مايو 19 2018

حتى أقلام الصحفيين.... لم تسلم من بطش السلطات التركية!

يحاول الصحفيون عبثاً القيام بعملهم في المدن الكردية، مع اقتراب موعد الانتخابات؛ وسط ما يتعرضون له من ضغوط، ومن مضايقات كثيرة في تلك المناطق، التي صاروا يطلقون عليها اسم "مناطق خالية من الصحفيين". وعلى الرغم مما يتعرضون له من ضغوطٍ؛ كالقبض عليهم، أو اعتقالهم، أو تهديدهم، أو سحب رخص العمل، التي صارت أمراً روتينياً مع كل خبر ينشرونه، إلا أنهم يصرون على مواصلة عملهم، غير عابئين بهذه الصعوبات. 

تحدثت "أحوال تركية" مع عدد من هؤلاء الصحفيين، الذين كشفوا عن معاناتهم مع السلطة الحاكمة في تركيا.
سرتاج كيار أحد الصحفيين المخضرمين، الذين يعملون في هذه المنطقة منذ وقت طويل. يقول كيار إنهم يعملون تحت ظروف صعبة للغاية، وإن حجم معاناته قد زاد بشكل كبير، تزامناً مع إعلان حالة الطوارئ. ويضيف أن الحكومة أصبحت تنظر إلى أي صحفي يعمل في هذه المنطقة بـ "ريبة شديدة"، وهو الأمر الذي تعكسه أعداد المحتجزين، والمعتقلين من صحفيِّ هذه المنطقة فقط.
يقارن كيار بين عمله في الفترات الماضية، وعمله الآن بقوله "كانت السلطة الحاكمة في الماضي تمكننا من أداء واجبنا الصحفي بالشكل اللائق، أما اليوم فهم يركزون جهدهم على رسم الحدود، التي لا ينبغي علينا تخطيها أثناء قيامنا بعملنا، بل وتحدد الصحفيين، الذين يعملون في مكان دون غيره، ومن لا يروق لهم يستبعدوه، بل قد لا يعترفون به صحفياً من الأساس. لا يكفي أن تكون ممن يحملون بطاقة الصحافة الصفراء؛ كي تتمكن من ممارسة عملك في هذه المناطق. هل يتعين على الصحفي أن يصبح من المؤيدين للحكومة؛ حتى يمارس عمله بحرية؟ خلاصة القول إن السلطة الحاكمة في الماضي كانت لا تعترف بأخبار المعارضة. أما اليوم، فالحكومة لا تعترف بمثل هؤلاء الصحفيين من الأساس".
ويضيف "لقد تحولت مهنة الصحافة إلى درب من دروب المستحيل في ظل فرض حالة الطوارئ. لقد تعرضتُ أنا نفسي إلى بعض المواقف؛ مثل قيامهم بمحو الصور، التي التقطتها في إحدى الأماكن، من ذاكرة آلة التصوير خاصتي. لقد تعرضت لهذا بضع مرات. ليس هذا فحسب، بل اقتادوني إلى السجن، بزعم أنني "أحد المشتبه بهم". وخضعت للتحقيقات بسبب صورة التقطتها، أو خبر نشرته". يلفت كيار الانتباه كذلك إلى تعرّض عدد كبير من الصحفيين إلى الطرد من عملهم، بعد غلق المؤسسات الصحفية التي يعملون بها.
يحكي كيار عن حجم الضغوط التي تتعرّض لها وسائل الإعلام الكردية، قائلاً:
"دأبت السلطة الحاكمة اليوم على استهداف أي شخص، له علاقة بالمعارضة، وقامت في هذا الإطار بغلق عدد من وكالات الأنباء، والصحف، والمجلات. كان هدفهم هو إسكات صوت الإعلام الكردي المعارض؛ كي تجبر الجميع في هذه المنطقة على الاستماع إلى ما يقوله الإعلام المؤيد لهم. وعلى الرغم من هذا، فقد أظهرت الأحداث أن الظلم، والإخلال بالقانون، وانتهاك الحقوق، يزداد أيضاً في الأماكن التي لا يوجد بها أي من وسائل الإعلام التابعة للمعارضة".
وفي هذا يؤكد مدير تحرير موقع Habercilerden.com، الذي شهد على الكثير من الأحداث في التسعينيات، ولا يزال يقدم الخدمات الصحفية من ديار بكر إلى الآن، فاروق باليقجي، أن الصحفيين يمارسون أعمالهم في ظل ظروف بالغة السوء، وأن الصحافة في تركيا نالت، هي الأخرى، نصيبها من حالة الطوارئ المفروضة.
يسوق باليقجي مثالاً على الصعوبات، التي يتعرضون لها في أماكن الأخبار بقوله "تعرضت في كثير من الأحيان أثناء ذهابي لتغطية خبر في ديار بكر إلى مصادرة القلم الخاص بي. تخيَّل، يأخذون القلم من صحفي في موقع الخبر. ومعلوم أن الصحفي لا يملك إلا سلاحاً واحداً، وهم يسعون لمصادرة هذا السلاح منه. تعرّضنا لمثل هذا الموقف مرات كثيرة. أعتقد أن هذا مؤشر على صعوبة المناخ، الذي يمارس تحته الصحفيون أعمالهم". 
يلفت كيار الانتباه كذلك إلى معاناة الصحافة إبان فترة التسعينيات، ويؤكد أن هذه الممارسات كانت تتم في الخفاء في تلك الفترة، على العكس مما يحدث الآن؛ فالسطلة الحاكمة تنكل اليوم بالصحفيين علناً، وعلى مرأى ومسمع من الجميع، ويضيف:
"أنت اليوم تعاني الأمرين؛ حتى تصل إلى مصدر الخبر. فعلى سبيل المثال، إذا كانت الدولة أحد أطراف الخبر، فحينئذٍ يصبح من المستحيل أن تحصل على أي تصريح، أو أي رد من هذا الجانب، وهو الأمر الذي لم يكن متحققاً خلال فترة التسعينيات. على الأقل كان يُتاح لنا التحدث إلى أحدهم، وتلقي إجابات عن تساؤلاتنا. أما اليوم، فهذا الأمر غير متاح بالمرة. ففي الحقيقة، إن فترة التسعينيات تشترك مع الفترة الحالية في وجود انتهاكات في هذه المناطق، إلا أنهم كانوا يسمحون لنا بنشر بعض الأخبار، حتى إن كانت هامشية، أو غير متعمقة.
لم نعد نرى تقريباً أحداً لديه القدرة على نشر مثل هذه الأخبار، أو الخوض فيها؛ بسبب غلق بعض وسائل الإعلام، وانتقال البعض الآخر لملكية السلطة الحاكمة في تركيا. وهذا ما يجعلنا نجزم بأن الصحافة في تركيا صارت إلى وضع أسوأ مما كانت عليه إبان فترة التسعينيات".
بدأت وتيرة الصدامات تكرر نفسها من جديد؛ فأغلقت الدولة، في ظل حالة الطوارئ، أربع قنوات تليفزيونية؛ تتخذ من ديار بكر مركزاً لها، بالإضافة إلى عدد آخر من الصحف، والمجلات المحلية، واضطرت صحيفة Welat التي تصدر باللغة الكردية، تحت ما تعرضت له من ضغوط، إلى إصدار أعدادها على الإنترنت.
يحكي باليقجي كذلك كيف غيرت السلطة الحاكمة من تعاملها مع المسألة الكردية تماماً، بعد انتخابات 7 يونيو 2015، وأن هذا الأمر انعكس سلباً على الصحافة، التي نالت نصيبها من هذا التغيير هي الأخرى، وصارت الصحف مهددة بالإغلاق، وبالمصادرة.    
تحدثت معنا كذلك بهار كليج جاديك، وهي صحفية عملت لفترة طويلة في مدينة إسطنبول، ثم انتقلت بعد ذلك للعمل مراسلة لقناة Artı في ديار بكر،عن حجم المعاناة التي يواجهها الصحفيون خلال عملهم في ديار بكر، حيث قالت:
"كان المناخ يشجع على العمل خلال الفترة، التي تحدثت فيها الحكومة عن إمكانية حل المسألة الكردية. ومع فرض حالة الطوارئ، تحول الوضع إلى النقيض تماماً؛ وأصبح من الصعوبة بمكان ممارسة مهنة الصحافة بالشكل السليم"، وتحكي عن معاناة الصحفيين في ظل حالة الطوارئ بقولها:
"اقتصرت الأخبار، التي نقوم بنشرها عن الأماكن هناك، على الجانب الثقافي والفني فحسب. كانوا يأخذون ما لدينا من صور عند دخولنا إلى البناية أو الخروج منها. لا أعرف لماذا يفعلون هذا. كانوا يدققون في هوياتنا عند تغطية أي خبر".
أصبح إبراز بطاقة الصحافة الصفراء أمراً حتمياً عند تغطية الاجتماعات الجماهيرية. وكم من مرة منعونا من الدخول بين الجماهير. أصبحنا نشعر بِهَمٍّ وبضجر شديدين عند التوجه لتغطية أي خبر. أذكر أنهم طلبوا مني إبراز بطاقة الصحافة بين 14-16 مرة في كل نقطة من نقاط التفتيش، التي توقفت فيها أثناء توجهي لتغطية أحد الأخبار في شرناق. وقد يتطور الأمر في بعض الأحيان؛ فتتعرضون للضرب في إحدى نقاط التفتيش، أو للاحتجاز، أو للاستجواب؛ فتجدون أنفسكم مضطرين للإجابة عن أسئلة من قبيل، إلى أين أنتم ذاهبون؟ مع من ستلتقون هناك؟ أي نوع من الأخبار تعدون؟
 
لفتت بهار كليج جاديك الانتباه كذلك إلى معاناة المواطنين من كم الضغوط التي تمارسها السلطات عليهم، قائلة:
"أخذنا قرارنا بالنزول إلى الشارع لاستطلاع نبض المواطنين هناك. لقد عمدت في ذلك إلى التحدث مع أشخاص؛ ممن يهابون الظهور في وسائل الإعلام لقناعتهم بأنهم "قد يتعرضون للملاحقة" من جانب السلطات. يمكننا القيام بهذا الأمر دون التقاط صور، أو كتابة أسماء. كانوا يعانون بشدة، ولكنهم للأسف لا يتحدثون. يقولون إن أي شخص يحاول فتح فمه يتعرض للتهديد. كانوا يتهربون من الإجابة عن أسئلتنا. وكان السؤال عن الانتخابات المقبلة، وفرض حالة الطوارئ، أكثر الأسئلة التي واجهت فيها صعوبة كبيرة؛ كي أتلقى رداً عليها؛ لأننا كنا نسأل عن مشكلات، وعن جراح المنطقة بأكملها. لم يجد أي منهم القدرة للتعبير عن آلامه وجراحه".
وتضيف بهار كليج جاديك " اختفى التنوع بين ما تنشره الصحافة، بعد إغلاق عدد كبير من وسائل الإعلام المعارضة  والصحف الكردية، تزامناً مع استمرار فرض حالة الطوارئ. وعجز المواطنون عن تلقى الخبر بلغتهم الأصلية. لقد عجز الأكراد عن الوصول إلى صحافة تعبر عن حقيقة أوضاعهم".
وتؤكد كليج جاديك أن السلطات التركية تنظر الآن إليها، وإلى كيار ومن على شاكلتهم من الصحفيين باعتبارهم من "المشتبه بهم"، حيث تقول:
"ينتابني الفضول بشأن المشكلات التي تعاني منها الصحافة في الغرب. لم أدرك معنى هذه المشكلات إلا عندما توجهت إلى إسطنبول. أصبحنا نحمل هموم الدولة بأكملها فوق ظهورنا. لقد صرنا ندرك تماماً مدى ما نتعرض له من ضغوط. أصبحنا موضع شك وريبة مع كل خبر نكتبه".
 
يُمكن قراءة التحقيق باللغة التركية أيضاً:
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.