جون لوبوك
مايو 29 2018

حبس مغني الراب إيزيل علامة أخرى على هشاشة نظام أردوغان!

أصبح النقاش حول حرية التعبير في الغرب مشوباً بالكثير من اللغط على أيدي أشخاص يزعمون أن حقوقهم الإنسانية قد تم انتهاكها، عندما يتم حظر حساباتهم على موقع تويتر، لأنه في بعض الدول ستعرف فقط أن حريتك في التعبير يتم انتهاكها حقا عندما يلقى القبض عليك وتزج في السجن.
وقد أظهرت واقعتان كاشفتان، يوم الخميس الماضي، كيف أنه لا تزال حرية التعبير تنتهك في العديد من البلدان حول العالم. 
الواقعة الأولى حدثت عندما أفادت الأنباء القادمة من إسبانيا أن مغني الراب الكاتالوني المعروف باسم "فالتونيك" قد غادر البلاد للهروب من عقوبة السجن لمدة ثلاثة أعوام ونصف العام، بعد أن حكمت عليه محكمة في مدريد بالسجن بسبب كلمات أغنياته التي تتحدث عن انفصال إقليم الباسك وسيناريو تخيلي لشنق ملك إسبانيا. 
وعلى الرغم من أنني كمواطن بريطاني لست من المعجبين شخصيا بالعائلة الملكية البريطانية، أعتقد أنه من المستبعد أن أتعرض للسجن لو اقترحت يوما ما أن قتل الملكة هو أمر يمكن تناوله في كلمات أغنية ما، فالحكومة البريطانية منهمكة للغاية، على أي حال، في تذكية الفوضى فيما يتعلق بخروج البلاد من الاتحاد الأوروبي، حتى تهتم بأمر تافه كهذا.
أما الواقعة الثانية فتخص إلقاء القبض على إيزيل، أحد أبرز مغنيي الراب في تركيا وأكثرهم موهبة، بسبب الحديث عن المخدرات في كلمات أغنياته. وتشكل هذه الواقعة، حتى بمقاييس الحكومة التركية، إجراء شائنا لا يرتكبه سوى نظام قمعي بامتياز.
وعلى الرغم من صغر سنه، مقارنة بنظرائه من مغنيي الراب في تركيا مثل تشيزا وساجوبا كاجمر، نجح إيزيل في فرض نفسه مبكرا وسط أقرانه الأتراك، وساهم ألبومه الأول الذي صدر عام 2017 في تحول موسيقى الراب إلى أحد أنواع الموسيقى الرائجة في تركيا، بعد أن تصدرت العديد من أغنياته قوائم الأغاني الأكثر شعبية في تركيا، والتي تهيمن عليها عادة أغاني البوب. ومع أنه أصدر ألبومه بشكل مستقل، نفدت تذاكر حفلاته بالكامل بعد لحظات قصيرة من طرحها، وهو ما أثار إعجاب النقاد الموسيقيين بقصة نجاحه التي بدأت من الصفر دون حصوله على أي دعم أو دعاية من شركات الإنتاج الكبرى.
واكتسبت سريعا أغنيات إيزيل شعبية كبيرة بين أصحاب الروح المتمردة والأفكار التقدمية من الشباب التركي المحبط سياسيا، والذين يشعرون بأنه أصبح يُنظر إلى نمط حياتهم بدونية وازدراء من جانب أنصار الرئيس المحافظ رجب طيب أردوغان. وفيما يلي بعض الأمثلة على كلمات أغنيات إيزيل، حتى تستطيع أن تحكم بنفسك مدى الخطر الذي يشكله على المجتمع.

كلمات أغنية إيزيل.

وهذه ليست المرة الأولى التي يدخل فيها إيزيل في مواجهة مع السلطات، فقد تحدثت إليه في شهر أبريل الماضي على هامش حفل موسيقي، وأخبرني أن رجال الشرطة دأبوا على مراقبته واستجوابه بشكل متكرر، لكنه بدا غير مكترث بهذا الأمر.
وفي عطلة نهاية الأسبوع الماضي، أقام إيزيل أولى حفلاته على الإطلاق في بريطانيا، كما قدم عروضا في الفترة الأخيرة في برلين وأوتريخت وزيوريخ. وبجانب تمتعه بذكاء متوقد ولباقة ملحوظة، يتقن إيزيل اللغة الإنجليزية بشكل جيد مع تمتعه بلكنة أميركية محببة اكتسبها عبر الاستماع لسنوات عديدة إلى أغاني موسيقى الراب الأميركية. ولذلك، أستطيع الجزم بأنه إذا كان هناك أي فنان هيب هوب تركي سيحقق نجاحا كبيرا حول العالم، فسيكون هو إيزيل. وربما لا يعدو الأمر كونه سوء تفاهم، لأن موسيقى الراب تهدف في الأساس إلى التعبير عن مشاعر الشباب المحبطين والمحرومين من حقوقهم، وليس إطلاق شرارة ثورة سياسية. ومع ذلك، فإن انتشار أغاني الراب سيشكل بالتأكيد تحديا أساسيا لمشروع أردوغان الرامي إلى تنشئة "جيل ورع" من الشباب التركي عبر التوظيف المكثف للدين في المدارس، وذلك على الرغم من أن هذا المشروع يبدو في طريقه إلى الفشل إذ تفيد التقارير بأن الأتراك بشكل عام أصبحوا أكثر علمانية.

وكان حزب العدالة والتنمية، الذي ينتمي إليه أردوغان، قد حاول قبل الانتخابات التركية السابقة تقديم نفسه باعتباره حزبا يعمل على أن يكون أكثر ديمقراطية وتساهلا مع خصومه. لكن بمجرد انتهاء الانتخابات، خلعت الحكومة هذا القناع وكشفت مرة أخرى عن ميولها الاستبدادية. ومع الانخفاض الكبير لقيمة الليرة التركية في الشهور الأخيرة، بدأ المسؤولون الحكوميون في البحث عن كبش فداء مناسب يتيح لهم تجنب المسؤولية عن القرارات السيئة التي اتخذوها فيما يتعلق بالسياسة النقدية للبلاد.
ومع كل المخاطر التي تحيق بتركيا، اجتماعيا واقتصاديا على حد سواء، تبدو الحكومة غير عازمة على التعامل بجدية مع مشاكل ارتفاع التضخم وانخفاض قيمة العملة، ومثلما هو الحال في تعامل الحكومة مع مشاكل تركيا الاقتصادية والسياسية، فإن إلقاء القبض على موسيقي شهير لا يمثل سوى كونه محاولة خرقاء لصرف النظر عن الإخفاقات العديدة التي لا تريد الحكومة التركية تحمل مسؤولياتها. ومع اقتراب انتخابات مهمة قد تهدد نتيجتها بتخفيف قبضة حزب العدالة والتنمية على مقاليد السلطة، تظهر مثل هذه الاعتقالات التعسفية باعتبارها أفعالا يائسة.
ومثل الكثير من الأمور في تركيا الجديدة، يعود بنا إلقاء القبض على الفنانين بسبب أعمالهم الفنية إلى حقبة عصيبة مرت بها تركيا في التسعينيات من القرن الماضي، وتم أثناءها طرد الموسيقي الكردي أحمد كايا من تركيا بسبب تجرئه على التفكير في الغناء باللغة الكردية. وإيزيل ليس الفنان الوحيد الذي يعاني في تركيا الجديدة جراء فنه، حيث ألقي القبض على الفنانة الكردية زهرة دوغان لرسمها لوحة تصور الدمار الذي أصاب بلدة نصيبين في جنوب شرق تركيا في عام 2017.
وعلى الرغم من الصدمة التي يشعر بها حاليا محبو الموسيقى في تركيا إزاء اتساع نطاق هذه الحملة الشعواء لتشمل الفنانين أيضا، فإن ملاحقة إيزيل قد تأتي بنتائج عكسية ضد تركيا. فإلى بجانب إمكانية اكتسابه للمزيد من الشهرة محليا وعالميا وللمزيد من الولاء بين معجبيه باعتباره الفنان الذي يواجه تسلط النظام، ستضع هذه القضية تركيا في صورة سيئة أمام الرأي العام المحلي والدولي، وستظهر الحكومة التركية وكأنها تتحدى العالم كله وتقول "لا أحد يحبنا، ونحن لا نكترث كثيرا لذلك" على غرار الهتاف الشهير سيئ السمعة لمشجعي نادي ميلوول الإنكليزي لكرة القدم.
ومما لا شك فيه أن إيزيل هو من الفنانين الذين يجعلون الناس يتفكرون ويتشككون في العديد من الأمور المسلم بها، ولعل هذا هو السبب في أن الحكومة التركية ترى في الفنانين من أمثاله نوعا من التهديد الوجودي لسعيها إلى "جعل تركيا أمة عظيمة مرة أخرى".
وفي تركيا هذه الأيام، مجرد التفكير خارج الإطار الرسمي سيجلب لك على الأرجح الكثير من المشاكل السياسية غير المرغوب فيها. وبينما تستمر هذه المناوشات الجانبية، تتضخم المشكلة الأكثر خطورة المتمثلة في ضعف الاقتصاد التركي بشكل متزايد كل يوم. ويبدو أن هذا سيكون نهج الحكومة في التعامل مع جميع المشاكل من هذا النوع، وهو أمر لن يكون مثيرا للاستغراب في ظل افتقارها إلى ميزة التفكير النقدي التي عمد أردوغان على إخمادها على مدى السنوات الماضية.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضاً:

https://ahvalnews.com/ezhel/turkeys-jailing-rapper-over-lyrics-sign-weakness
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.