اومت اوزكرملو
نوفمبر 03 2018

حرّية الصحافة في تركيا الجديدة

انتهى الكاتب الإنجليزي الشهير جورج أورويل من كتابة روايته الرمزية الشهيرة (مزرعة الحيوانات) التي انتقد فيها أحداث الثورة الروسية وتبعاتها بنهاية عام 1943. ومع ذلك، لم يتمكن من العثور على دار نشر لإصدار روايته. وبعدما رفضها أربعة ناشرين، وجدت الرواية طريقها أخيرا إلى النشر بعدها بعامين في أغسطس 1945.

وقتها، اعتبر أورويل موقف الناشرين شكلا من أشكال الرقابة وكتب مقدمة بعنوان "حرية الصحافة" لتنشر في الطبعة الأولى من الرواية. وبطريقة ما، اختفت هذه المقدمة وصدرت الطبعة الأولى بدونها. وبعد ذلك بأكثر من عقدين، وتحديدا في عام 1971، تم اكتشاف المقدمة التي كتبها أورويل ونشرت في الملحق الأدبي لصحيفة التايمز في عام 1972 وبرفقتها مقدمة لها من كتابة السير برنارد كريك.

وبحسب رؤية أورويل التي صاغها في هذه المقدمة، فإن أكبر عائق أمام حرية الصحافة والتعبير ليس الرقابة التي تفرضها الدولة، إذ كتب:

"إذا كان الناشرون ورؤساء التحرير يبذلون أقصى ما بوسعهم لمنع طباعة بعض المواضيع، فهم لا يفعلون ذلك لأنهم يخافون من الملاحقة القضائية ولكن لأنهم يخافون من الرأي العام. وفي هذا البلد، الجبن الفكري هو أسوأ عدو يتعين على الكاتب أو الصحفي مواجهته.. فللأسف، الحقيقة المرة عن الرقابة الأدبية في إنجلترا هي أنها طوعية إلى حد كبير".

ومن المحزن للغاية أن هذا النص، الذي كتب قبل 75 عاما في إنجلترا إبان الحرب العالمية الثانية، يمكن أن ينطبق بشكل دقيق على تركيا في عام 2018. وكلنا نعلم الإحصاءات. فتركيا تحتل المرتبة 157 من بين 180 دولة في مؤشر حرية الصحافة الذي تصدره منظمة مراسلون بلا حدود، وهي مدرجة ضمن البلدان التي لا تتمتع بصحافة حرة، وفقا لتقرير مؤسسة فريدوم هاوس لعام 2017.

ولعل ما هو أكثر إيلاما حقا أن معظم الرقابة في تركيا طوعية، سواء من جانب الشركات التي تشتري الصحف وتغير سياستها التحريرية لتأييد الحكومة سعيا للحصول على حصة أكبر من المناقصات العامة، أو الصحفيين الذين يمتنعون عن كتابة الحقائق خوفا من فقدان وظائفهم، أو حتى القراء الذين باتوا لا يقرؤون، أو حتى عندما يقرؤون، يصدقون كل شيء يتم تقديمه لهم على أنه الحقيقة دون تمحيص أو تشكيك.

وفي مثل هذا العالم البائس المكبل بقيود طوعية، تصبح ممارسة صحافة حقيقية مغامرة حافلة بالصعاب، حيث سيتعين عليك أن تتمتع باكتفاء ذاتي من الناحية المالية وألا تفرض عليك الإدارة المالكة للمؤسسة سياستها التحريرية الخاصة بها وأن تكون مستعدا لخطر الملاحقة القضائية أو حتى الزج بك في السجن ما لم تكن لديك الموارد اللازمة للعيش في الخارج؛ وأخيرا وليس آخرا، يجب أن يكون لديك قوة احتمال هائلة لتبقى صامدا في وجه حملات التشهير والتشويه التي ستتعرض لها، ليس فقط من جانب وسائل الإعلام التي تسيطر عليها الحكومة، ولكن أيضا من جماعات المعارضة.

وعندما تواصل معي رئيس تحرير (أحوال تركية) ياوز بيدر قبل نحو عام ليخبرني أنه يخطط لإنشاء بوابة إخبارية مستقلة على غرار موقع (ذا إنترسبت) الذي أسسه الصحفي غلين غرينوالد وطلب مني أن أساهم بكتابة مقالاتي في هذه البوابة الجديدة، كان علي أن أتأمل في كل ما سبق.

أولاً، لأنني لست صحفيا، ولا كاتب عمود. ولم أكن أعرف ما إذا كنت أرغب في متابعة الأحداث الجارية في تركيا أو حتى الكتابة على أساس منتظم. وعلاوة على ذلك، كان ابني يعاني من مشكلات صحية خطيرة، وبالتالي ربما لن أتمكن من المساهمة بقدر ما كنت أتمنى.

ثانيا، لأنني لم أكن أعرف من الذي يقوم بتمويل (أحوال تركية) ولأي غرض، وذلك على الرغم من محاولات ياوز لطمأنتي فيما يتعلق بالاستقلال التحريري. صحيح أنني لم أكن أقيم في تركيا وقتها، لكن جنون الارتياب الذي كان سائدا في البلد آنذاك تسلل إلى ذهني وأثر على طريقة تفكيري: هل يمكن لحركة فتح الله غولن أن تكون هي المسؤولة عن إطلاق (أحوال تركية) مثلا؟

ثالثًا، لم أكن واثقا بشأن مدى استعدادي للانجرار إلى جدالات لا داعي لها بسبب المنصة التي أكتب لها. هل أنا حقا مستعد لمواجهة تصنيفي باعتباري في نفس الصف مع هذا أو ذاك من أجل الكتابة في (أحوال تركية)؟

وبعد التفكير لبعض الوقت، قررت أن أخوض التجربة. كان لديّ أشياء لأقولها عن "تركيا الجديدة"، والكتابة على أساس منتظم من شأنها أن تعطيني فرصة للتعبير عن هذه الآراء كتابيا دون إبطاء، وهو ما قد يكون مفيدا في وضع الأساس لعملي الأكاديمي المستقبلي.

علاوة على ذلك، لم يكن لدي موقف معاد مسبقا ضد الصحف أو وسائل الإعلام الأخرى التي لها توجه سياسي معين. فجميع الصحف البارزة والمرموقة في العالم تتبنى مواقف أيديولوجية توجه سياساتها التحريرية. لكن ما كان أكثر أهمية بالنسبة لي هو ما إذا كنت أتعاطف مع هذا الموقف أم لا. وهو ما جعلني امتنع في السابق عن الكتابة، على سبيل المثال، لمنصة كمالية أو قومية أو إسلامية. 

وبدا لي أن (أحوال تركية) تتبنى بالفعل خطا تحريريا ليبراليا، وما كان يهمني حقا في هذه المرحلة كان مسألة الاستقلال التحريري. بالتالي، هل سأتمكن فرضا من انتقاد المفاهيم السائدة عن الليبرالية أو خيارات الليبراليين في تركيا؟ هل يمكن أن أنتقد مالك (أحوال تركية) إذا اقتضت الظروف؟ وردا على كل هذه التساؤلات التي جالت بخاطري، تعهد ياوز لي بأنه لن يكون هناك أبدا أي تدخل في مقالاتي.

ولأول مرة في حياتي، كان لعملي قيمة. ولا أعني بالقيمة هنا المقابل المالي الذي أتسلمه للمقال الواحد، ولكن بالأحرى التدقيقات التحريرية الوجيهة لمقالاتي وترجمتها إلى لغات مختلفة، بما في ذلك اللغة العربية، عندما يتطلب الأمر.

كل ما بقي بعد ذلك هو تتبع مصدر المال. ودون إخبار ياوز، تأكدت من مصادر أخرى من معلومة أن مالك الموقع الإخباري هو الدكتور هيثم الزبيدي، الذي يمتلك أيضا مجموعة دار العرب التي يقع مقرها في لندن. وتماما مثل أي شخص آخر، كنت شديد الحساسية تجاه حركة غولن وفتح الله غولن نفسه بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في يوليو 2016. لكن ياوز أخبرني أنهم يهدفون إلى إطلاق منصة يتم فيها التعرض بالنقد والتحليل لجميع المجموعات و/أو وجهات النظر السياسية، بما يشمل حركة غولن.

وهكذا، ألقيت بمخاوفي وراء ظهري وبدأت بالكتابة في (أحوال تركية). وبعد فترة قصيرة، نشر الموقع سلسلة من المقالات للصحفي الكندي المستقل نيك آشدون المقيم في إسطنبول حول حل حركة غولن بعد محاولة الانقلاب. بعدها، انضم إلى عائلة (أحوال تركية) غوكهان باجيك، أحد المنظرين السابقين لحركة غولن والمؤسس المشارك لموقع التحليلات الإخبارية كيتالار أرساي (عبر القارات باللغة التركية) الذي نأى بنفسه أيضا عن حركة غولن، وبدأ بكتابة مقالات تحليلية وزاخرة بالمعلومات عن حركة غولن والتيار الإسلامي المحافظ. وهنا وفي هذه اللحظة، ذهبت شكوكي بشأن مسألة انتماء الموقع لحركة غولن أدراج الرياح.

كنت سعيدا بالكتابة لـ(أحوال تركية)، فأنا استطيع أن أكتب ما أردت وبأي شكل أريده. المشكلة الوحيدة التي واجهتني هي عدم القدرة على الكتابة على أساس منتظم، لكن كما قلت من قبل، فأنا لست بكاتب عمود، ولا أستطع الكتابة فقط لمجرد الكتابة.

بعد فترة، لم أتمكن من كتابة أي شيء على الإطلاق. كانت حالة ابني تتدهور أكثر وأكثر. وناهيك عن الكتابة، أصبحت حتى المعيشة عبئا لا يطاق. و.. أظن أنكم تعلمون بقية القصة.

بعد هذه المحنة، اختفيت تماما عن الأنظار، ثم عاودت الكتابة مرة أخرى تدريجيا، فقط لكي أتمكن من الاستمرار في العيش.
 
في البداية، كنت أكتب لمدونتي الشخصية. لكن ياوز ورؤساء التحرير الآخرين، إرغون باباهان وإلهان تانير، بدأؤوا في نشر تلك المقالات في (أحوال تركية) وساعدوني في الوصول إلى جمهور أكبر. لم أكن أتوقع ذلك؛ وكانت تلك مفاجأة سارة لي.

وأعترف بأنني لست شخصا يمكن التعامل معه بسهولة. فعندما يسألني رؤساء التحرير "هل تودّ الكتابة عن هذا الموضوع؟" في الغالب تكون إجابتي الرفض. وفي كثير من الأحيان، لا أسمح لأي شخص بأن يمس كلمة أو فاصلة واحدة في مقالاتي. لكنهم تحملوا كل تقلباتي. والأهم من ذلك، وقفت أسرة (أحوال تركية) إلى جانبي خلال أصعب فترة في حياتي.

لهذا السبب، أكتب هذه المرة المقالة التي طلبها ياوز بالتحديد. لأنني أشعر بالامتنان لعائلة (أحوال تركية).


أحوال تركية.. ذكرى سنوية سعيدة!
 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضاً:

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.