ذو الفقار دوغان
أغسطس 27 2018

حزب العدالة الجديد يغيّر مفهوم الخيانة

في الأيام الدامية من الصراعات الأهلية التي سبقت الانقلاب في تركيا عام 1980، ألقى ألب أرسلان توركيش، مؤسس حزب الحركة القومية المنتمي لليمين المتطرف، أمام أنصاره خطابا أظهر أقصى درجات الاستقطاب في ذلك الوقت.

فقد قال توركيش آنذاك: "اقضوا على كل من يخون القضية! أنا أسير والعلم في يدي. إذا أصبحت خائنا، فلتطلقوا النار علي أيضا!"

كان اليساريون يعتبرون أبناء تيار اليمين والقوميين "خدما للإمبريالية الأميركية الفاشية"، بينما كان اليمينيون يصفون اليساريين بأنهم "عبيد موسكو الشيوعيون".

فكلا الجانبين يرى الآخر خائنا.

وفي الوقت الذي كانت فيه قيادات الحكومة تصف خصومها على رؤوس الأشهاد بأنهم "خونة"، كان أنصارهم في الأحياء المحلية والجامعات وفي الشارع يعتبرون ذلك تصريحا ضمنيا لهم بقتل الخصوم.

وبعد أكثر من 30 عاما، عادت تركيا إلى فترة ترد فيها كلمتا "الخيانة" و"الخائن" في جميع الموضوعات، من السياسة إلى الاقتصاد والسياسات الخارجية. والسياسيون في البلاد لا يعملون إلا على زيادة حدة الاستقطاب الذي يغذي هذا الخطاب، ويدفعوننا نحو نقطة اللاعودة.

لقد بات السياسيون في كلا الجانبين يتبادلون اتهام بعضهم بالخيانة، لدرجة أن تلك الاتهامات أثرت على السياسات الرسمية. فبعد فترة قصيرة من انتخابات 24 يونيو، منعت وزارة الداخلية ساسة حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة، من الحضور بصفة رسمية جنازات الجنود الذين قتلوا خلال تأدية الواجب.

أضحت اتهامات الخيانة شائعة ومستخدمة على نطاق واسع للغاية إلى حد أنها أوشكت على فقدان كل معانيها. إننا نقترب من نقطة ستتحدد فيها "الوطنية" بانتماء المرء لحزب العدالة والتنمية الحاكم ومدى حبه للرئيس رجب طيب أردوغان.

حتى القيم الاجتماعية المقدسة بدأت تنهار في ظل التعامل مع سياسات الحكومة وخطابها بشكل متزايد على أنها أمور لا تقبل الجدل أو النزاع. فانتقاد حزب العدالة والتنمية وأردوغان بات في حكم المحظور، كما شاع استخدام نعت الخونة في وصف أولئك الذين يتجرؤون على التعبير عن آرائهم بصراحة.

وفي الواقع، لم تعد اتهامات الخيانة تقتصر على المعارضة وحدها، إذ لم يتردد أنصار الحزب في توجيه أصابع الاتهام إلى أعضاء سابقين رفيعي المستوى، بل وحتى مؤسسي حزب العدالة والتنمية.

من بين الشخصيات الكبرى المهمشة بهذه الطريقة أحمد داود أوغلو رئيس الوزراء السابق المنتمي للحزب، وعلي باباجان الذي أشرف على الاقتصاد كنائب لرئيس الوزراء.

كذلك بولنت أرينج، وهو أحد مؤسسي حزب العدالة والتنمية أيضا، قد وجد نفسه شبه ممسوح من تاريخ الحزب في مؤتمره هذا العام. فمقطع الفيديو الذي نُشر احتفالا برحلة الحزب، والبالغة مدته 15 دقيقة، لم يخصص ثانية واحدة للعضو المؤسس الذي عمل نائبا لرئيس الوزراء ورئيسا للبرلمان.

وكانت آخر الشخصيات البارزة التي اعتبرت من الخونة عبد الله غول، أحد الأعضاء المؤسسين لحزب العدالة والتنمية والذي كان أردوغان يصفه بالأخ، وأحد أشاوس الحزب الذي شغل مناصب رئيس وزراء تركيا ووزير خارجيتها ورئيسها الحادي عشر.

وقال نائب رئيس حزب العدالة والتنمية حمزة داغ عن غول خلال مناسبة عامة للاحتفال بعيد الأضحى هذا الأسبوع: "إنه أحد من خانوا هذه الحركة... كل من يفكر في الوقوف ضد زعيمنا أردوغان هو خائن".

أشار داغ إلى التكهنات التي أحاطت غول باعتباره مرشحا يمثل جبهة موحدة للمعارضة تحت مظلة واحدة تجمع كافة أطيافها في الانتخابات الرئاسية التي أجريت في 24 يونيو من العام الحالي.

وسارع مسؤولون بحزب العدالة والتنمية إلى الدفاع عن غول والتهوين من كلمات نائب رئيس الحزب، لكن يبدو أن تهمة الخيانة ستلازم الرئيس السابق بقية حياته السياسية.

سيكون غول ثاني رئيس تركي يعتبر خائنا، بعد مرور 57 عاما على جلال بايار الذي أطيح به في انقلاب عام 1960 وحوكم بتهمة الخيانة ولم ينج من عقوبة الإعدام إلا بسبب سنه.

علاوة على ذلك، لم يكن من اعتبر غول خائنا هو الجيش أو عامة الشعب، بل حزبه الذي كان فيه أول عضو يشغل منصب رئيس الوزراء قبل أن يسلم زمام الأمور إلى أردوغان.

وفي نفس اليوم الذي وصف فيه داغ الرئيس السابق غول بالخائن، تعهد نائب آخر لرئيس حزب العدالة والتنمية، وهو الوزير السابق محمد أوزحسكي، خلال احتفال بمدينة قيصري في وسط البلاد بتوسيع نطاق حملة مطاردة "الخونة" داخل الحزب، وبأن السلطة المركزية لحزب العدالة والتنمية ستخرج كل من يعتبر غير لائق من الحزب والمناصب العامة.

كل هذا الحديث عن الخونة يكشف حقيقة مؤسفة؛ ألا وهي أن الساحة السياسة في تركيا عجزت، منذ فترة المواقف المتطرفة التي تحددت ملامحها بدعوة توركيش لحمل السلاح ضد "الخونة"، عن إيجاد نموذج أكثر إنسانية وديمقراطية من السعي إلى تدمير المنافسين.

ومن المرجح جدا أن يشيع توجيه اتهامات الخيانة إلى المعارضة في الانتخابات المحلية المقررة في مارس 2019.

يصر حزب العدالة والتنمية على ربط كلمة "جديد" بالمفاهيم الواردة في خطابه – فلنفكر في تلك السنوات التي سمعنا فيها عن "تركيا الجديدة" – كما يمكن أن يروج لحزبه بالطريقة ذاتها على أنه "حزب العدالة والتنمية الجديد". فحملة التطهير من "الخونة" التي ستؤدي إلى ذلك التغيير في المسمى تظهر بالضبط نفس العقلية والاستراتيجية التي كانت موجودة قبل 40 سنة.

بهذه العقلية، سيستمر "حزب العدالة والتنمية الجديد"، التي تخلو قيادته في معظمها من مؤسسي الحزب ورؤسائه القدامى، في المضي قدما على مسار كان مألوفا للغاية في المشهد السياسي القديم بالبلاد، ملقيا باتهامات الخيانة ليس فقط على خصومه بل كذلك على قادته السابقين.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/abdullah-gul/new-akp-changes-definition-treachery
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.