هشام النجار
يناير 24 2018

حرب تركيا في سوريا.. بعث جديد لداعش وتعميق لجراح السنة

عودة انبعاث تنظيم داعش، يبدو العنوان المنطقي لمخاوف التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة الأميركية، والذي دفع لتشكيل القوة الحدودية بالشمال السوري التي ترتكز على مكونات كردية في غالبيتها.
نفهم من هذه الزاوية إمكانية استغلال تنظيم الدولة الإسلامية للأوضاع السائدة المضطربة والاستفادة من عدم الإسراع في ملء فراغ التنظيم للعودة من جديد بشكل لا يستطيع أحد رده، بعد أن استوعب عديد من الدروس، وهو ما يجعل من نهاية الصراع والحرب غاية بعيدة المنال.
المفترض أن المعارك الأخيرة لم تنهِ وجود داعش بالكلية، فلا يزال التنظيم حاضرًا وإن كان مشتتًا في الصحراء الممتدة بين سوريا والعراق. 
لكن من ينكر أن وضعيته تلك التي تناسب طبيعة المنظمات الإرهابية التقليدية وتخدم طبيعة نشاطاته الإجرامية المستترة، أخطر من ظهوره بوضوح داخل المدن؟
إشارة صحيفة "ذا تايمز" البريطانية بشأن الأهداف العقلانية وراء إنشاء القوة الحدودية الكردية بالشمال السوري، كونها حراسة للحدود، وليس دفعًا لمتمردين أكراد للانفصال والعنف ضد تركيا، تأخذنا للنظر والمقارنة بين خطوة دمج المكون الكردي في مستقبل المشهد السوري الفيدرالي، مقابل ترك الأبواب مشرعة لداعش للعودة بقوة من جديد.
ليس هناك شكوك في مصداقية المكون الكردي فيما يتعلق بفاعليته في محاربة داعش، وكانت هجمات التنظيم على الأكراد في مناطقهم بسوريا، هي ما دفعتهم لتشكيل قوات منظمة والعمل على تطويرها، وهي التي تمكنت فعليًا من هزيمته وطرده من الشمال السوري، خاصة من مدن منبج وعين العرب.
لكن الشكوك تدور حول طبيعة الأهداف التركية وراء المنطقة الآمنة أو العازلة وطبيعة الكيانات التي ستزرع على الحدود خلاف ما هو معلن من توطين اللاجئين.
هذه الشكوك مبنية على كثير من الوقائع المثيرة للريبة طوال سنوات الحرب، والتي جرى تناولها عبر مئات المقالات والتقارير الصحافية العربية والأجنبية بشأن طبيعة تعاطي تركيا مع التنظيمات المتشددة وعلى رأسها داعش. 
ليس بعيدًا أنه عندما هاجم تنظيم داعش مناطق الأكراد بالشمال وسيطر على مواقع حدودية وإستراتيجية عدة، لم تتحرك تركيا سوى باتخاذ ما يلزم لمنع التنظيم من دخول الأراضي التركية، ما يعني الترحيب بسيطرة داعشية على الحدود ولم تعتبرها أنقرة وقتها لا خطرًا انفصاليًا ولا إرهابيًا، بينما انتفضت مع مساعي إسناد المهمة للأكراد.
ما يجعل طرح الصحيفة البريطانية مقبولًا ومنطقيًا هو انسجام ما ألمحت إليه حول أنه لا يمكن حل المشكلة الكردية بمزيد من التفكيك للشرق الأوسط وإنشاء دولة كردية مستقلة، مع ما لمسناه من عدم رسوخ نمط ثابت ومستقر بالفكر السياسي الغربي تجاه تقسيم وتفتيت الدول العربية، عكس ما هو شائع بشأن المؤامرة الغربية لتقسيم المقسم وتجزئة المجزأ.
ولو كانت القوى الغربية تضع في أولويات مصالحها مسألة التقسيم والانفصال الكامل لتعاملت بشكل مختلف عما تابعناه بعد محاولة إقليم كردستان الانفصال عن العراق.
طالما روج الإسلام السياسي العربي والتركي لمؤامرة التقسيم الغربية، لكن واقع الحال هو استغلال هذا التيار لفوضى ما بعد الربيع العربي لإحداث إخلال بالتوازنات الإقليمية عبر التوسع الجغرافي بالداخل العربي، فيمَ نلحظ عدم وجود استعداد لدى القوى الدولية لاستيعاب تلك التحولات التي من شأنها تبديل وتغيير المعادلات على الساحة العالمية.
الدلالة الأقوى والأقرب على عدم تقبل الغرب والولايات المتحدة لتغييرات جذرية ناشئة عن التقسيم والانفصال بخريطة الشرق الأوسط، هو الموقف الأميركي والأوروبي الرافض لانفصال المكون الكردي عن الدولة المركزية بالعراق.
على ذكر محاولة الاستقلال الكردية عن العراق التي توجت بالاستفتاء الذي أجراه إقليم كردستان، فمن المفيد النظر في دوافعه الحقيقية بمعزل عن المؤامرة الغربية التي ثبت تهافتها مع الرفض الغربي للمحاولة الانفصالية على الرغم من العلاقات الوثيقة بين الغرب وكردستان العراق.
هناك طموح قومي بلا شك لكنه في الأحوال الطبيعية يمكن استيعابه واحتواؤه في إطار وطني تحت سقف من احترام التنوع والعدالة والمساواة بين مكونات المجتمع الواحد في الواجبات والحقوق.
لكن تشتبك الرغبات الانفصالية مع الطموحات القومية حال التهميش والإقصاء وعدم احترام الخصوصيات الثقافية وهضم الحقوق السياسية. 
وهو ما جرى فعليًا لأكراد العراق الذين حرموا في ظل حكم طائفي من المشاركة السياسية وتم تهميشهم وإبعادهم عن الوزارات الهامة والجيش.
قد تتكرر خيبة الأمل تلك مع أكراد سوريا، خاصة بعد أن وُعدوا وتعهدوا بالالتزام بالفدرالية التي لا تعني التقسيم والانفصال بقدر ما تعني قدرًا من الحكم الذاتي في إطار ديمقراطية مركزية.
الاحتواء والتمكين ليس مكافأة سواء للبشمركة العراقيين أو الأكراد السوريين نظير دورهم الإيجابي القوي في التصدي لداعش، لكنه إجراء حيوي يحجزهم عن الانجرار نحو التمرد والعنف باتجاه النزعات الانفصالية الحادة، علاوة على ضمان إنهاء الصراع السوري بشراكة من مختلف المكونات.
الملمح الأهم هو دعم الحضور السني بشراكة أوسع لمكوناته، ولا ينبغي غض الطرف عن عوامل نشأة داعش منذ البداية، على خلفية هضم حقوق السنة واضطهادهم، بالرغم من كونهم يمثلون الغالبية.
كسب الثقل الكردي في المعادلة المستقبلية لسوريا ينطوي على ترضية واستيعاب لمجمل الحضور السني في سوريا، وهو ضمانة رئيسية لعدم دوران الأحداث للوراء نحو التهميش والإقصاء الذي يتيح لداعش فرص جلب التعاطف وتجنيد الأتباع من داخل هذا المعسكر.
الأكراد داخلون في ثقل المكون السني العام وتجاهل دورهم وإنكار حقوقهم، لا يعني فقط خيبة أمل المعسكر المحارب لداعش، إنما أيضًا منح الأخير مساحة للعزف على وتر مشاعر الغبن والظلم، خاصة مع ما يروج له حاليًا داخل أوساط الجهاديين بشأن خيبة الغرب وأميركا لحلفائهم، وأنه لا نصير حقيقي لهم سوى الجماعات المسلحة السنية وعلى رأسها داعش.
الحرب التي تخوضها أنقرة حاليًا ضد الأكراد في عفرين السورية بذريعة تهديد الأمن القومي لا تقف على أرضية راسخة، لسبب محوري وهو عدم السعي الكردي للانفصال والاستقلال كمقدمة لتقسيم تركيا بانفصال أكرادها.
والهدف كان فقط في إطار توسيع الحكم الذاتي للأكراد ضمن تصور لمستقبل سوريا مع الوضع في الاعتبار المتغيرات التي طرأت على الحالة السورية بعد سنوات الحرب والتدخلات الخارجية.
ويمثل تأمين الحدود ضمانة رئيسية لتحقيق هذه النتيجة وصولًا لتشكيل ديمقراطية حقيقية في سوريا تحت مظلة حكم علماني يضمن حقوق جميع مكونات المجتمع السوري، في حال احترمت تركيا الحدود واختيارات السوريين. 
وتدور الأسئلة التي تشغل بال المراقبين حول تداعيات الانقلاب على هذا السيناريو بعد اندلاع المواجهة المسلحة في عفرين، وطبيعة القوى التي تسيطر على هذا الجزء الحيوي من الشمال السوري؟
والأهم هو ما يتعلق بكيفية التعاطي السني مع هذه التطورات التي ترسخ مشاعر التهميش والانكسار، وهو ما يدفع البعض للتماهي مع حالة داعش السالفة، الأمر الذي يرشح لتشكيل تنظيمات أكثر تطرفًا ودموية.