ديسمبر 17 2017

حرية التعبير في تركيا الى أين؟

تتفاقم مشكلة حرية التعبير في تركيا يوما بعد يوم وتتحول الى ظاهرة عالمية استثنائية غير مسبوقة في بلد يجاور القارة الاوربية ويسعى للانضمام الى اتحادها. 
هذه الظاهرة التي انتجها بشكل خاص صعود نجم حزب العدالة والتنمية برئاسة اردوغان بنزعته الشمولية باستخدام الاسلاموية المحافظة نهجا في التعاطي مع الاعلام وحريات التعبير ، تتخذ يوما بعد يوم شكل تدابير ممنهجة باتجاه تكميم الافواه والعقوبات السجنية القاسية. 
وتشير الوقائع المتوفرة الى أن السلطات الحكومية لم تتوقف يوما عن ملاحقة خصومها من المعارضين والصحافيين واصحاب الرأي ولم تعد الماكنة الامنية للحكومة التركية بزعامة اردوغان ما بين تركي او اجنبي حيث تم الزج بسجناء اوربيون في السجون فضلا عن ناشطين آخرين من جنسيات غير تركية. 
يقول ديفيد كاي المقرر الخاص للامم المتحدة حول حرية التعبير،" أن تركيا تشهد وضعا صعبا على صعيد حرية التعبير بعد الانقلاب الفاشل في منتصف يوليو من العام الماضيولا يجب ان تقوم الحكومة واجهزتها الامنية  بكل ما تريده لتقييد حرية التعبير". 
واضاف" اقول ان الخلاصة التي توصلت اليها، قاتمة الى حد ما وتترجم ما اعتبره قيودا على حرية التعبير والرأي في البلاد. يجب الا تفرض اي قيود على حرية التعبير... لاحظنا على كل المستويات ان القيود تؤثر على مختلف جوانب الحياة في تركيا". 

اغلاق الصحف المعارضة ومصادرتها صارت ظاهرة في تركيا
اغلاق الصحف المعارضة ومصادرتها صارت ظاهرة في تركيا

وبحسب تقارير منظمة العفو الدولية فأن ثلث الصحفيين، والعاملين في المجال الإعلامي، والمسؤولين التنفيذيين في المهنة يقبعون في سجون تركيا، علماً بأن أغلبية كبيرة منهم ينتظرون تقديمهم إلى المحاكمة.
وتقول المنظمة ايضا ان حرية التعبير في تركيا تتعرض لهجوم مستمر ومتزايد؛ إذ منذ محاولة الانقلاب الفاشلة في يوليو 2016 يواجه أكاديميون، وصحفيون، وكتاب ينتقدون الحكومة الإحالة إلى التحقيق الجنائي ، ومواجهة الملاحقة القضائية، والترهيب، والمضايقة والرقابة. 
واقترن ذلك بإغلاق السلطات 156 وسيلة إعلامية على الأقل بموجب مرسوم تنفيذي أصدرته في إطار حالة الطوارئ المفروضة في البلاد. فالرسالة التي أرادت السلطات إيصالها وما ترتب عليها من تأثير على وسائل الإعلام واضحة ومقلقة؛ إذ إن شدة القمع الذي تمارسه الحكومة على حق وسائل الإعلام جعلت البعض يصفون ما يحدث بأنه "موت الصحافة". 
إن تراجع الحرية التي كانت مكفولة لوسائل الإعلام ليس أمراً جديداً في تركيا، ففي عام 2013  عندما اندلعت احتجاجات ضخمة ضد تدمير متنزه غيزي في إسطنبول، كانت إحدى المحطات الإخبارية البارزة تبث برنامجاً وثائقياً عن طيور البطريق، وليس تغطية الاحتجاجات. وفقد بعض الصحفيين فرص عملهم لأنهم أغضبوا السلطات. وفي هذا الإطار، استولت الحكومة على وسائل إعلام انتقدت توجهاتها، واستبدلت المسؤولين عن خطها التحريري بآخرين على نحو يتناسب مع توجهاتها. 
ووُضِع في السجن أكثر من 120 صحفياً وعاملاً في مجال الإعلام، في حين فقد آلاف آخرون وظائفهم في أعقاب إغلاق السلطات أكثر من156 نافذة إعلامية, إذ إن الصحافة المستقلة في تركيا أضحت على حافة الهاوية. 

تركيا تحولت الى جمهورية للخوف واسكات الرأي المخالف
تركيا تحولت الى جمهورية للخوف واسكات الرأي المخالف

لقد أصبح خوف الصحفيين من سجنهم لانتقاد السلطات أمراً واضحاً، بعدما أصبحت أعمدة صحف وبرامج تناقش الشؤون السياسية لا تتضمن حالياً سوى أصوات معارضة محدودة، كما لا تعكس آراء مختلفة بشدة عن توجهات الحكومة، علماً بأنها كانت تحظى بشعبية كبيرة سابقاً. 
ولم يسلم الصحفيون العاملون في وسائل إعلام أجنبية، والصحفيون الأجانب الذين يعملون بشكل حر من حملات القمع الحكومية, إذ رُحِّل بعضهم من تركيا، أو منعوا من الدخول إليها؛ بينما لجأت السلطات إلى إلغاء التراخيص التي تخول لهم العمل في المجال الإعلامي. 
 وكانت جمعية حماية الصحافيين الدولية قد صنفت تركيا بين الدول العشر الأسوأ في العالم في مجال حرية العمل الصحافي الحر. 
 كما تم إحكام السيطرة على وسائل الإعلام وتحييد الأقلام الصحافية المستقلة والضغط على أصحاب العمل لطردها.  
ويقول تقرير نشر في صحيفة الحياة انه في الأعوام الأربعة الماضية، فرض أردوغان على عدد من رجال الأعمال المقربين منه شراء وسائل إعلام مستقلة، وصارت هذه الخطوة واحداً من شروط الحصول على المناقصات العامة المهمة، كما تقول المعارضة. على سبيل المثل، اشترت الشركة التي فازت بمناقصة بناء مطار إسطنبول الثالث مجموعة  "أكشام" الإعلامية التي كانت الحكومة وضعت يدها عليها، بحجة تراكم ديونها في البنوك. 
ولكن مع خسارة أردوغان عدداً من المجموعات الإعلامية الموالية للداعية الإسلامي فتح الله غولن الذي انقلب عليه ، زاد الضغط على وسائل الاعلام- تحديداً الصحف الموالية والتابعة مباشرة للحكومة مثل مجموعة «صباح»، و «يني شفق» و «عقد» الاسلاميتين- والقنوات الإخبارية التابعة لها. 
حرية التعبير في تركيا تسير قدما تحت نوع متعسف من نظام الاحكام العرفية والاجراءات التعسفية غير المسبوقة والتي احالت العمل الصحفي والاعلامي والرأي والتعبير الى تهمة تدخل من يتبناها السجن.