوعاً من الضغط النفسي الشديد.
ولكن ما حدث هو أن جنكيز لم يقع فريسة لهذه الحالة، بل استمر- على العكس من ذلك- في طريقه، واثقًا في نفسه، ولم يجعل مثل هذه الكلمات عقبة تعرقله. وعلى الجانب الآخر، لم يكن نادي روما واحدًا من الهواة؛ حتى يتنازل - بعد حادث واحد- عن لاعب دفع 15 مليون يورو للحصول عليه. 
أثبت جنكيز في الأيام الصعبة تلك أنه فرد صالح؛ إذ إنه لم يستسلم، وعمل دون كلل، واستطاع أن يُطوِّر من نفسه، ومن مهاراته. كانت هذه صفاته التي جلبت له الحظ في الفترة الأخيرة...
يود كل شاب في العشرينيات من العمر أن يعيش تجارب مختلفة ملؤها الحماسة، والانطلاق. أما لاعب كرة القدم، فيجد هذه الأمور من الصعوبة بمكان حتى وإن رغبتها نفسه. فلو أنكم أطلقتم لأنفسكم العنان كي تقوموا بكل ما تحدثكم به أنفسكم، فإما أن تلحق بكم صفة "المُدلل"، أو أن تتيهوا في الملاعب.
ينبغي أن نكون يقظين، ومع هذا فمن المبكر للغاية في سن كهذه أن نمتلك القوة الذهنية، والصبر لنكون حذرين يقظين. أي نضوج يمكن أن ننتظره من شاب في سن العشرين، بل من لاعب "مُحنَّك" في سن السابعة والعشرين، لا يزال مثل الغُر الساذج في ملعب الحياة؟.
هذه صفة أخرى من أهم الصفات الفارقة التي تميَّز بها جنكيز عن أقرانه من اللاعبين المُحنَّكين. فقد وجد حظه في الملعب، واستمر في طريق تنمية مهاراته في الوقت نفسه. وقد ظهر ذلك في أول حوار صحفي أدلى به بعد أسابيع من توجهه إلى روما، حيث قال "تعرّضتُ لصدمة ثقافية كبيرة في الوهلة الأولى، عندما توجهت إلى روما. كان الأمر مختلفاً عما تخيلتُ. كنت أشعر بالوحدة كوني تركتُ أسرتي، وجئت للعيش في دولة أجنبية بمفردي. لم أكن أعرف أحداً. كنت في دولة لا أجيد لغة أهلها. كان هذا سبب اضطراب كبير بالنسب لي. كان الأمر صعبًا بالنسبة إليَّ. كانت هذه هي المرة الأولى  في حياتي التي شعرتُ فيها أنني وحيد."
يجد أي واحد منا في سن الأربعين، وليس في سن العشرين، صعوبة كبيرة للعيش في هذه الظروف. إنه أمر صعب بحق. ليس بالنسبة لشخصٍ ذهب للعيش هناك فحسب، بل بالنسبة لمن يذهبون للدراسة كذلك... مع هذا استطاع جنكيز أن يتجاوز هذه الأيام الصعبة، ولم يترك هذه الأسابيع الثلاثة التي قضاها في ذلك الوقت في دوري الدرجة الأولى الإيطالي تضيع هباءً.
كان مدرب نادي روما دي فرانشيسكو قد أدلى بتصريحٍ تحدث فيه عن مهارات جنكيز لدى انتقاله إلى هناك، وذكر حينها حرفيًا "يتعين عليه قبل أي شيء أن يتقن الإيطالية". وبعد مرور سبعة أشهر على هذا التصريح قال دييغو بيروتي في معرض حديثٍ امتدحه فيه "لا يجيد الإيطالية حتى الآن". وهذا يعني أن جنكيز لم ينتهِ بعد من اختبارٍ لا بد من اجتيازه كي يصبح فردًا صالحًا؛ اختبار لا يزال مستمرًا إلى الآن، وسيظل منعقدًا طالما استمرت الحياة...
يمكننا أن نسترشد في هذا الموضوع بكلمة قالها جنكيز الذي اختار لنفسه أن يعيش وحيدًا في إيطاليا بدلاً من العيش في الظل في تركيا؛ كي يدرك النجاح المنشود:
" أسعى جاهدًا منذ أن كنت في العاشرة أن أثبت نفسي أمام الناس، وأؤكد أنهم كانوا مخطئين. أحب هذا الأمر كثيرًا".
يُمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً: