علي يورتاغول
ديسمبر 22 2018

حزب العدالة والتنمية تحوّل إلى رمزٍ للنظام القمعي

جاء حزب العدالة والتنمية إلى السلطة يحمل آمال الجماهير العريضة في تحويل تركيا إلى طريق السلام والرخاء الاقتصادي، وجعلها في ركاب الدول الأوروبية. وسرعان ما تجسَّدت آمال الشعب في شكل انتصارات انتخابية؛ راح الحزب الحاكم اليوم يجني ثمرتها.

أصبح حزب العدالة والتنمية، الذي قفز إلى السلطة بشكل غير متوقع في عام 2002 ، رمزاً للأناضول المسلمة المحافظة، واستطاع أن يحقق نمواً اقتصادياً كبيراً مع تورغوت أوزال، وعمل على فتح سبل للالتقاء بالعالم.

أصبح حزب العدالة والتنمية لعقود مصدراً لحركة تنادي للتصدي للقمع المناوئ للحريات، الذي لا يهتم لأمر المسلمين والأكراد.

وفي مقابل ذلك، أُصيب "الأتراك البيض" بحالة من الارتباك، وانقسموا فيما بينهم إلى فريقين؛ فمنهم من نظر إلى أردوغان باعتباره مصدر خطر كبير على تركيا، واعتبر خَطَبه السياسية نوعاً من "التَقِيَّة السياسية"، وبالتالي كان أبلغ خوفهم أن تزول تركيا على يد هذا النظام.

والمفارقة أن الفريق الآخر منهم كان مستكينا، منخدعاً بالدعاية التي يقوم بها أردوغان عن جماعة فتح الله غولن، وحزب العمال الكردستاني، لذا لم يكن من قبيل المصادفة أن نشهد ذلك السجال الذي رأيناه على صفحات صحيفة جمهورييت بشأن كل من عثمان كافالا وصلاح الدين دميرطاش.

كانت هناك نسبة كبيرة من الأتراك البيض يصغون بإعجاب إلى الأصوات القادمة من أعماق الأناضول، ومن أطراف المدن، بشأن حزب العدالة والتنمية وانتفاضته ضد "الفقر والعوز والتمرد على المحظورات". 

كان الأتراك "البيض"، الذين يدافعون عن صديقاتهم المحجبات في بعض الجامعات مثل جامعة بوغازإيجي، يرون أن هذا النظام هو المؤسس لتركيا الجديدة، وبدؤوا ينظرون إلى "الدولة القديمة"، كما أطلقوا عليها، على أنها حجر عثرة يقف في طريق الانفتاح على العالم، وتوطيد أواصر التعاون مع أوروبا.

لهذا السبب، لاقت سياسات الإصلاح، التي تبناها حزب العدالة والتنمية، في بادئ الأمر، دعماً ومساندة من جانب بعض المثقفين، أو بتعبير آخر من جانب بعض المثقفين من الأتراك البيض، مثل حسن جمال وجنكيز جاندار وأحمد ألتان. 

لم يجانب الصواب مثل هؤلاء المثقفين وغيرهم من الأكراد، الذين دعموا حزب العدالة والتنمية في بادئ الأمر. ومن جانبه، لم يقتصر سعي حزب العدالة والتنمية على تحويل مسيرة تركيا نحو الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي إلى شكل مفاوضات بين الجانبين فحسب، بل تبنَّى كذلك "إصلاحات أجاويد" في قمة هلسنكي؛ فعملت تركيا خلال هذه الفترة على ترسيخ التجربة الديمقراطية حتى عام 2010.

لم تكتف تركيا أيضاً خلال الفترة الأولى لحكم حزب العدالة والتنمية بالانفتاح على أوروبا فحسب، بل أتى ذلك متواكباً مع حدوث طفرة اقتصادية بالبلاد أيضاً.

وتضاعف نصيب الفرد من الدخل القومي بمقدار ثلاثة أضعاف، وحمل حزب العدالة والتنمية على عاتقه التصدي لمشكلات طالما أهملها حزب الشعب الجمهوري، مثل مشكلة العشوائيات، والمشكلات الاجتماعية، وتحسين الخدمات العامة؛ لذا استطاع أن يأسر لب قطاع عريض من الناخبين الأتراك.

وفي السنوات الأولى لحكمه قامت الحكومة بطرح المشكلة الكردية للمرة الأولى على طاولة المفاوضات، واقتنع الجميع، بمن فيهم قادة الجيش، بأن الوقت قد حان للوصول إلى حل سياسي للأزمة، وأن المفاوضات هي السبيل الذي يمكن عن طريقه تحقيق ما عجز السلاح عن الوصول إليه. من أجل هذا، لم يكن من قبيل المصادفة أن تتحقق خطوات ملموسة خلال المفاوضات المباشرة التي أجرتها الحكومة في عام 2005-2006 مع حزب العمال الكردستاني.

وبذلك أحرز حزب العدالة والتنمية قصب السبق في تعبيد الطريق أمام فتح حوار مع الأكراد. وفي المقابل، غاب حزب الشعب الجمهوري عن الساحة، ولم يعد له وجود فعلي..

رأى الأكراد، في ذلك الوقت، في حزب العدالة والتنمية، خلاصاً من فترة عانوا خلالها من التنكيل والإنكار؛ إذ تعرضوا لظلم أنظمة سابقة لحزب العدالة والتنمية، ليس فقط لأنهم أكراد، بل لأنهم مسلمون محافظون كذلك. أضف إلى هذا تعمُّد الكماليين "أنصار مصطفى كمال أتاتورك الذين حكموا تركيا قبل حزب العدالة والتنمية" إهمال الوضع الاقتصادي في المنطقة الجنوبية الشرقية من تركيا التي يسكنها الأكراد.

ولم يكن من المستغرب أن نرى ما صار إليه حال صلاح الدين دميرطاش اليوم مع تغير أسلوب حزب العدالة والتنمية في إدارة البلاد؛ لأن حال الأكراد صار إلى الأسوأ بعد ذلك تحت حكم حزب العدالة والتنمية، ولم يكن اضطهادهم هذه المرة لأنهم مسلمون، بل لأنهم أكراد. وقد تجسد ذلك بوضوح في تدني نسبة التصويت لحزب العدالة والتنمية في مدن كردية مثل بدليس أو وان، التي كانت نسبة التصويت فيها قد وصلت قبل ذلك إلى 70%.
وإلى جانب الأكراد، كان هناك ضحايا آخرون من الأتراك البيض العلمانيين، الذين انقسموا  إلى فريقين؛ فضل الأول الانتقال إلى العيش في قاضي كوي، أو إزمير، أما الفريق الآخر فترك تركيا بأكملها، وهو ما فعلته صفوة هذه الطبقة، عندما قررت الرحيل إلى أميركا وكندا والنمسا.

كان تحوَّل أردوغان وحزب العدالة والتنمية، بشكل مفاجئ، عن سياسته الأولى، مُبتعداً عن نموذج "الديمقراطي المسلم"، الذي يحتضن الأكراد، وانتهاج سياسة أخرى إقصائية عمَّقت من الاستقطاب داخل المجتمع التركي، وحرمت الأكراد حقوقهم، أمرًا محيراً بالفعل.

أعتقد أنه من الأهمية بمكان البحث عن إجابة لهذا السؤال. يمكنني تقديم بعض الأفكار في هذا الشأن، ولكن ليس لهذا محل الآن.

نعرف جيداً المرحلة التي توقف عندها أشخاص من بينهم دولت بهجلي ودوغو برينجك في القضية الكردية:
"ليس لدينا وقت للحديث عن الأكراد الآن، هناك أحداث على الجانب السوري تهدد تركيا بكاملها".

السؤال الآن، هل هناك وجود بالفعل لهذا التهديد؟ بالفعل يوجد، ولكن المشكلة الأساسية هنا تكمن في اختزال القضية الكردية في هذا الأمر، واتباع  حزب العدالة والتنمية، في الوقت الحاضر، سياسة تقوم على إنكار واقع الأكراد من الأساس. والدليل على هذا أنه حتى لو وجدت المسألة السورية طريقها إلى الحل، فلن يغير هذا من الوضع شيئاً، وستبقى القضية الكردية مُعلَّقة بلا حل. وسبب ذلك أن حزب العدالة والتنمية نفسه أصبح جزءاً من المشكلة، وليس جزءاً من الحل. من أجل هذا، لم يكن تصريح أردوغان "سنتخذ التدابير اللازمة حيال ذلك"، في تعليقه على قرار المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بشأن صلاح الدين دميرطاش، أمراً غريباً أو غير متوقع.
لم يعد هناك مكان في تركيا اليوم لقضاء أو لمفاهيم أخرى مثل الديمقراطية ودولة القانون. هناك فقط أناس تحوَّلوا إلى أداة قمع في يد النظام الحاكم.

لم يعد هناك وجود فعلي للقضاء والعدالة خلال السنوات التي تلت محاولة الانقلاب في تركيا، ولعل ما يتعرض له دميرطاش من ظلم اليوم هو أبلغ دليل على ذلك.

أما عثمان كافالا، فيجسد ما يتعرض له الأتراك البيض من ضغوط وظلم أيضاً.

لم تعد تركيا تلك الدولة "القدوة" التي تمثل "مصدر إلهام" بالنسبة للعالم، أما أردوغان فأصبحت الصورة الذهنية له أمام العالم أنه حاكم "مُستبد".

لم يعد حزب العدالة والتنمية كذلك بارقة الأمل كما كان ينظر إليه المظلومون في الماضي، وتحوَّل، على النقيض من ذلك تماماً، إلى رمزٍ للنظم القمعية التي تُعمِّق من الاستقطاب داخل المجتمع من أجل مصالحها فقط. 

أصبحنا، مع حزب العدالة والتنمية، نعيش في تركيا جديدة؛ حيث يرتع الفساد، ويزيد الاتجاه نحو الفقر، وعدم التورع عن ارتكاب المحظورات.

ظنت قطاعات من الشعب التركي أن حزب العدالة والتنمية لديه من المهارة ما يجعله عنصر استقرار في منطقة تعطشت طويلاً لوجود دولة القانون والديمقراطية وحرية التعبير عن الرأي. ولكن يبقى السؤال: في رأيكم هل من الممكن أن تنخدع تلك القطاعات طويلاً بتأييدهم حزب العدالة والتنمية..؟

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/akp/akpnin-trajedisi
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.