علي يورتاغول
يوليو 01 2018

حالة من الإحباط تجتاح أوروبا حيال الوضع في تركيا!

 

أصدقكم القول، لم أكن أتوقع من الاتحاد الأوروبي أن يصدر هذا القرار الحاد رداً على انتصار أردوغان في الانتخابات الرئاسية.
كنت أظن أنهم سيلتزمون الصمت، أو سيتمنون التوفيق له، أو أنهم سيعاودون الحديث عن الديمقراطية من جديد. قرأنا جميعاً كيف عَلَّق مجلس المصارف الأوروبي، الذي كان إحدى الجهات التي قيَّمت نتائج الانتخابات والمفاوضات الخاصة باتفاق الاتحاد الجمركي مع تركيا.
أكد المجلس في بيانه أنهم يشعرون بقلق شديد من التراجع الحاد في الحقوق الأساسية في تركيا؛ بشكل جعلها بعيدةً -كل البعد-عن المعايير الأوروبية، وأشار إلى ما تتعرض له حرية الصحافة، ويتعرض له الأكاديميون من ضغوط وتنكيل.
المثير في الموضوع، أن تركيا لم تُلق بالاً لهذا البيان المليء بالانتقادات، وانشغلت بالنظام السياسي الجديد بها الذي أسَّست له بعد نتائج الانتخابات. من ناحية أخرى، وصفت بروكسل الانتخابات الأخيرة في تركيا بأنها عملية افتقدت إلى معايير الديمقراطية الدائمة.
دعونا نتطرق في البداية إلى السمات الرئيسة لهذا البناء الجديد في بضعة أسطر؛ حتى يتسنى لنا أن نقرأ هذا القرار بشكل سليم، وأن نلقي الضوء على ما ينتظر تركيا في المستقبل. دعونا ننتقل بدفة الحديث إلى حالة اليأس الأوروبي تجاه نموذجين يتنازعان الدولة التركية.
لقد آل لأردوغان، وفق النظام السياسي الجديد، كافة صلاحيات الحكم والتشريع، وحتى أمر القضاء. ويمكننا القول إنه على الرغم من أن مبدأ الفصل بين السلطات لم يكن يطبق بشكل كامل من قبل، إلا أن هذه المرحلة صارت إيذاناً بنهاية هذا الأمر تماماً. بل لم يعد هناك مجال للحديث عن وجود بناء ديمقراطي برلماني من الأساس.
لقد فقد البرلمان سلطته المعهودة في مراقبة الحكومة تماماً، وحَدِّث ولا حرج عن احتكاره التشريع، الذي لم يعد له وجود هو الآخر. وصار من حق الرئيس إدارة البلاد وفق مراسيم قرارات.
لم تعد تركيا دولة الحقوق كما عهدناها، ورفع رجال القضاء والنيابة الراية البيضاء، وأعلنوا استسلامهم للإرادة السياسية لأردوغان والمحيطين به، وفُرِضَ عليهم فرضًا الانصياع إلى هذا النظام الجديد. هل سمعتم عن أي خبر يتعلق بوقائع فساد حدثت في السنوات الأخيرة؟! بالطبع لم يحدث، ولكن ليس لأن تركيا دولة ليس بها فساد.
لم يعد بمقدور أحد أن يتجاسر، أو يركض خلف أية واقعة فساد، وهي التي تتم على مرأى ومسمع من رجال الشرطة والقضاء. ولا أقصد بالفساد هنا "وقائع السرقة أو ما شابه". لم ير القضاء أو قل لم يستطع أن يرى الانتهاكات التي يتعرض لها المواطنون في سروج على مرأى ومسمع من رجال الشرطة. 
من ناحية أخرى، لم نعد نرى في تركيا مكاناً للصحافة الحرة بالتزامن مع حملة اعتقالات وتعقب ممنهجة؛ تعرَّض لها مئات الكُتَّاب والصحفيين ممن سوّلت لهم أنفسهم انتقاد أي إجراء قام به أردوغان. وعلى صعيد آخر، قاموا بفصل آلاف الأكاديميين عن أعمالهم، وإخضاعهم لتحقيقات لا نعرف لها نهاية.
يقبع المئات من أبناء تركيا مثل علي بولاج، وصلاح الدين دميرطاش، ونازلي إيليجاك، وعثمان كافالا في السجون؛ لا لإثم ارتكبوه سوى أنهم نادوا باعتقال أردوغان، وأنهم يحلمون بتركيا أخرى...
وإذا نظرنا إلى الوضع الاقتصادي، فلن نجد اختلافاً كبيراً عن نظيره السياسي؛ فأردوغان هو المتصرف الوحيد، وهو دائماً على حق حتى لو تعرَّض الاقتصاد للضرر بسبب ارتفاع سعر الفائدة، أو عانى المواطنون من نسبة التضخم المرتفعة.
ومع هذا، فهو لا يرى، أو لا يريد أن يرى أن الارتفاع الكبير في التضخم، وما واكبه من ارتفاع آخر في سعر الفائدة كان نتيجة لسياساته هو. وإذا سألته عن هذا الأمر أو ذاك عاد ليكرر حديثه المعهود عن المكائد و"القوى الخارجية" والغرب.
أمامنا الآن نموذجان لدولة تركيا؛ الأول تركيا التي ترى نفسها خاسرة، والآخر؛ تركيا أخرى تعتقد أنها قد جابت الآفاق بما حققته من نجاح. ألم تروا أن هناك أقلية قد نجحت مع أردوغان؟! بالطبع يوجد. ومع هذا، فقد خسر الملايين الذين أعطوا صوتهم له. ومع هذا، لم يدركوا أن هناك دولاً أخرى عانت أشد المعاناة من هذا النوع من الضلال. رأينا الاستبداد والتعسف يقترب من تركيا تدريجياً عن طريق الانتخابات. ليس هذا فحسب بل وبرغبة ودعم من أبناء الوطن.
دعونا نعود إلى موضوع اليأس الأوروبي. لا يسارونا شك في أن بروكسل وباقي العواصم الأوروبية قد قرأت فوز أردوغان في الانتخابات، وما حققه من نتائج، بشكل جيد للغاية. لا تقيسوا الأمر على كُتَّابنا الذين يعجزون عن قراءة الوضع في أوروبا. بل لا يدركون حقيقة ما يدور في بلدهم تركيا؛ أولئك الذين يكتبون مقالات "نقدية" على شاكلة "أوروبا لا تفهم الوضع في تركيا".
والحقيقة هي أن "أوروبا" تفهم ما يجري في تركيا الآن بشكل جيد للغاية، ولكنها يئست من الحديث في هذا.
نعم يئست؛ لأن تركيا دولة مهمة، ولا يمكن إغفالها مهما كانت السلطة السياسية التي تحكمها. كما أن "أوروبا" لم تكن أكثر قرباً وتداخلاً مع أي جار آخر مثلما فعلت مع تركيا. يئست أوروبا لأنها رأت أردوغان، وهو يتحدث عن تركيا التي اكتظت شوارعها بأعداد غفيرة من المواطنين، الذين راحوا ينفخون في الأبواق، منادين بعودة الاستبداد، ومؤيدين له، لا للديمقراطية التي نشأت ونمت على أراضيها.
نعم إن أوروبا لم تكن جادة بالشكل الكافي في مفاوضات العضوية ومفاوضاتها الأخرى مع تركيا؛ حيث انقسمت على نفسها حول موضوع تركيا، ولم تتجمع تحت رؤية سياسية واحدة. بدأ هذا الغموض في الرؤية مع ساركوزي، وازداد عمقاً اليوم.
صارت الظروف أكثر صعوبة لظهور سياسة تركية معتدلة. ومع هذا، فلا يمكن لدول أوروبا أن تنظر لتركيا سوى أنها تلك الدولة المحورية التي لا يمكن إهمالها.
ومع هذا، يمكننا القول إن صدور قرار بهذه الحدّة من مجلس المصارف الأوروبي هو أبلغ دلالة على مدى حالة اليأس التي تعمقت لدى الأوروبيين بسبب الانتخابات. وأصدقكم القول إنني لم أكن أتوقع صدور قرار كهذا. رأينا في السنوات الأخيرة كيف أن تركيا قد ربطت التوقيع على "اتفاقية اللاجئين" مع الدول الأوروبية بالموافقة على اتفاق "الاتحاد الجمركي"، وموضوع تأشيرة دخول الأتراك لكل دول أوروبا.
هل تقصد مفاوضات العضوية؟ لا، لم يكن هذا هو الموضوع. لقد أصبحت المفاوضات مع تركيا مثل جسد بلا روح. حقيقة أن لهذين الملفين أهمية كبيرة في علاقة أوروبا بتركيا. ومع هذا فالواضح أمامنا أن مسالة إصلاح الاتحاد الجمركي لم تعد على نفس القدر من الأهمية بالنسبة للاتحاد الأوروبي من ناحية العلاقات التجارية والاقتصادية. وعلى الرغم من هذا، فلا أعتقد أن أنقرة ستغامر بإلغاء هذه الاتفاقية، التي خاضت لأجلها مفاوضات صعبة؛ لأن هذه الاتفاقية ستتيح لتركيا إدخال نصف منتجاتها من الأجهزة الكهربائية مثل التليفزيونات وغيرها إلى السوق الأوروبية، ولأن إلغاءها يعني انهياراً لهذه القطاعات، وتوقفاً لإنتاج السيارات وتصديرها كذلك.
موضوع تأشيرة الدخول هو أيضاً من الموضوعات المهمة، التي لولا رحيل حكومة داود أوغلو لشهد عام 2016 تطبيق هذا النظام. أما أردوغان فقد أتى على الموضوع بأكمله، ولا يزال يعرقل بسياساته إتمام هذه الخطوة المهمة. ولن يشهد هذا الموضوع أي تقدم، طالما لم يتحقق تقدم ملموس على أرض الواقع في موضوع حرية الصحافة والحقوق الأساسية للمواطنين.
وفي مقابل هذا، لا أعتقد أن أنقرة قد تلجأ إلى تكرار تهديدها القديم "سنفتح الحدود أمام اللاجئين مرة أخرى"؛ رداً على عدم وضع مسألة اللاجئين والتأشيرة موضع التنفيذ؛ فأنقرة لن تخاطر باتخاذ خطوة كهذه؛ ليس لأنها لم توفِ بما قطعته على نفسها في موضوع تأشيرة الدخول فحسب، بل لأنها ليست مستعدة لتقبل عواقب قد تواجهها على الصعيدين السياسي والاقتصادي.
السؤال المهم الآن، هل من الممكن أن تحرز المفاوضات بين تركيا وأوروبا أي تقدم خلال المستقبل المنظور أم لا؟  أعتقد أن الإجابة عن سؤال كهذا تستدعي طرح سؤال آخر؛ هل أروغان مستعد لإحراز تقدم في موضوع حرية الصحافة وتحقيق السلام في قضية الأكراد، والسير بتركيا خطوات ملموسة إلى الأمام في موضوع الديمقراطية؟ للأسف إن الوضع الراهن في تركيا اليوم لا يبعث على الأمل.  
وأنا للأسف أشاطر في الرأي كل من يؤمن بأن أردوغان لن يتراجع عن سياسته، وأنه سيستمر في فرض حالة الطوارئ، وسيزيد من التنكيل والظلم، وستزداد الحالة الاقتصادية سوءاً في البلاد.
سيكون من الصعب على هذه السياسة العرجاء، التي اتبعتها تركيا في السنوات الماضية، أن تعبر بتركيا إلى الطريق القويم قبل الإنصات إلى المعارضة أولاً. هل ترون هذا ممكنا؟! نعم ما زلت أرى هذا ممكناً. من الممكن حدوث هذا الأمر في تركيا كما حدث من قبل في دول أخرى مثل إسبانيا واليونان والبرتغال. قد يحدث ذلك إما عن طريق تغيير السلطة الحاكمة لسياستها من تلقاء نفسها كما حدث في اليونان والبرتغال، أو أن تغيرها مجبرةً باتخاذ طريق النضال من أجل الديمقراطية.
أعتقد أن المَخرج الوحيد المتاح أمام المعارضة هو الاستمرار في طريق السلام والاتحاد.
لا بد لتركيا أن تخرج عن المألوف....
 

يُمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً: