حركة غولن تتحمّل جزءاً من المسؤولية عن تطرّف العدالة والتنمية

لحكومة حزب العدالة والتنمية في تركيا والرئيس رجب طيب أردوغان جذورهما في تاريخ الإسلام السياسي الممتد في البلاد منذ زمن طويل؛ تلك الحركة التي نمت وترعرعت على مدى عقود لتصبح إحدى القوى السياسية المهيمنة في البلاد بعد أن كانت مجرد رقم على الهامش.

بيد أن نجاح أردوغان في تعزيز قبضة حزبه على البلاد منذ أن وصل الحزب إلى السلطة في عام 2002، وموقفه من قضايا مهمة للحزب، لا يُترجم بالضرورة إلى دعم غير مشروط من جانب المحافظين المتدينين الذين يشكلون قاعدة ناخبي حزب العدالة والتنمية.

وقال إسلام أوزكان، وهو محلل متخصص في شؤون الشرق الأوسط ومدير سابق لتي.آر.تي العربية التابعة لمؤسسة الإذاعة والتلفزيون التركية، لموقع أحوال تركية "بصفتي مسلماً، أرى أن الكفاح ضد الإمبريالية يمضي جنباً إلى جنب مع الكفاح من أجل الحرية".

إسلام أوزكان، وهو محلل متخصص في شؤون الشرق الأوسط ومدير سابق لتي.آر.تي العربية التابعة لمؤسسة الإذاعة والتلفزيون التركية
إسلام أوزكان محلل متخصص في شؤون الشرق الأوسط ومدير سابق لتي.آر.تي العربية التابعة لمؤسسة الإذاعة والتلفزيون التركية

إذاً، فبينما يقدم أردوغان صراعه الحالي مع الولايات المتحدة – والذي نشأ نتيجة لأزمة دبلوماسية بشأن المواطنين الأميركيين المسجونين والعقوبات الانتقامية – على أنه معركة ضد الإمبريالية، يرى أوزكان أن هذا أمر غير منطقي في ظل الظروف الحالية.

يقول أوزكان "بينما تتجه (تركيا) إلى المزيد من الاستبداد والقليل من الحرية، يعد اتخاذ موقف ضد الولايات المتحدة غير ملائم ولا صادق. فهذا الموقف قد يتغير في أي لحظة؛ وإذا قادت المفاوضات إلى حل وسط، فقد ينتهي الأمر (بحكومة حزب العدالة والتنمية) إلى التعاون مع الحكومة الأميركية التي تصفها بأنها إمبريالية".

نشأ الخلاف مع الولايات المتحدة من محاكمة تركيا لمواطنين أميركيين وموظفين قنصليين بشأن مزاعم بصلتهم بحركة غولن الدينية المحظورة التي تقول الحكومة إنها كانت وراء محاولة الانقلاب العسكري الفاشلة في يوليو 2016.

إسلام أوزكان

وتمثل هذه التطورات أحدث حلقة في سنوات من الصراع يصفها أوزكان بأنها تقود البلاد إلى الاستبداد والاستقطاب الخطير. لذا، فإنه يقول إن على أنصار غولن أن يتحملوا نصيبهم من المسؤولية.

والحركة، التي يقودها رجل الدين فتح الله غولن من منفاه الاختياري في الولايات المتحدة، متهمة بالتسلل إلى مناصب عليا في مؤسسات الدولة التركية – بما في ذلك الشرطة والقضاء – وهناك مزاعم بأنها استخدمت تلك المؤسسات في البداية لمساعدة حزب العدالة والتنمية على التخلص من أعدائه.

وصار انقسام لاحق في التحالف علنياً في السابع عشر من ديسمبر 2013 عندما فتح ممثلو ادعاء يقال إنهم على صلة بالحركة تحقيقات فساد طالت وزراء من حزب العدالة والتنمية وأقارب لهم. ومنذ ذلك الحين، يهيمن على الخطاب السياسي في تركيا ما تمخض عن ذلك من صراع على السلطة.

وقال أوزكان إن "الحكومة التركية صارت أكثر تطرفاً، وإن ذلك على وجه الخصوص نتيجة لمحاولة الانقلاب (التي قام بها أنصار غولن) والكوادر التي يقال إنهم شكلوها في داخل الدولة. هذا بالطبع لا يبرر المخالفات القانونية الموجودة في المشهد التركي حالياً، لكن ينبغي علينا ألا ننسى أنهم عملوا في البداية مع حزب العدالة والتنمية قبل أن يحاولوا الإطاحة بحكومته، ولا أنهم لعبوا دوراً أوصلنا إلى هذا الموقف الذي باتوا يتعرضون فيه للتطهير عبر وسائل خارجة عن القانون".

أضاف أن هذا قاد البلاد إلى فترة من انتهاكات حقوق الإنسان الخطيرة.

وقال إن هذه الانتهاكات قد يبدو أنها ليست على مستوى خطورة الانتهاكات التي وقعت خلال فترة التسعينات من القرن الماضي – والتي شهدت حملات على الحركات السياسية الإسلامية والكردية – لكنها تجري ممارستها بصورة خطأ في مناخ سياسي خانق لا يفسح مجالاً للمعارضة أو الرقابة.

وأردف قائلا "هناك انتهاكات لحقوق الإنسان، وسجن للصحفيين، وقمع سياسي ونفسي، وتسابق نحو الاستبداد... وقد صار الإعلام تحت السيطرة الكاملة، بينما (المعارضة) لا يمكنها الوصول إلى الجمهور الذي تحتاج التواصل معه".

أضاف أن الحوافز الضخمة التي عُرضت في مقابل دعم سياسات حزب العدالة والتنمية جاءت مكملة لهذا النهج المفرط في استخدام القوة مع المعارضة. 

وعلق قائلاً إن "أكثر ما يخيف هو مستوى الدعم الشعبي الواسع لهذه الممارسات غير الديمقراطية، وأن أغلبية كبيرة من الناس باتوا يتبنون الفاشية الممنهجة وتخويف المعارضة وقمعها".

ووفقا لرئيس تي.آر.تي العربية السابق، يقع جزء كبير من المسؤولية عن هذا على عاتق الإعلام، أو بالأحرى هيمنة الحكومة على أغلبية وسائل الإعلام في البلاد لتعرض على الجمهور الأخبار التي تريدها فقط ومن وجهة نظرها دون غيرها.

ومن خلال سيطرتها على وسائل الإعلام هذه، تمكنت حكومة أردوغان من تجاهل الأحداث البغيضة لها بسهولة – كما كان الحال في عام 2013 عندما كانت قناة إخبارية موالية للحكومة تعرض فيلماً وثائقياً عن البطاريق بينما كانت احتجاجات حديقة غيزي تهز البلاد – أو طرح تلك الأحداث على أنها مؤامرات تحاك ضد الحكومة الشرعية.

وفي النهاية، أُلقيت المسؤولية على قوى أجنبية غامضة تخطط ضد تركيا وجرى ربطها بعد ذلك بالرواية الحكومة التي تتحدث عن أن محرضين من أنصار غولن حاولوا استغلال الاضطرابات للإطاحة بالحكومة.

يقول أوزكان إن خلق الصراعات أو استغلالها للبقاء في السلطة هو بلا شك ليس شكلاً جديداً من أشكال السياسة، وإن إشارة حزب العدالة والتنمية المتكررة إلى قوى أجنبية مشبوهة أو خونة يهددون البلاد هي اتباع لشكل من أشكال السياسة التي شهدها العالم لقرون.

لكن في تركيا، استحوذ هذا النمط السياسي على البلاد، وكان الاستقطاب الذي نتج عن هذا لافتاً للنظر.

وروى أوزكان حكاية عن إيرول أولتشاك، وهو أحد أبرز المعلنين ومدير لحملات حزب العدالة والتنمية قُتل ليلة محاولة الانقلاب الفاشلة التي وقعت في عام 2016.

يقول أوزكان "في عام 2011، قبل وقوع أحداث غيزي، وقبل تحقيقات الفساد في 17 ديسمبر، أبلغ أولتشاك صديقاً صحفياً لي كان يعمل معه أن حزب العدالة والتنمية تخلص من جميع أعدائه وعليه أن يخلق عدواً جديدا".

أضاف "هذا يُظهر أن البحث عن عدو يبدو كان مخططاً له على المدى من ناحية. لكن من ناحية أخرى، لدينا هجمات ’الكاميكازي‘ لأنصار غولن ضد حكومة منتخبة... حاولوا أن يطيحوا بها بشكل غير قانوني. ولو أن نواياهم كانت جيدة، ولو أنهم كانوا يتمنون حقاً أن يدافعوا عن حقوق الإنسان، لكانوا أعلنوا الأدلة على ذلك للجماهير حالما وضعوا أيديهم عليها".

وأشار أوزكان إلى أن قرار أنصار غولن باستخدام ما بجعبتهم كسلاح في صراع الحركة على السلطة مع الحكومة جعل السحر ينقلب على الساحر وأدى إلى زيادة التطرف داخل حزب العدالة والتنمية.

وقد أدى رد الفعل العنيف على حركة غولن إلى تجريمها وإطلاق الحكومة اسم منظمة فتح الله الإرهابية عليها.

نتيجة لهذا، تحولت المخاوف المشروعة بشأن هذه الجماعة إلى فترة من الاستقطاب شجعتها الحكومة بذكاء لتعزز قاعدة ناخبيها وفقاً لأوزكان.

وحذر من أن "هذا قد يكون مفيداً لحزب العدالة والتنمية، أو قد يُسهم في إبقاء جماعات بعينها داخل الحزب متقدة الحماس؛ لكنه لا يقدم شيئا لتركيا. فالاستقطاب لا يقود تركيا إلى ما فيه الخير للبلاد".

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/erdogan-gulen/gulen-movement-partly-blame-ruling-akp-radicalise-fmr-trt-manager#&nbsp
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.