Ergun Babahan
يناير 19 2019

حزب الشعب الجمهوريّ يمرّ بأكبر أزمة وجودية في تاريخه

يترشح رئيس البرلمان بن علي يلدريم لرئاسة بلدية إسطنبول قبل أن يترك منصبه، ويرد بشكل يسخر فيه من الانتقادات الطفيفة الصادرة عن وسائل الإعلام قائلًا "دخول الانتخابات ليس ممارسة للسياسة".

أقول من وسائل الإعلام؛ لأنه لا يوجد من يتحدث في حزب المعارضة الرئيسي في البلاد بخلاف بضعة أشخاص.

وكان أول أعمال رئيس بلدية إسطنبول العامة القادم من اليمين لحزب الشعب الجمهوري هو الذهاب إلى القصر الجمهوري وإعلان ولاءه لأردوغان. ويقول بفخر وعدة مرات إن أردوغان طلب صوته، وأنهم "أنفسهم" ردوا عليه بابتسامة.

الواقع أنه قد يصوت لصالح مرشح حزب الشعب الجمهوري؛ ذلك لأنه بات من الواضح أنه لا يوجد فرق بينهما. أحدهما جناح الاتحاد والترقي الذي يعاقر الخمر، أما الثاني فالجناح الذي لا يعاقرها. (لا تنسوا أن جمعية الاتحاد والترقي مشهورة بفسادها بقدر عنصريتها).

حزب الشعب الجمهوري نفسه كشف بأفعاله في "ريزه" عن نظرته إلى الأكراد، والمطالبين بالحقوق، والديمقراطية، ويفكر في أن يُرشح "إدريس نعيم شاهين" الذي هو مثله كمرشح مشترك مع الحزب الصالح. ويحتار الإنسان لماذا لا يكون "معمر غولر" أو "ظفر جاغلايان" عن إزمير.

إن تركيا تعيش أكبر أزمة في تاريخها. ليس الأمر من قبيل الصدفة، بل من ناحية وجودية. إن الجماهير التي يجب أن تشكل قاعدة حزب الشعب الجمهوري في الظروف العادية تبيع كل ما تملك وتذهب خارج الوطن، ونواب الحزب، ومستشارو كليجدار أوغلو يتم اعتقالهم، والحزب صامت لا يتكلم.

بدأت تتردد في إسطنبول وتشيع مزاعم حول وجود فساد في الناخبين بدءًا من "الجزر"، والأسماء المعروفة في حزب الشعب الجمهوري تعترض. وكما يرضى الحزب الفساد والاحتيالات يرضى أيضًا بحيل الانتخابات وألاعيبها.

بعد انتخابات الـــ 7 يونيو يبدو أن السيطرة على جميع الأحزاب قد انتقلت إلى الدولة، ولكن يبدو أنها أصبحت أكثر سيطرة على حزب الشعب الجمهوري. وقد سيطرت على جميع الكوادر السياسية فكرة أن الأكراد على وشك تقسيم تركيا، والقلق من أن يكونوا أصحاب الكلمة في إدارة الدولة.

ناهيكم عن انتهاكات حقوق الإنسان في المنطقة الكردية، واقتراب إحدى النائبات في البرلمان من الموت نتيجة لذلك. إنه لا يتحدث عن طائرة أردوغان البالغ ثمنها 500 مليون دولار، ولا حتى عن قصره الصيفي الموجود في "غوك أووا (صحيح؛ ماذا حدث في مسألة نقل حصص بنك "إيش" إلى الخزانة العامة؟).

منذ 7 يونيو وحزب الشعب الجمهوري يبدو وكأنه يعمل باستمرار على تبرير كل مظاهر الفساد والظلم للنظام الجديد. فكل تصرفاته غير الدستورية، قد حدثت خلال محاولته إقناع جماهيره بالحيل الانتخابية. ولم يظهر رد فعل جادٍ تجاه الانتقال إلى النظام الجديد باستثناء مسيرة العدالة التي نظمها، وقد تخلى عنها أيضًا على الفور نتيجة لتحذيرات من أركان الدولة العميقة.

يبدو أردوغان في هذه الفترة التي يعرّف نفسه فيها بالدولة مثل حزب الشعب الجمهوري الأكثر قبولًا لهذا الادعاء، لأن حزب الشعب الجمهوري أيضًا يُعرّف نفسه بالدولة، ويعتقد أن أردوغان هو أفضل من يحمي الدولة في الوقت الراهن.. ومن أجل ذلك فهو يتجنب التحركات الجادة التي تضعف أردوغان، ويكتفي بإجراء "مسرحية المعارضة" في اجتماعات مجموعته الحزبية التي تعقد أيام الثلاثاء.

ونظرًا لأنني خارج تركيا ربما لا أستطيع أن أقرأ بصورة صحيحة المزاج والحالة النفسية للشرائح المعارضة لحزب العدالة والتنمية قبل الانتخابات، ولكن مشاعري تخبرني أنه بالرغم من هذا المشهد الاقتصادي-الديمقراطي- الحقوقي؛ فإن حزب الشعب الجمهوري سوف يؤدي في هذه الانتخابات بشكل أسوأ من حزب العدالة والتنمية.

الناس في مناطق بنيتها السكانية واضحة ومحددة مثل بشيكطاش، وقاضي كوي، وشيشلي، وبكير كوي ربما يصوتون لصالح حزب الشعب الجمهوري رغبة في حماية أساليب حياتهم قليلًا. كما أنهم سيفعلون هذا دون النظر إلى هوية المرشح. ومع ذلك وبغض النظر عن هؤلاء، لماذا يصوت لصالح حزب العدالة والتنمية الإنسان الحضري المعارض له، والراغب في ديمقراطية غربية النمط، والعيش مثل الغربيين! ماذا الذي يعده به حزب الشعب الجمهوري بخلاف حرية شرب الخمر.

إن الأحداث والتطورات تكشف أن المشكلة الرئيسية في تركيا؛ هي ارتباط سياستها بالدولة ارتباطًا شديدًا، مثل وسائل إعلامها تمامًا. فالسياسة للأسف ليست مجال نشاط مدني في تركيا. إنها ملعب رسم حدوده العسكر. ولا يهم الدولة السرقة والنصب، والممارسات الظالمة في هذا المجال. يكفي ألا تتشدق بحقوق الأكراد، وحقوق الإنسان، والديمقراطية، والاتحاد الأوروبي، والقانون وما شابه. فمن الواضح ماذا ألمَّ بمن نطقوا بهذه الأمور.

ومع ذلك فمن غير الممكن الحفاظ على التنمية والتغيير الاجتماعي تحت السيطرة إلى الأبد. فحزب الشعب الجمهوري هذا محكوم عليه بالفناء مثل صحف "صباح" و"حرييت" التي يسيطر عيلها أردوغان. يمكننا بعد الانتخابات أن نرى إدارة حزب الشعب الجمهوري تشكو من الناخبين مثلما اشتكى المدير التنفيذي لمجموعة "دوغان" من عدم وجود قراء. فالتطورات تُنبئ عن هذا.

وليس هناك ما يُقال بالنسبة لحزب الشعوب الديمقراطي؛ لأنه يخضع لضغط من قبل الدولة لا يُصدّق. وإنني أؤمن بأن جميع القطاعات، بما في ذلك الأكراد المنزعجون من صلاح الدين دميرطاش، سوف ترى قريبًا أن وجوده في هذه البلاد مهم للغاية من أجل السلام والديمقراطية وثقافة العيش سويًا.

المقلق في هذا المسار هو ارتفاع خطر أن يعبر الناس عن رد فعلهم في صورة العنف والشدة نتيجة لبعدهم التدريجي عن السياسة؛ في مدرجات الملاعب، وفي وسائل المواصلات العامة، وفي الشوارع، وفي المنازل...

أما بالنسبة لحزب الشعب الجمهوري فإنه وكما كان قال أحد لاعبي كرة القدم في فريق غلاطة سراي "حزب الشعب الجمهوري لا يصلح حتى سَلَطَة"...

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/guncel/futbolcu-tabiriyle-soylersek-bu-chpden-cacik-olmaz
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.