علي يورتاغول
نوفمبر 10 2017

جيم أُوزديمير .. الألماني الذي يستطيع التحدث بالتركية إلى أنقرة

حظي جيم أُوزديمير بشهرة واسعة على مدى عدة سنوات. وعلى مدى عقود مضت، كان أُوزديمير رمزاً للمهاجرين من الجيل الثاني والثالث من الأصول الشركسية ممن نشأوا في المجتمع الألماني.

لكن لم يقتصر دور أوزدمير على هذا الشكل الرمزي فحسب، بل إنه دخل معترك السياسة في إطار "حزب الخضر" الألماني الذي أصبح رئيسه المشارك ومرشحه الأبرز في الانتخابات البرلمانية الألمانية 2017.

وفي هذه الأيام، تجري المفاوضات والمناقشات حول مجموعة من السياسيين، من بينهم أوزدمير، لترشيحهم لتقلد بعض الوظائف الهامة، مثل وزير الشؤون الخارجية ووزير المالية. شهرته الواسعة جعلته يقف في مصاف أشهر 10 شخصيات سياسية بألمانيا. ومن المرجح أنه لن يخيب آمال أولئك الذين ينتظرون رؤية بصمته في تشكيل السياسة الألمانية في السنوات القادمة.

وأدت الانتخابات الألمانية في شهر سبتمبر الماضي إلى حدوث هزة سياسية. فعلى الرغم من إيجابية جميع البيانات الاقتصادية، وتحسن مستوى المعيشة، وتقلص عدد الأزمات التي تمر بها الدولة، إلا أن أحزاب الائتلاف الحاكم واجهت انتكاسات كبيرة.

فقد سجل حزبي الائتلاف، وهما حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي بزعامة ميركل مع شقيقه الحزبي الاتحاد الاجتماعي المسيحي، تراجعاً ملحوظاً في عدد الأصوات التي حصلا عليها بنسبة 8.5 بالمئة. أما شركاء الائتلاف، وهو الحزب الديموقراطي الاشتراكي فقد فقدوا نسبة 5.2 بالمئة من الأصوات.

وبعد انخفاض دعم الحزب الديمقراطي الاشتراكي إلى 20 بالمئة فقط، أغلق رئيس الحزب مارتن شولز، الذي أكد على أن هذا الإخفاق سببه الناخبين الذين أرادوا نقل رسالة بعينها، الباب أمام احتمال انضمامه لائتلاف حزبي الاتحاد.

ولهذا السبب تتطلع ميركل إلى تشكيل ائتلاف الحكومة الألمانية القادمة لتضم شركاء جدد، وهم على الأرجح حزب الخضر والحزب الديمقراطي الحر. ومن ضمن أحد الأسباب التي أدت إلى تراجع شعبية ميركل خلال الانتخابات، سماحها لحوالي مليون لاجئ سوري بالدخول إلى ألمانيا عبر تركيا في عام 2015. ومن المرجح أن يؤدي ما حدث إلى اتخاذ موقف أكثر صرامة بشأن قوانين الهجرة.

ولكن من غير المتوقع أن تحدث أي تطورات كبرى بشأن السياسة الخارجية أو السياسة الخارجية المتعلقة تركيا على وجه التحديد. أما بالنسبة للأتراك، فيحتلون مركزاً قوياً في ألمانيا، حيث يعيش حوالي 3 ملايين شخص من أصل شركسي في ألمانيا. وعلى الرغم من استثمار ثرواتهم وممتلكاتهم في ألمانيا، إلا أنهم لا يزال لديهم علاقات ثقافية ووجدانية وثيقة بتركيا.

ويحمل أكثر من نصف هذا العدد الجنسية الألمانية، ومعظمهم مازال محافظاً على جنسيته التركية. وفي استفتاء التعديل الدستوري الذي حدث في تركيا بشهر أبريل الماضي، كانت ألمانيا دائرة انتخابية وكان الاستفتاء التركي واحدا من أكثر الموضوعات التي تم نقاشها في هذه الفترة.

ومنذ ذلك الحين، أصبحت السياسة التركية والرئيس التركي رجب طيب أردوغان محور نقاش في الانتخابات الألمانية بعد أن طلب من الناخبين الألمان عدم التصويت لصالح الحزب الديمقراطي المسيحي أو الحزب الديمقراطي الاشتراكي أو الخضر. ولكن لم يفهم أحد ما هو المغزى الحقيقي وراء هذه الدعوات التي وجهها أردوغان للأتراك في ألمانيا، ولا سيما أنه طلب من الناخبين تأييد اليمين المتطرف أو اليسار المتطرف أو الليبراليين.

وفي أنقرة، يوجد هناك عدد من المستشارين الذين هم على دراية كافية بما يحدث في أوروبا بشكل عام وألمانيا بشكل خاص. لكن لم يستطع أحد منهم أن يواجه الرئيس ويقول له "لا ياسيدي. التدخل المباشر في الانتخابات الألمانية لا يأتي في مصلحتك. لدينا روابط تجارية مع هذه الدولة تمثل حوالي 26 بالمئة من حجم معاملات تجارتنا الخارجية ككل".

وكنتيجة لذلك اتخذت العلاقات التركية الألمانية مسلكاً آخراً بعد معارضة واستنكار ميركل وشولتز وأوزدمير لهذا التدخل الواضح من قبل تركيا في العملية الانتخابية.

هذا الموقف بجانب العديد من المواقف الأخرى عملت على تحديد إطار الشكل العام للعلاقات التركية الألمانية. وعلى الرغم من أنه من الصعب فهم غرض أردوغان من تسمية ثلثي الناخبين الألمان بأنهم "معاديين لتركيا"، فإنه ليس من الصعب التنبؤ بالنتائج: فتح صفحة جديدة في العلاقات بين حكومة الائتلاف الألمانية الجديدة وتركيا لن يتم بهذه السهولة نظراً لمشاعر الاستياء التي تشوب تلك العلاقة في الوقت الحالي.

أما مركيل، فكانت تربطها علاقة وثيقة وطيبة برئيس الوزراء التركي السابق أحمد داود أوغلو حين توصل الاثنان إلى نقطة تفاهم واضحة بشأن قضية الهجرة، وفي المقابل أتاحت ميركيل للأتراك إمكانية السفر لألمانيا دون الحاجة إلى تأشيرة للسفر.

أما التبعات الاقتصادية التي ترتبت على قرار سماح الاتحاد الأوروبي للأتراك بالسفر لدول الاتحاد دون تأشيرة فكانت هائلة، وكانت خطوة تاريخية، لكنها لم تدخل في حيز التنفيذ.

وتم دعوة أردوغان مرة واحدة فقط، في عام 2004، لحضور قمة عقدها الاتحاد الأوروبي، لكن لم يتم دعوته مرة أخرى عندما كان رئيساً للوزراء أو حتى رئيساً لتركيا.

وكنتيجة لنجاح داود أوغلو في مفاوضاته مع الاتحاد الأوروبي من خلال عقد ثلاث مؤتمرات قمة بين تركيا والاتحاد الأوروبي وقرار سماح سفر الأتراك لدول الاتحاد بدون تأشيرة، أصبح يشكل تهديداً بالنسبة لأردوغان والولايات المتحدة بسبب علاقاته الودية بالاتحاد الأوروبي وكان عليه أن يذهب.

ثم تعجب أردوغان بعد ذلك من سر تودد الاتحاد الأوروبي لداود أوغلو وليس له. لكن الأسباب كانت واضحة.

فبالنظر عن قرب إلى السياسة الداخلية المتبعة في تركيا منذ استقالة داود أوغلو في مايو 2016، والذي تبعته محاولة الانقلاب في 15 يوليو2016، ثم حملة الاعتقالات التي شملت أشخاص مثل عثمان كافالا، أحد رجال الأعمال الليبراليين في تركيا، ثم إخضاع الصحافة للتدقيق والمراقبة، نجد أنها وقفت حائلاً دون سهولة التعامل بين تركيا الآن والاتحاد الأوروبي.

فمع اعتقال هذا العدد من الصحافيين والتحفظ على هذا الكم الهائل من ممتلكات الشعب في انتظار قرارات المحكمة، لم تتمكن ألمانيا وأوروبا من أن تتجاهل الواقع السياسي بأنه لا يتم تطبيق مبدأ "سيادة القانون" في تركيا. وحتى لو كان حزب العدالة والتنمية سيعود إلى سنواته الأولى من تحقيق الإنجازات السياسية الفعالة، إلا أن الأوان قد فات.  

مفاوضات تكوين حكومة الائتلاف في ألمانيا مازالت مستمرة، وجاء اسم أوزدمير من بين مجموعة من المرشحين لتقلد منصب وزير الخارجية. ولكن إذا تحقق ذلك على أرض الواقع، فمن الممكن حينها لتركيا أن تنصب حينها لأوروبا وهي تتحدث باللغة التركية. وهل ستظل لغة الحوار هذه من طرف واحد فقط؟ أم هل ستعود لغة الحوار بين الطرفين من جديد؟

على كلٍّ، المشكلة هنا ليست في اللغة، ولكنها في القيم والمبادئ.

يمكن قراءة هذه المادة بالانكليزي ايضا: