مايا أراكون
يناير 16 2018

حالة الطوارئ التي صارت أمرًا اعتياديًا في تركيا وتداعياتها على التشريعات

حالة الطوارئ المعلنة في تركيا منذ المحاولة الانقلابية التي وقعت أحداثها في شهر يوليو 2016،  والتي كان من المنتظر أن تنتهي في 19 يناير الجاري، شهدت مؤخرًا تمديدًا جديدًا لمدة ثلاث أشهر أخرى.
ومؤخرًا أجرى مكتب مؤسسة هاينريش بول(قانونية ألمانية مستقلة)، في تركيا، واحدة من أكثر الدراسات شمولًا بشأن حالة الطوارئ في البلاد. أعد الدراسة كل من، عصمت آقجه، وثريا ألغول، وهوليا دنجر، وأرهان كلش أوغلو، وباريش آلب أوزدن.
الدراسة أو بمعنى أدق التقرير حمل عنوان "حالة الطوارئ التي صارت أمر اعتياديًا: تداعيات المراسيم بقانون على التشريعات"، ويقع في 120 صحيفة.
التقرير سلط الضوء على المراسيم بقانون التي أُصدرت منذ إعلان حالة الطوارئ وحتى اليوم، وحاول سرد وعرض التغيرات الخطيرة والجذرية على المستويين الكلي والجزئ، التي هدفت هذه المراسيم لتحقيقها بشأن الهياكل السياسية والاجتماعية والاقتصادية للبلاد، وعلاقاتها ببعضها البعض.
لا شك أن بعض النتائج التي أسفرت عنها الدراسة، مثيرة للقلق حيال الديمقراطية والحقوق الأساسية في تركيا، وهذا ما يمكننا استعراضه على النحو التالي ذكره:
-    منذ إعلان حالة الطوارئ بتركيا في 20 يوليو 2016، وحتى يومنا هذا، نشر 30 مرسومًا بقانون مكونين من 1194 مادة، شملت تعديلات جديدة على ما مجموعه 1000 مادة في مجال التشريعات.
-    وبهذه التعديلات التي لم يكن أغلبها متعلقًا بأسباب إعلان حالة الطوارئ، سعت السلطة الحاكمة إلى إجراء تغييرات تهدف لإعادة هيكلة العلاقات بين الدولة والمجتمع في عدد من المجالات، بدءً من الدفاع الوطني والأمن الداخلي إلى النظام القضائي وشؤون الموظفين، ومن الأمن الاقتصادي والاجتماعي إلى الهيكل الإداري، والتعليم والصحة.
-    بعد المحاولة الانقلابية في 15 يوليو 2016، نُشر أول مرسوم بقانون حمل رقم 667،  في الجريدة الرسمية بتاريخ 23 من الشهر ذاته، بينما نشر آخر مرسوم في 24 ديسمبر 2017، وحمل رقم 696. أي بإجمالي 30 مرسومًا طيلة هذه الفترة كما أوضحنا من قبل. 4 مراسيم فقط من العدد المذكور، تم تناولها بالنقاش تحت قبة البرلمان، وإقرارها لتصير قانونًا نافذًا، أما البقية الباقية فمررت وطبقت دون أن تعرض على البرلمان أو المحكمة الدستورية. وبذلك أصبح الإشراف السياسي والقضائي على تلك المراسيم غير فعّال.
-    تم السعي من خلال هذه المراسيم إلى وضع تعريف جديد للجريمة، وبناء عليه تم فصل أكثر من 100 ألف شخص من وظائفهم، قيل إن لهم صلة أو انتماء أو عضوية في جماعات، وهياكل وتشكيلات قالت المؤسسات الأمنية إنها تقوم بأنشطة تهدد الأمن الوطني، كما تم إغلاق مئات الشركات، والجمعيات، والنقابات، والجامعات، والمدارس، والمستشفيات والقنوات التلفزيونية، والصحف، ومصادرة كافة أصول هذه المؤسسات والهيئات. ولقد قامت هذه المراسيم بإجراء تغييرات هامة ودائمة على عدد من القوانين، وذلك فضلا عن تقييدها لمساحة الحريات والحقوق الأساسية.
-    التعديلات التي تمت في ضوء المراسيم بقانون التي صدرت على خلفية حالة الطوارئ، شمل جزءٌ كبيرٌ منها المجالين الأمني والدفاعي في البلاد؛ وذلك من خلال إعادة هيكلة العلاقات العسكرية المدنية فيهما. كما شهدت بعض القوانين إنهاء أو تقييد كبير لوظائف وصلاحيات السلطات العسكرية بما في ذلك رئاسة الأركان العامة، وقيادات القوات، وتم حصر تلك الصلاحيات بشكل أساسي في يد وزارة الدفاع ورئاستي الوزراء والجمهورية.
وكما أشار مراقبون آخرون، فإنه بالنظر إلى التعديلات الدستورية التي تمت عام 2017، فإن هذه التعديلات التي أسفرت عنها مراسيم الطوارئ، تستهدف قيام الإرادة السياسية، ورئيس البلاد باحتكار السيطرة على القوات العسكرية. ومن ثم فإن هذا يعني أنه ليست هناك عناصر مدنية تتولى سلطة الرقابة والسيطرة التي من المفترض أن توزع بين الجهات الفاعلة المدنية (رئيس البلاد، والحكومة، والبرلمان، ومنظمات المجتمع المدني).
-    وبالنسبة للتعديلات التي تمت في مجال الأمن، فقد أُجريت تغييرات عدة بهدف تعزيز الرقابة والإشراف على الاتصالات السلكية واللاسكلية، والإنترنت، والتقنيات التكنولوجية، وذلك على اعتبار أنها مجالات استيراتيجية بالنسبة للمجتمع. وتم تأسيس هيئة تكنولوجيا المعلومات والاتصال، لتحل محل رئاسة الاتصالات السلكية واللاسلكية التي تم إغلاقها. 
وبخصوص مسألة تعيين عناصر شرطة العمليات الخاصة، فقد تم الاستغناء عن شرط خوض امتحان التعيين في الوظائف الحكومية المعروف اخصتارًا بـ"KPSS"، ليصبح الأمر قاصرًا على اللقاءات المباشرة مع الجهات التي تتولى التعيين، ومدى اللياقة البدنية لطالب الوظيفة. فضلا عن ذلك تم داخل التشكيل المركزي لرئاسة العمليات الخاصة، استحداث رئاسة أخرى. وبخصوص مسألة منح الجوازات، ورخص القيادة وغيرها من الوثائق، فقد تم إعطاء صلاحيات منحها للإدارات العامة الخاصة بشؤون النفوس والمواطنة، بعد أن كان يتم منحها قبل ذلك من قبل الإدارة العامة للأمن.
تم في ضوء تلك التعديلات تأسيس تشكيل بوزارة الداخلية متعلق بالشؤون الخارجية. كما تم تشديد شروط تعيين موظفي قطاع الأمن الخاص. وباتت التحقيقات الأمنية، والبحث في الأرشيفات، من الأمور التي من الممكن إجرائها في أي لحظة. وتم الإعلان عن كادر مكون من 14.500 حارس حي وسوق.
-    جهاز الاستخبارات الذي يتمتع بمكانة هامة بين الأجهزة الأمنية للدولة، بعد الاستفتاء الدستوري الأخير الذي اقترح إلحاقه بالنظام الرئاسي، تم بالفعل ضمه لرئيس الدولة مباشرة بموجب مرسوم بقانون حتى قبل إجراء الانتخابات الرئاسية لعام 2019. كما أن هناك صلاحيات لرئيس الوزراء بخصوص المخابرات، تم نقلها لرئيس الدولة. في ذات السياق أُعيدت هيكلة الجهاز، بشكل يضعف العلاقة مع الجنود.
-     وكان للمراسيم بقانون تداعياتها الأكبر على النظام القضائي، لا سيما المحكمة الجنائية التي شهدت تفعيل سلسلة من التعديلات والتغييرات الهيكلية الكبيرة التي أثرت على حق المتهم في أن يحظى بمحاكمة عادلة، وعلى حقه في الحرية الشخصية، وانتهكت أيضا حرمة حياته الخاصة. كما سمحت تلك المراسيم بتوسيع حدود التدخل في سلسة حقوق مكفولة بموجب الاتفاقيات الدولية الموقعة عليها تركيا.
كما تم تمديد فترات الاعتقال والتوقيف بموجب التعديلات الجديدة التي وسّعت أيضًا من صلاحيات المدّعي العام في إعطاء قرار بشأن تدابير التحقيق، كالتقصي والمصادرة، والتنصت، كما أنها أضعفت الرقابة القضائية على كافة هذه الصلاحيات الممنوحة للمدعي العام، وأثرت التعديلات بالسلب على مبدأ المساواة بين المتهمين أمام القضاء، وحق محاكمة المتهم في وجود دفاع، ولعل ما أسفرت عنه هذه التعديلات من تقييد للحق في محاكمة عادلة خير مثال على كل هذه التجاوزات.
لم تمنح تلك التعديلات والتغييرات حق تسيير أو وقف الإجراءات التي تتم في إطار المراسيم بقانون، كما أنها لم تخضع المسؤولين الذين يتخذون قرارات في إطار تلك المراسيم، للمسؤولية القانونية، وأدت التعديلات لإغلاق كافة الطرق والسبل أمام التقدم بطلبات قانونية ضد تدابير حالة الطوارئ، كإجراء الفصل عن العمل، تسببت التعديلات بشكل كبير أيصا في تقييد حرية البحث عن الحق، ناهيك عن تسبب إجراءات حالة الطوارئ في زيادة صعوبة مساءلة المسؤولين، ما نتج عنه حالة إفلات من العقاب.
أُعيد تنظيم طرق الاستئناف على الأحكام، وغيرها من إجراءات النقض، وتم إجراء تغييرات شاملة على إجراءات التحقيق مع الولاة، والحكام المحليين ونواب البرلمان والمدعين العامين، وإجراءات ملاحقتهم. وبهذا الشكل نجد أن التعديلات التي تم تفعيلها أثرت بشكل كبير على عمل النظام القضائي، والضمانات القضائية، فضلا عن تقييدها للحريات والحقوق الأساسية للأفراد.
-    أما في المجال الصحفي، زادت التعديلات الجديدة من رقابة هيئة الإذاعة والتلفزيون التركية - التي هي مؤسسة تنظيمية - على المؤسسات الصحفية والإعلامية، وذلك من خلال منحها حق وصلاحية تعليق النشر بشكل دائم بشروط مؤقتة ومحددة.
في نفس الوقت استحدثت قاعدة جديدة لها علاقة بطريقة تناول الهجمات الإرهابية إعلاميًا، أما المبرر الذي تم سوقه عند استحداث هذه المادة، فهو أن المواد المتعلقة بهذه النوعية من الهجمات يجب "ألا تسفر عن نتائج تصب في صالح الإرهاب". ولا شك أن الغموض الذي اشتملت عليه العبارة، يمثل تأثيرًا رادعًا بالنسبة للصحفيين الذين يتناولون موضوعات سياسية معينة.
منحت الهيئة التركية أيضا صلاحيات تقديرية لا حدود لها تقريبا؛ للنظر في طلبات الحصول على ترخيص لمؤسسات إعلامية، ومن ثم رفضها بدعوى الأمن الوطني والنظام العام.
ولا جرم أن هذه التعديلات بما احتوته من عقوبات وجزاءات غير متناسبة، قد تضمنت خطر تشكيل ضغط كبير للغاية وغير محدود لحالة الطوارئ، على المؤسسات الإعلامية والصحفية.  ومؤخرًا ومن خلال مرسوم بقانون، تم تعليق صلاحيات اللجنة العليا للانتخابات في الرقابة وفرض العقوبات على المؤسسات الإعلامية التي تقوم ببث ما يتعارض مع النشر النزيه، ومبادئ البث العامة، إذ ترك انتهاك البث العادل والنزيه بدون عقاب، لا سيما خلال فترة الانتخابات.
-    أُجريت تعديلات هامة بشأن إدارة وتصفية والرقابة على دخول أكثر من ألف شركة ومشروع تجاري تمت مصادرتها منذ إعلان حالة الطوارئ، وحتى الآن. تم من خلال المراسيم بقانون، توسيع مصادر صندوق الأصول التركية، ونطاق تمويله.
-    وبالنسبة للتعديلات التي تمت في مجال التعليم، فكان الهدف منها زيادة سيطرة الدولة ورقابتها على المؤسسات التعليمية الخاصة، والسكن الطلابي التابع لها. تم منح وقف المعارف التركي، مزيدًا من الامتيازات والصلاحيات، وهو الوقف الذي أعطاه النظام دورًا هامًا في عملية إعادة هيكلة الساحة التعليمية.
ومن جانب آخر أُجريت سلسلة من التغييرات كان الهدف الرئيس منها تقييد حقوق وحريات العاملين في وزارة التعليم الوطني، ومؤسسات التعليم العالي. وفي هذا الصدد منحت مؤسسة التعليم العالي، ورئاسة الجمهورية صلاحيات واسعة في التحقيقات التأديبية التي تتم بحق أعضاء هيئة التدريس، وفي مسائل انتخابات رؤساء الجامعات، والموافقة على الإجازات السنوية، والسفر خارج البلاد. كما تم تضييق مساحة الاستقلالية الذاتية للجامعات.
-    كل هذه التعديلات التشريعية الدائمة لا علاقة لعا بإعادة ترتيب وإنشاء النظام العام الذي أُفسد بالمحاولة الانقلابية في 15 يوليو 2015 التي شكلت الذريعة الأساسية لإعلان حالة الطوارئ، وقد تسبب هذه التعديلات في تغير النظام القانوني والإداري بشكل جذري. 
وبذلك بات النظام العام على اختلاف مشاربه واتساعه، لا يُدار او يتم ترتيبه إلا من خلال المراسيم بقانون الخاصة بحالة الطوارئ، والتي تصدرها الحكومة التي أصبحت المستخدم الوحيد الفعلي لسلطة التشريع.
ولا جرم أن المادة 121 من الدستور(البند 3)، لم تعطِ صلاحية إصدار مراسيم بقانون سوى لمجلس رئاسة الوزراء المنعقد تحت قيادة رئيس الجمهورية وذلك "في الموضوعات التي تقتضيها حالة الطوارئ"، و"طيلة حالة الطوارئ فقط". فضلا عن ذلك فإن تنفيذ وتطبيق التدابير والتعديلات التي تقتضيها حالة الطوارئ، محدد كقاعدة عامة بفترة حالة الطوارئ. ومن ثم فإنه بعد انتهاء هذه الفترة يتعين وقف تطبيق تلك التعديلات بشكل تلقائي.
-    عند النظر إلى المراسيم بقانون التي أُصدرت عقب محاولة 15 يوليو الانقلابية، وما تسببت فيه من تغييرات على التشريعات العامة، نجد أن الغالبية العظمى منها ليست مؤقتة، بل هي تعديلات دائمة تتجاوز فترة حالة الطوارئ.
وهناك العديد من الأمثلة على التعديلات الدائمة شكلًا وموضوعًا، مثل ارتباط قيادات القوات المسلحة بوزارة الدفاع، وإعادة هيكلة القضاء العالي، وتغيير إجراءات المحاكم الجنائية بشكل دائم من خلال تغييرات  أُجريت في القانون المنظم لعمل هذه المحاكم، وكذلك تعيين حارس قضائي بدلًا من رؤساء البلديات الذين تم فصلهم عن عملهم بتهم مساعدة الإرهاب، والتستر عليه، وارتباط جهاز الاستخبارات برئاسة الجمهورية مباشرة.
إجراء تلك التعديلات دون مناقشتها في البرلمان، وبطريقة يمكن اللجوء إليها وبشكل محدود في حالة الطوارئ فقط، أمر يتعارض بكل وضوح مع مبدأ الأمن القانوني، وحصانة السلطة التشريعية، والفصل بين السلطات. 
-    هذه النوعية من التغييرات الهيكلية، لا يجب أن تتم إلا في إطار الممارسات الديمقراطية، من خلال إدارة عملية نقاش شفافة في إطار العملية التشريعية العادية. وإلا فإن عكس ذلك يتسبب ولا شك في الديمومة والاستمرارية الفعلية لمنطق إدارة حالة الطوارئ، وإجراءاتها. وهذه الحالة تشكل خطرًا جد كبير على سيادة القانون، وحقوق الإنسان، والديمقراطية البرلمانية.
-    يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضا: