حزب العدالة والتنمية وجماعة غولن.. تحالفات وتحولات بعيدة عن الديمقراطية؟

حينما بدأ حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا، وجماعة "فتح الله غولن"، تحالفهما، كانت توجد ضدهما بيروقراطية عسكرية وآخرى مدنية كانتا غير راضيتين عن الصنفين. فلقد كان العدالة والتنمية كيان كثيرًا ما دأب على التشدق بالديمقراطية، لكنه في واقع الأمر لا يمتلك كثيرًا من المكتسبات في هذا الصدد.
أما جماعة غولن فكانت أكثر تجربة بخصوص مسألة التراكم الثقافي داخلها، والفضل في ذلك يرجع إلى "منتدى حوار أبانت" الذي تولد عن رغبة لدى رجال العلم من رجال الدين والمفكرين ورجال الصحافة في تأسيس منتدى فكري يلم شملهم، ويوفق فيما بين مشاغلهم.
وبالنسبة للكماليين في البلاد، فكانوا يشعرون بقلق بالغ حيال نجاح التحالف بين الحزب والجماعة. وكما تعلمون فإن حزب العدالة والتنمية، يعتبر امتدادًا للمشروع السياسي المسمى بالتركية مللي غوروش"، أي "الرأي الوطني"، الذي تبناه الراحل نجم الدين أربكان، وإن كان الحزب الذي يتولى السلطة بمفرده، يقول إنه خلع عباءته القديمة، فإنه رغم ذلك حّول أنظاره إلى الجيش ضامن العلمانية في البلاد.
في هذه الأثناء كان قادة الجيش، يتابعون بقلق شديد صعود حزب جديد (في إشارة للعدالة والتنمية في بداية عهده ووصوله للسلطة) الذي تشكل بعد فترة كساد اقتصادي شهدتها تركيا، وكان مؤشر نجاحه يرتفع يوما بعد يوم.
وعلى الفور بدء حزب العدالة والتنمية في مبادرات إرساء الديمقراطية، حيث كان يرغب في ضرب عصفورين بحجر واحد. إذ كانت تحدوه رغبة لتقليل ردود أفعال العسكر الكماليين، فضلًا عن رغبته كحزب له خلفية إسلامية في جعل المجتمع المتدين أفضل حالًا في مجالات الحريات وحقوق الإنسان، والديمقراطية.
لكن كان هناك شعور بأن رجب طيب أردوغان، كان يأخذ مسافة من هذه المساعي والجهود التي قادها عبد الله غل، غير أنه كان هناك من ينظرون بإيجابية لهذه التطورات من شرائح مختلفة داخل المجتمع. فالجميع من ليبراليين، وأوساط يسارية، كان يستقبلون الصورة العامة التي بدت عليها البلاد بتفاؤل حذرٍ، وكان الأمر يبدو وكأن هناك تقارب بين الحزب الجديد والتيارات الأخرى.
مساعي إرساء الديمقراطية لاقت حفاوة أكثر إيجابية من قبل المحافظين والجماعات المتدينة ممن عاشوا عاصفة 28 فبراير الشديدة (في إشارة لانقلاب ناعم أجبر رئيس الوزراء الراحل نجم الدين أربكان على الاستقالة بسبب ضغوط من قبل المؤسسة العسكرية). كما أنه كان هناك تفاؤل حذر في ارتفاع بشأن الانضمام للاتحاد الأوروبي الذي كان من الموضوعات التي تتم معارضتها على مدار سنوات.
أما من بقوا على نفس منوال مشروع "مللي غروش"، فقد استقبلوا مساعي الانضمام لأوروبا بانتقادات شديد، وذلك بعد الحصول على ضوء أخضر من الولايات المتحدة الأميركية، حيث كانوا يرون في الأمر "اتفاقًا صليبيًا"، وذلك قبل أن يشكل رجب طيب أردوغان الحكومة آنذاك. وسرعان ما أخذ العسكر الكماليون موقفًا سلبيًا أثناء مناقشة مذكرة خاصة بالعراق في البرلمان عام 2003؛ وذلك بسبب انزعاجهم  مصادقة الولايات المتحدة للحكومة، وعدم رغبتهم في زيادة أردوغان من انشطته.
ولقد انتهى التصويت في البرلمان على مذكرة الحرب في العراق في الاتجاه السلبي؛ وذلك بفضل جهات داخل حزب العدالة والتنمية كان تعارض نية أردوغان في هذا الصدد. ولعل الجدل الذي دار حول هذه المذكرة، كان في واقع الأمر امتحانًا لقياس مجال حقوق الإنسان في البلاد، ولمسألة إرساء الديمقراطية التي قطعها الحزب على نفسه. فالأصوات المعارضة داخل العدالة والتنمية باتت تزعج أردوغان، وبدأت آنذاك التصفيات الأولى، التي كان يهدف من ورائها تمكين قوته.
وكان العائق أمام الجماعة الدينية بخصوص قبول مساعي إرساء الديمقراطية في البلاد، هو الموقف المنزعج من النظام، الذي يتبناه القطب الآخر. الجماعة الإسلامية التي ليس لها ماضي أو أي موروث بخصوص حقوق الإنسان، والديمقراطية والحريات، حافظت على المسافة التي اتخذتها حيال الخطوات الجديدة، وحيال قوانين وتشريعات الانسجام مع الاتحاد الأوروبي، وفي ذات الوقت كان ينتابها الشك من تلك المفاهيم بسبب القطب الآخر الذي كان يراقبها بعيون العدو.
وحينما رأى عناصر الشرطة المحافظون أن حقوقهم تنتهك، وسلطاتهم ستهتز، أعربوا عن امتعاضهم من حقوق الإنسان. كما أن انتقادات شديدة من داخل جماعة المحافظين، طالت مساعي التقرب من الاتحاد الأوروبي، وذلك بسبب القرار الصادر عن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان عام 2005، بشأن دعوى رفعتها طالبة الطب ليلى شاهين ضد الدولة التركية، وطعنت في القانون التركي الذي كان يحظر في ذلك الوقت ارتداء الحجاب الإسلامي في الجامعات وغيرها من المؤسسات التعليمية ومؤسسات الدولة.
فلا شك أن المجتمع المتدين والمحافظ الذي ظل لسنوات يرى نفسه منبوذًا في تركيا، كان يفكر بأن الجسور الممتدة لقيم الاتحاد الأوروبي، ستفشل بسبب المقاربات البالية التي يتبناها الغرب حيال العديد من القضايا. ومع مرور الوقت بات هذا الاعتقاد سائدًا بقوة، وهناك من يرى أن الشرائح العلمانية في تركيا كان لها دورها في ذلك من خلال التأثير على محكمة حقوق الإنسان الأوروبية. ولهذه الأسباب كان من السهل تقويض مساعي إرساء الديمقراطية في البلاد التي بالفعل أرسيت على أساس هشّ.
وكانت هناك العديد من الأسباب التي كانت تؤدي لابتعاد المجتمع المتدين في تركيا عن هذه المفاهيم التي هو بحاجة إليها، ومن هذه الأسباب البيروقراطية المدنية والعسكري بالداخل، والمواقف المعادية للإسلام في البلدان الأوروبية. فالمحافظون الذين مورست بحقهم ضغوط كبيرة على مدار سنوات، بدءوا يتعاطفون مع شرائح مختلفة، بدأ هجومها على مساعي إرساء الديمقراطية يقل.
وقبل العام 2007 الذي سيشهد الانتخابات الرئاسية، كان هناك ازدياد في حدة التوتر. وفي مسعى لعرقلة المبادرات الأوروبية، قام القوميون بنشر تضليلات استغلوا فيها الدين من قبيل "عدد المبشرين المسيحيين في ازدياد، والدين يضيع"، ولقد وجدوا دعمًا جزئيًا في ذلك، فكان يتم قتل رجال الدين المسيحيين في الولايات القومية والمحافظة مثل طرابزون وملاطيه.
وفي ظل هذه الأحداث، زادت درجة عدم الثقة في الاتحاد الأوروبي، لا سيما في ظل تأخر تنفيذ وعوده بالنسبة لتركيا، بشكل انتهى في الداخل بحالة من اليأس في كل ما يتعلق بهذا الكيان. وأنا أرى أن المحافظين الذين لم يشعروا بانجذاب لمساعي إرساء الديمقراطية، كانوا أكثر أهمية، كفصيل اهتم بالتغيير الاجتماعي، على العكس من الذين لا يرون سوى القادة بشأن خطوات إرساء الديمقراطية.
جماعة غولن، قدمت دعمها لحزب العدالة والتنمية، وهي التي لم تدعم من قبل أية أنظمة متدينة، وبالطبع كان مقابل هذا الدعم، تسهيل أنشطة الجماعة، وزرع رجالها في أجهزة الدولة. ومع مرور الوقت كانت الجماعة تدعم النظام من أجل تعزيز شبكتها الوطنية والعالمية.
الجماعة ذاتها كانت تسعى لتراقب بحذر تحركات الجيش، وكانت كثيرًا ما تتشبث بخطابات الديمقراطية لمواجهة أية احتمالات للانقلابات، ولقد تسبب الاستقطاب الديني المتزايد آنذاك، في زيادة الجماعة من وتيرة أنشطة إرساء الديمقراطية التي كانت تقدمها بشكل مكثف من خلال فعاليات إعلامية.
لكن هذه الجماعة كانت لا تكرر هذه الغيرة نحو إرساء الديمقراطية بخصوص القضية الكردية تلك المسألة التي لا تعنيها مباشرة. فجماعة غولن كانت تتناقض مع نفسها من خلال تبنيها مقاربات يمينية، وقومية، وأخرى قائمة على الوضع الراهن، وذلك لحل القضية الكردية.
فهذا الموقف الذي يعتبر مُسْلمًا بالنسبة لحزب العدالة والتنمية، وجماعة غولن المنتمين للتيار المحافظ، كان يمنعهما من إرساء الديمقراطية بالمعنى الحقيقي فيما بينهم.  فجماعة غولن سريعًا ما كانت ما تلجأ لسياسة الوضع الراهن الآمن كسبيل للحل في المشاكل الأخرى بمجال حقوق الإنسان التي لا تراها مهمة بالنسبة لها.
فهذا النهج كان من ناحية يثبت من مفهوم الوضع الراهن، ومن ناحية أخرى كان يعرقل ردود الأفعال التي من الممكن أن تأتي من القوميين والمحافظين. والجماعة التي تعاظمت مع مرور الوقت كانت تفضل خيارًا لا تخاطر بسببه في امتحان الديمقراطية، وذلك من خلال النأي بنفسها عن كل ما من شأنه الزج بها في دوائر الضوء كابتعادها عن توتر الحجاب.  لكن هذا الخيار سيكون حجة تزج بها في موقف صعب حينما يقع الخلاف مستقبلا.
جماعة غولن التي كان يتبادر اسمها للأذهان عند الحديث عن مصالحة ما أو حوار بين الأديان، كانت في ظل هذا قادرة على كسب تعاطف الجهات الفاعلة داخليًا وخارجيًا التي كانت تأخذ مسافة من الجماعات الأخرى.
فالجماعة التي دأبت على عقد اجتماعات معتبرة في العديد من الموضوعات مثل الحوار، والمصالحة، كانت لا تضع في حسبانها أن هناك نقصًا هامًا سيفصح لها مستقبلًا عن هذا التناقض الذي تعانيه؛ وذلك لأن هناك مرض خطير يضرب في أوصالها وأوصال شريكها حزب العدالة والتنمية. فالطاعة العمياء لقائد له كاريزما، وقوي، ونموذجي، تزينه بعض العناصر الروحية، كان يعرقل نقدهم لأنفسهم ذاتيًا. ولعل الإقرار بأن قيادة الكيانين وزعاماتهما، أمر لا يقبل الجدل، كانت مسألة تتناقض مع خطابات إرساء الديمقراطية من داخلهما.
لا شك أنه كان هناك ثمنًا ثقيلًا لتغيير هذين الكيانيين الشعبيين من الداخل، يتمثل هذا الثمن في الإقصاء بدعوى "خيانة الدعوة". فأردوغان كان لا يتوانى عن توجيه الاتهامات لكل من ينتقد زعامته. وحزب العدالة والتنمية كن يشتد ساعده في كل انتخابات، لكنها هذه كانت قوة سهلة تقلل من حظوظ الديمقراطية داخل الحزب، وتعزز الدودة التي أكلت شجرة الديمقراطية فيه.
أما جماعة غولن، فكانت من أجل الأعمال التي تنشدها، لا ترغب في ترك قوة النظام تسقط من يدها، فلا غرو أنها كانت لا تتأخر ولا تتنازل عن تبني موقف قائم على القوة مبتعدة في ذلك عن مسألة المبدأ التي كانت ترى أنه من الممكن إهمالها في الموضوعات الشديدة الأهمية. فهم كانوا يرون أنه من المقبول دينًا أن تكون هناك بعض نقاط الضعف الأخلاقية  في سبيل زيادة النشاط للحصول على القوة. وكلما تعززت قوتها كلما زادت الانتقادات الموجهة لها من الجماعات الأخرى.
لا شك أن الخطابات العاطفية المدعومة بخطابات روحية لزعيم الجماعة، فتح الله غولن، كانت تظهر ما يضمره من رغبة في التحكم والسيطرة أكبر من رغبته في تحقيق المعايير الديمقراطية. ولم يكن كل من المؤيدين المحافظين والمخلصين للمجموعتين يعرفون بعد أنهم سيصبحون ضحايا للمواقف التي لا داعي ولا لزوم لها.
يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضا:

https://ahvalnews.com/tr/siyaset/demokrasi-ararken-nicin-kendimizi-guc-catismalarinda-bulduk-2