مارس 28 2019

حزب أردوغان يعقد آماله على قبائل ماردين للفوز بالبلدية

خطفت مدينة ماردين، شرقي تركيا، الأضواء بنسيجها التاريخي الممتد إلى 7 آلاف سنة، وبنيتها متعددة اللغات والثقافات والأديان؛ حيث يتعايش فيها الأكراد واليزيديون والآشوريون والعرب جنبا إلى جنب، ويرتفع فيها صوت الأذان إلى جانب صوت الناقوس، مما لعب دورًا في إعلانها كمنطقة محمية وترشيحها لقائمة اليونسكو للتراث الثقافي العالمي.

رغم أن اقتصاد المدينة يقوم على الزراعة والسياحة والصناعة، إلا أنها تعاني من مشاكل عديدة، كالبطالة والهجرة والنقل ومشاكل تتعلق بالبنى التحتية وحركة المرور والتحضر المشوّه وما شابهها.

واستقبلت المدينة المتاخمة للحدود السورية هجرة مكثفة عقب اندلاع الحرب الأهلية عام 2011، كما أن الحرب تسببت في وقف صادرات الدقيق إلى العراق، وإغلاق كثير من المطاحن ومصانع الدقيق، وتسريح كثير من العمال لينضموا إلى طوابير العاطلين.

من جانب آخر، يظل عدم ترميم المنازل والعمارات المنهارة بالكامل جراء الاشتباكات التي دارت بين عناصر حزب العمال الكردستاني والقوات الأمنية مشكلة تنتظر  حلاًّ عاجلاً، غير أن ما يطلبه أهالي ماردين في المقام الأول هو الأمن والسلام.

لقد خاض أحمد تورك، أحد رموز الحركة الكردية في تركيا، غمار الانتخابات المحلية لعام 2014 كمرشح مستقل، وحصل على 52.2% من الأصوات، في حين حصد حزب العدالة والتنمية الحاكم 37.4%، بينما حاز حزب السعادة على 2.6%، ولم يستطع حزب الشعب الجمهوري تخطي حاجز 0.9%.

وأما في انتخابات 2018 البرلمانية، فقد حصل حزب الشعوب الديمقراطي المؤيد للأكراد على 60.58% من الأصوات وأرسل أربعة نواب إلى البرلمان، فيما بلغت نسبة أصوات تحالف العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية 32.23%، وأرسلا نائبين فقط إلى البرلمان. بينما تمخضت الانتخابات الرئاسية، التي أجريت في اليوم نفسه مع الانتخابات البرلمانية، عن حصول زعيم الشعوب الديمقراطي صلاح الدين دميرتاش على 58.71% من الأصوات، ومرشح الحزب الحاكم أردوغان على 34.41%، ومرشح الحزب الجمهوري محرم إينجه على 5.37%.

صورة من المدينة.

أما في هذه الانتخابات المحلية، فقد رشح الشعوب الديمقراطي كلا من أحمد تورك وفيجان آلتينداغ كمرشحين مشتركين لرئاسة بلدية ماردين الكبرى، بينما وقع اختيار تحالف الجمهور/الأمة على محمد وجدي قهرمان، فيما رجّح الحزب الجمهوري سليمان صاري، وحزب الصالح تونا إشيقهان، وحزب السعادة محمد علي قيليج. 

في الوقت الذي حدد الشعوب الديمقراطي مرشحيه المشتركين لرئاسة بلدية ماردين عن طريق إجراء انتخابات  أولية، اختار حزب أردوغان مرشحيه من رجال العشائر المعروفة، في مسعى لزيادة تأييده الشعبي.

هناك شائعات حول بلوغ ديون بلدية ماردين التي يديرها الحارس القضائي منذ 2016 مليار ليرة، ونفاد ميزانيتها لعام 2019 من الآن، الأمر الذي يحبط آمال الناخبين في تسوية مشاكل المدينة.  

حسنا ما هي آراء الناخبين وما هي الأحزاب التي سيدعمونها في الانتخابات؟ 

يؤكد أرجين كولر أرمني الأصل أن المشاكل السياسية التي تعاني منها المدينة أكبر وأهمّ من المشاكل الاقتصادية: "هناك قمع واعتقالات تعسفية وظلم وجور. لقد فقد الناس ثقتهم وإيمانهم بالقانون. من يدخلون السجون يخرجون منها في التوابيت، وكثير منهم يضربون عن الطعام احتجاجا على ما يتعرضون. حلّ هذه المشاكل مقدم على منافع اقتصادية. لا قيمة للمال في غياب السلام والسعادة والحرية. الحكومة تقيل رؤساء بلديات الشعوب الديمقراطي وتعيِّن عليها أوصياء. مع أن أفكاري لا تتوافق معه تمامًا إلا أنني سأدعمه؛ لأنه يقاوم الظلم الذي يتعرض له."

مواطن من ماردين.

ويشير محمد أوزمن الذي يعمل في محل لبيع الهدايا إلى أن السياح لم يعودوا يأتون إلى المدينة بسبب الأزمة الاقتصادية والأحداث الأخيرة. ثم يضيف قائلا: "لقد بات الناس يحملون الطماطم إلى منازلهم وكأنها ذهب نظرا لارتفاع الأسعار. زالت ثقة الناس في الحزب الحاكم. لقد جاء الرئيس أردوغان إلى ماردين لعقد لقاء جماهيري، لكن لم يحضره جمع كبير، فاضطروا إلى جلب أناس من خارج المدينة. يمكن أن أقول إن نسبة دعمه هنا تحت الصفر. لا يمكن أن يفوز حزب أردوغان برئاسة البلدية. كنت أؤيد هذا الحزب سابقا لكنه خيب آمال الناس. لذا سأصوت لصالح الشعوب الديمقراطي في هذه الانتخابات حتى ولو عيَّن وصيًّا على البلدية."

ونحاور آشوريًّا يرفض ذكر اسمه والتقاط صورته ولا يصرح بالحزب الذي سيدعمه فيقول: "الضغوطات التي كانت تمارسها الدولة علينا في تعليم اللغة الأم والدين تضاءلت في 2000. ولأن الآشوريين يخافون من أن يواجهوا ضغوطًا يتجنبون الإفصاح عن المرشح أو الحزب الذي سيساندونه. لقد أعجبت بالخطاب الذي ألقاه نائب الشعوب الديمقراطي الآشوري في البرلمان توما جليك، إلى جانب أنشطته الأخرى. غير أن الآشوريين يخافون من التصويت لهذا الحزب خشية توجه البعض إلى إقامة علاقة عضوية أو مباشرة بين الجانبين."

ينبِّه أيضًا إلى أن الخطاب المعادي للنصارى الذي انطلق في الإعلام عقب الهجوم على مسجدين في نيوزيلندا وصل إلى درجة مقلقة. 

ويشير فهمي دوغان المتقاعد إلى أنه سيمنح صوته حزب أردوغان ويتابع: "الحمد لله، لا مشكلة لدي. يكفيني راتبي. الحكومة لا تسحقنا. وإن زاد التضخم فإنها تفرض الزيادة على رواتبنا أيضًا. أريد أن أزعج أوروبا، عدو الإسلام، وأُسعِد المسلمين بدعم أردوغان في الانتخابات. إنه قدم خدمات جليلة طيلة 17 عامًا. مآذن مساجدنا ارتفعت من واحدة إلى أربع. أعمل منذ 40 عامًا ولم أستطع شراء سيارة، لكن ابني اشترى سيارة بمجرد حصوله على وظيفة.. كل هذا بفضل العدالة والتنمية"، على حد قوله. 

مواطن من ماردين.

ونتحدث مع آيدين بوداك، صاحب متجر في بلدة "قزيل تبه"، التي ستلعب دورًا محوريًّا في تحديد رئيس بلدية ماردين الكبرى نظرًا لكثرة سكانها، ويبدأ حديثه قائلاً: "حوَّل الوصي المعيَّن على البلدية بلدتنا إلى ساحة حرب"، ثم يفسر ذلك بقوله: "لقد ألحقت البلدية تحت إدارة الوصي أضرارًا بالغة بالبيئة والطرق، وتحول كل مكان إلى طين وغبار. وعلاقات البلدية مع الأهالي سيئة، لا تستمع لشكاوى المواطنين. كان عهد الشعوب الديمقراطي أفضل من الوصي. فهم كانوا يستمعون لنا ويهتمون بنا ويحاولون تسوية مشاكلنا. أما الآن فإن البلدية صارت مثل السجن، حيث وضعت نقطتين لتفتيش القادمين. ذهبت إلى السجن أكثر من مرة، وكان الدخول إليه أسهل من الدخول إلى البلدية. لذا لا أريد شيئًا سوى رحيل هذا الوصي. نريد الأمن والسلام."

ويدافع رئيس شعبة حزب الشعوب الديمقراطي في ماردين أيلم أماق أنهم سيعيدون بناء ماردين انطلاقًا من مقاربة تحتضن جميع اللغات والثقافات والأديان الموجودة في المدينة، ويردف: "ليس هدفنا هو الجلوس على كرسي رئاسة البلدية وإنما تحقيق إرادة الشعب وعدم السماح للتلاعب بها".

في حين أن رئيس شعبة الحزب الجمهوري في ماردين محمود دويان يدعي أن نتائج الانتخابات معلومة من الآن، وأن الشعب سيكسر أجنحة العدالة والتنمية من خلال مساندة الشعوب الديمقراطي، وعزا سبب ذلك إلى الظلم الممارس عليه من قبل السلطة. 

ويقول دويان فيما يتعلق بترشيح العدالة والتنمية رجال القبائل والعشائر المعروفة في المدينة: "كل أسرة فيها خريج مدرسة ثانوية على الأقل، ولا تستطيع السيطرة على الأجيال الشابة. لذا لم يعد بالإمكان الحصول على نسبة أصوات عالية عن طريق الاعتماد على النظام القبلي."

كما يزعم دويان أن الحزب الجمهوري سيرفع هذه المرة نسبة أصواته في ماردين أيضًا، ويشدد على ضرورة جلوس حزبه على الطاولة ذاتها مع الشعوب الديمقراطي لتطوير سياسات تتلائم والمبادئ اليسارية والديمقراطية الاجتماعية.

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضًا:

https://ahvalnews.com/tr/yerel-secimler/hdpnin-onde-oldugu-mardinde-akpnin-umudu-asiretler
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.