تانير أكشم
يناير 19 2018

"حذارٍ أن يتطلع تركي لمكان دميرطاش".. حزب الشعوب الديمقراطي والقومية التركية

 

عادت قضية الأتراك الأعضاء في حزب الشعوب الديمقراطي، إلى دائرة الضوء والجدل مرة ثانية، بعدما قال حسيب قابلان المسؤول بالحزب: "حذارٍ أن يتطلع تركي لمكان دميرطاش"؛ وذلك عقب إعلان رئيسه، صلاح الدين دميرطاش، عدم اعتزامه الترشح لرئاسته مرة ثانية. 
وهذا الموضوع لا يشير إلى قضية خاصة بتركيا وحدها، بل متعلق عن قرب بمشكلة أعمق مما يقصده أو لا يقصده قابلان من كلامه المذكور.
المشكلة العامة هي: أن البشر المنتمين لجماعات اُرتكبت جرائم كبرى في تاريخها، يجدون صعوبة في رؤية أنفسهم جزءا من  هذه المجموعة الجماعية.
فعلى سبيل المثال نجد أن بعض الألمان بعد ألمانيا هتلر كانوا يجدون صعوبة في قول إنهم ألمان. وعلى شاكلة مشابهة، نجد أن بعض الناس ممن يرون أنفسهم يساريين اشتراكيين، وجدوا ولا يزالون يجدون صعوبة في القول إنهم أتراك.
وحزب الشعوب الديمقراطي، بدأ كمشروع لحركة وطنية. كانت لديه رغبة في أن يكون حزبًا تركيًا من خلال ضم أتراك إلى صفوفه. هؤلاء الأتراك ممن كانوا يعرّفون أنفسهم في الأساس على أنهم يساريين اشتراكيين.
وبالنسبة لهؤلاء الأتراك، كانت العضوية في حزب الشعوب الديمقراطي، تمثل شيئًا "ما وراء القومية التركية"، لذلك لم يفكروا كثيرًا في "قوميتهم". ولا غرو أن"القومية"، و"امتلاك هوية عالمية" (أن تكون تقدميًا، وأن تكون يساريًا اشتراكيًا) ، يمثلان لنفس الأشخاص، مكانين مختلفين عن بعضهما البعض. فـ"القومية التركية" كانت تمثل لهم نقطة مرجعية سلبية يتعين الابتعاد عنها، أما العالمية فتمثل لهم الإيجابية في حد ذاتها.
لذلك فإنه بقدر عدم استطاعتكم القول إنكم "أتراك"، فأنتم بنفس القدر تقطعون طريقًا ممتدًا صوب العالمية، بل وتكونون أنتم على "صواب". فالانضواء تحت "الهوية العالمية"، مرادف لنسيان الهوية التركية. وهذا سبب بعض الغضب من حسيب قابلان فيما قال؛ لأنه سرعان ما فكرهم بالشيء الذي يعتقدون أنهم ابتعدوا عنه: وهو أن يكونوا أتراكًا.
والمشكلة الرئيسية هنا، هي تعريف القومية التركية كشيء سلبي.
لا شك أن هذا ليس بالشيء صعب الفهم. لأن الجرائم الكبرى التي ارتكبت في التاريخ، وسياسات الاستيعاب، والقمع التي مورست بحق الشعب الكردي، تم ارتكابها باسم القومية التركية، ولا زالت ترتكب.
ولهذا السبب نرى أنه بينما يجد الكردي راحة في أن يقول "أنا كردي"، لا يجد الأنراك التقدميين-اليساريين، نفس الدرجة من الراحة، بل يعجزون عن ذلك. ومن ثم يتعين وضع مسافة بينهم وبين "القومية التركية".
 وهنا تبدا المشكلة الأساسية؛ أولًا لأن هؤلاء الناس أبوا أم رضوا هم من ضمن الأغلبية التركية، أعضاء من تلك الجماعة الجماعية، لذلك فإنه مهما كانوا يرون في إنكارهم لأنفسهم، حلًا للأمر، فإن هذا يعتبر حقيقة مصدر المشكلة.
أما ثانيًا، فإن توصيف القومية التركية وتعريفها على أنها شيء سلبي، أمر لا يقدم أية خيارات أو إمكانيات للناس "العاديين" ممن لا يجدون فرصة سوى تعريف أنفسهم على أنهم أتراك.
والسؤال في غاية البساطة: لماذا التركي الذي يلعن إبادة الأرمن، ويعارض ما ارتكب بحق الأكراد من قمع، ليس بمقدوره أن يقول "أنا تركي"؟ لماذا ليس بمقدوره أن يؤسس علاقة مباشرة بين كونه تركيًا وبين اتخاذه موقفًا من تلك الجرائم؟ أنا هنا أتحدث عن الشكل الطبيعي لكون الشخص تركيًا.
وإذا كان حزب الشعوب يزعم أنه حزبًا تركيًا، فيتعين عليه بكل وضوح أن يخلق مساحات يستطيع معها الناس الموجودين بداخله أن يقولوا "نحن أتراك". فإن كان قول الكردي الموجود داخل الحزب "إني كردي"، أمر طبيعي، فيجب عندئذ أن يتم خلق مشترك ثقافي يجعل من الطبيعي أيضًا أن يتشجع الأتراك (يساريين كانوا أم اشتراكيين، ليس مهمًا) المعارضين للقمع الذي ارتكب باسم القومية التركية، ويقولوا "نحن أتراك".
وحقيقة وكما هو مفهوم من كلام حسيب قابلان، فإن القومية التركية تشبه صفعة نزلت على وجه من ليسوا أكرادًا داخل الشعوب الديمقراطي.
لا جرم أن هذا البلد ارتكبت فيه شرور ومساوئ كبيرة باسم القومية التركية والإسلام، في حق الأرمن، والروم، والسريانيين، واليهود (ولقد كان الأكراد والشركس، جزءًا من هذا)؛ وفي هذا البلد كُبّد الأكراد كثيرًا من الآلام والمعاناة باسم القومية التركية.
والآن إذا استخدمت "القومية التركية" كصفعة يتم إنزالها على وجه من ينكرون هذه الجرائم، فهذا لن يجدي شيئًا. فالقومية التركية إذا لم يتم إخراجها عن مجرد كونها صفعة تنزل بصفة خاصة على وجه الأتراك لا سيما العاملين داخل الشعوب الديمقراطي، فإن الشعوب الديمقراطي لن يحرز أي تقدم على مسعاه الذي يسعى إليه وهو أن يكون حزبًا تركيا.
وهنا يمكننا القول إن صلاح الدين دميرطاش يشكل نموذجًا جيدًا في هذا الصدد. فهو إنسان استطاع بكل بسالة أن يقول "أنا كردي"، بل وبهذه الخاصية وبهذه "القومية الكردية"، تمكن من كسب وأسر قلوب الأتراك أنفسهم، وتربع على عروش قلوبهم.
لذلك فإن كل الأكراد، وليس الشعوب الديمقراطي فقط، بحاجة إلى شباب أتراك يمكنهم القول "نحن أتراك". وأعرف أن أتراكًا بهذا الشكل والكيفية يمكنهم التربع على عرش قلوب الأكراد.

 

لا أعرف هل كانت كلمات قابلان سببًا في وجود حالة جدل بشأن ضرورة أي علاقة ينبغي تأسيسها مع "القومية التركية" في أوساط الموجودين داخل الشعوب الديمقراطي، والداعمين له من الأتراك. لكن من الأشياء الضرورية والحياتية أن يقوم اليساريون والتقدميون، لا سيما الموجودين منهم في الشعوب الديمقراطي، وبشكل عاجل بالتفكير في قوميتهم التركية، ويعيدوا توصيفها وتعريفها من جديد. وذلك لأن الوصول للهوية العالمية لا يمكن أن يحدث من خلال الهروب من قوميتهم.
وهذا ما يمكننا تعلمه من الأكراد على الأقل.
وختامًا لا يسعني إلا أن أشكر كل أصدقائي الأرمن الذين علموني كيفية تطبيع علاقتي مع قوميتي التركية.
 

يُمكن قراءة هذا المقال باللغة التركية أيضاً: