رنا خالد
ديسمبر 25 2017

حزب العدالة والتنمية ..... وخلق العدو الحميم في تركيا

 

(العدو هو أنا الآخر) هكذا يصف بيار كونيسا تحويل المعارضة إلى عدو في كتابه "خلق العدو أو كيف تقتل العدو بضمير مرتاح".  هذا الوصف ينطبق كثيرا على فكرة العدو لدى حزب العدالة والتنمية. أعداء الحزب الأساسيين هم إسلاميون أتراك منشقون من جماعة فتح الله غولن المعارض الذي يتهمه الرئيس رجب اردوغان بالتخطيط لانقلاب يوليو 2016.  ولكن غولن هو عراب الإسلام السياسي في تركيا، وأحد أهم مفكريه وزعمائه.
والحقيقة أن أساس الخلاف بين حركة "الخدمة" التي كان يتزعمها غولن وبين حزب العدالة والتنمية هو محاولة كلا الطرفين الوصول إلى الحكم، والسيطرة على النظام السياسي في تركيا وبالتالي كلاهما وجهان لعملة واحدة.
اردوغان يرى أن ما حققه حزب العدالة والتنمية منذ وصوله إلى الحياة السياسية في تركيا وتحديه صعوبات الصراع مع العلمانيين،  جعله الحزب الوحيد الذي يحق له أن يكون قلعة الإسلام السياسي وأساس ديمومته وانتشاره.  وأن ما حققه الحزب لم تحققه أي من الأحزاب والتنظيمات الإسلامية في تركيا عبر تاريخ الإسلام السياسي وعلاقته بالدولة التركية. 
جماعة فتح الله غولن لا تعترف بإنجازات "العدالة والتنمية" وترى أن ما وصل له اردوغان هو بتضافر جهود كل الجماعات والتنظيمات والأحزاب الإسلامية في تركيا باختلاف مشاربها،  لذلك لا بدّ من تقاسم الغنائم ورد الجميل ومنع انفراد حزب واحد أو شخص واحد بالحكم الدولة.
يرى غاي فينلي و د.الين دكستاين في كتاب (العدو الحميم: كيف تفوز في الحرب داخل نفسك) أنّ الوسيلة الناجحة لمواجعة الأصوات المزعجة والتناقضات الداخلية والإحباط هو في خلق عدو داخلي تعكسه مرآتك تعلق عليه جميع أخطائك وسلبياتك.
ولو استعرنا المصطلح من علم النفس إلى علم السياسة،  سيكون العدو الحميم هو انعكاس الصورة الحقيقية للاسلام السياسي عندما نجرده من كل الزخارف الفكرية السامية والديكورات المسرحية المبهرة التي تستخدم لأغراض انتخابية.  دكتاتورية دينية منغلقة التفكير تكفّر كل رأي يخالف الحزب وتعادي كل معارض سياسي تنتهج القمع المنظم وتريد إعادة تركيا إلى زمن الانقلابات التي قمعت الحريات وزجت بالآاف من المثقفين والصحفيين وقادة الرأي وزعماء الأحزاب السياسية في غياهب السجون وتركت تركيا تعصف بها رياح الفقر. هكذا يصف زعماء حزب العدالة والتنمية حركة عبدالله غولن وكل المعارضين المنضوين فيها من أفراد وتنظيمات سياسية، ولكن الوصف ينطبق على الحزب نفسه وكأنه التقرير السنوي لإنجازات حزب العدالة والتنمية.
إن انقلاب 2016 لم يكن بداية الصراع بين اردوغان وجماعة فتح الله غولن،  إنه ولادة العدو الحميم داخل الاسلام السياسي.  ولكي يتنصل الاسلام السياسي من تهم القمع والفساد التي تطاله ويتطهر من ذنوبه احتاج الى كبش فداء. لذاك تم تحوير وتضخيم حركة غولن لتتحول الى صورة الاسلام السياسي الإرهابي،  فالذي يريد أن يكره الحركات الاسلامية لذنوبها لا يحتاج أن يكره حزب ديمقراطي ليبرالي مسلم مثل العدالة والتنمية بل يجب أن يكره حركة غول الارهابية التي تريد خطف الديمقراطية في تركيا -كما يتهمها زعماء العدالة والتنمية-. 
حزب العدالة والتنمية استفاد من أخطاء كل الاحزاب الاسلامية التي سبقته.  فهو لم يخلق من العلمانيين أو اليساريين عدوا له كما فعل الحزب الديمقراطي وأحزاب السلامة الوطني والفضيلة والرفاه والطريق القويم. هذه الاحزاب عندما عادت وتصارعت مع التيارات السياسية المختلفة عنها ايديولوجياً خلقت انقساما شعبيا داخل تركيا بل وقدمت خدمة جليلة لهذه الاحزاب لأنها شدت الجماهير خلف الزعامات السياسية المختلفة. وهذا ما حدث فعلا في سبعينيات القرن الماضي عندما أدى تصارع الاحزاب الاسلامية اليمينية والاحزاب اليسارية الى انقسام الشارع التركي وتحولت الجامعات والمقاهي والشوارع التركية الى ساحات حرب أهلية مستعرة لا هوادة لها. ولم ينته هذا الصراع السياسي إلا بتدخل الجيش في انقلاب 1980 الذي أنهى سجال الأحزاب وزج بجميع قادة الأحزاب الإسلامية واليسارية على سواء في المعتقلات.
حزب العدالة والتنمية استفاد من دروس الماضي، فهو ألدّ اعداء العلمانيين ولكنه لم يخلق لهم صورة العدو بل مارس معهم الفابية السياسية التي حلت محل الصراع المعلن. أما اليساريين فقد انتفت الحاجة لخوض صراع معلن معهم فالاحزاب اليسارية في جميع انحاء العالم وفي تركيا تعاني من ضعف بنيوي وفكري، ولم تعد الافكار اليسارية تستقطب الشباب والطبقات الكادحة كما كانت في الماضي.
وإذا قلنا أن هنالك علاقة طردية بين حجم وقوة العدو وبين حجم وقوة الدعم الجماهيري، سيصبح عندها العلمانيون واليساريون لا يقدمان للعدالة والتنمية صورة العدو الذي يجمع الجماهير ويحشد الرأي العام.  لكن حركة عبد الله غولن تقدم كل ما يحتاجه حزب العدالة والتنمية ليرسم صورة العدو المثالي. حركة اسلامية في الوقت الذي صار فيه مصطلح الاسلام السياسي يرادف الارهاب في الذهن الغربي وهو مولود من رحم الاسلام السياسي وهذا يكفي ليشتت جماهير العلمانيين واليساريين في تركيا.  مكان زعيم الحركة المقيم في الولايات المتحدة يقدم صورة المؤامرة الدولية، حجة اردوغان التي يقدمها لادانة غولن. زمان حركة غولن حيث ان حزب العدالة والتنمية يعاني من هزائم داخلية وخارجية لا مفر منها سوى بخلق عدو يحمله وزر الاخطاء السياسية. واخيرا الانقلاب وهو الوسيلة التي يتهم فيها حزب العدالة والتنمية انصار فتح الله غول باستخدامها لتغيير الحكم في تركيا، هذه الوسيلة أصابت صورة العدو في مقتل حيث ان كلمة انقلاب عسكري هي أكثر الكلمات كرهاً لدى جميع اطياف المجتمع التركي. إنها تعيد للاذهان صور المعتقلين والمغتالين في شوارع اسطنبول.  صور خلقت في الذاكرة الجمعية التركية أسوأ مرحلة لا يستطيع أي تركي أن يتحرر من قسوتها. 
وهنا هل نجح حزب العدالة والتنمية من خلق صورة العدو الحميم الذي يحتاجه ليقمع كل أنواع المعارضة السياسية،  ويمنح المبرر الشرعي للزعامة السلطوية المتفردة للحزب وزعيمه رجب طيب اردوغان؟ هل سيكون هذا العدو كافياً ليبرر هزائم الحزب الفكرية والسياسية؟  هل سيكون كافياً ليبرر القمع المنظم؟.
كل مرة يقف فيها اردوغان على خشبة المسرح ليدلي بأحد خطبه السياسية يستحضر شعراً أو نثراً من شاعر صوفي، ولكنه في نفس الخطاب لا يتوقف عن استحضار العدو الاخطر على مستقبل تركيا وهو يصف جماعة فتح الله غولن التي تأسست من منطلقات الفكر الاسلامي الصوفي نفسه.  ليس غريبا أن يكون العدو الذي يهدد أمة من الأمم أو شعبا من الشعوب له لون أو عرق أو دين أو حتى أهداف مختلفة، ولكن الشاذ أن يكون العدو له نفس اللون والطعم والرائحة والافكار والايديولوجا. لذلك فإنّ صناعة الخوف من عدو ملامحه تشبه ملامح الزعيم السياسي سلاح ذو حدين. فهي قد تقدم دعما جماهيريا وقتياً لسياسات الحزب الواحد والزعيم الواحد. ولكن على المدى البعيد سرعان ما ستستنفد صورة العدو قوى الحزب نفسه، وسيبدو وكأنه يقدم صورة لذاته العدوانية وليس لعدو مبتكر تم تضخيم وقعه وتأثيره.