اومت كرداش
فبراير 08 2019

حزب العدالة والتنمية وعقلية الماضي المؤدية إلى الانهيار

يحفل التاريخ بالعديد من النماذج، بدءاً من الأمويين وصولاً إلى السلاجقة والدولة العثمانية، التي استغلت الدين وسنة النبي في إدارة الحكم، وتنفيذ سياسة الاستيعاب التوسعي التي ترمي إليها؛ فقد عمد الأمويون السنة من قبل إلى تطبيق سياسة الاستبعاد والتهميش لجميع الطوائف غير العربية، ومال النموذج السني لدى الأمويين إلى جانب الطبقات العليا المرتبطة بالقصر؛ لأن تلك الطبقات كانت تربط مصيرها بمصير السلطة الحاكمة؛ لذا كان أفرادها يبذلون الجهد للحفاظ على استمرار الحكم على وضعه الراهن دونما إحداث أي تغيير. 

وبالطريقة نفسها، أضفى النموذج السني الأموي غطاءً من الشرعية الدينية على الهيكل السياسي والاقتصادي والاجتماعي لدى كل من السلاجقة والعثمانيين بعد ذلك. ونتيجة لهذه السياسات الاستيعابية التي تمخضت عنها تجربة الأمويين، كانت الطوائف الأخرى مثل العلويين تلقى، هي الأخرى، معاملة وحشية للغاية.

وعلى الرغم من وجود تيار معارض في تلك الأثناء، إلا أن هذا التيار لم يكن يربط، وفق هذا النموذج السني، مستقبله بمستقبل الدولة والسلطة الحاكمة؛ أي أنه انشغل بتحقيق مصالحه الخاصة فقط، بل أن من أفراده من لم يتردد عن إبداء تأييده للقصر في كل خطوة يخطوها بشكل صريح. لهذا السبب، وقف هذا التيار عاجزاً عن الـتأثير في الحياة السياسية في تلك الفترات.

واصل الشباب العثماني سياسة السلطان عبد الحميد، التي كان يُنظر إليها في الدولة العثمانية باعتبارها نموذجاً للاتحاد الإسلامي. ولكن أدى اتجاههم إلى تأسيس أمة - دولة من هويات عرقية، والوقوع تحت تأثير تيارات القومية المسيحية الموجودة في أنحاء الإمبراطورية العثمانية، بالإضافة إلى الصدمة التي خلَّفها فقدان أراضي الدولة العثمانية الواقعة في أوروبا، إلى تغيير هذه السياسة.  

كان العديد من الشباب الأتراك صغار السن، الذين دافعوا في البداية عن هويتهم العثمانية، من القوميين الأتراك، الذين غلبت عليهم حماسة الفكر العاطفي الرومانسي أكثر من أي شيء آخر. وفي عام 1917، اكتسبت القومية التركية قوة سياسية. وفي حين كان هناك اتجاه نحو تبنّي العقلية المادية الوضعية للغرب، كانت القومية التركية، من ناحية أخرى، تتخذ موضع الصدارة كذلك.  

ومع ذلك، كان الإسلام السني مهمّاً أيضاً بوصفه عنصراً مكملاً للمجتمع التركي، والقومية التركية، وكان أعضاء جمعية الاتحاد والترقي يلجؤون إلى التأكيد على الطابع الإسلامي للدولة وقتما اقتضت المصالح السياسية منهم ذلك.  

وعمد أعضاء جمعية الاتحاد والترقي إلى تجاهل كل ما هو إسلامي، وجعلوا من الفكر الإسلامي مجرد وسيلة لتحقيق أهداف سياسية، وأولوا اهتمامهم، على العكس من ذلك، للأيديولوجية التركية؛ من خلال تبنّي منهج يُطبقون من خلاله سياسات التتريك عن طريق القمع والميل الى استخدام العنف. 

وتعذّر القيام بالإصلاحات الضرورية في عهد السلطان عبد الحميد، وخاصة في المشروطية الثانية من أجل العناصر غير المسلمة، والتي من شأنها تكوين وحدة سياسية في الدولة، وبالتالي تسارع الاتجاه نحو التفكك والانهيار.

قامت حكومة الاتحاد والترقي في العهد العثماني بتطبيق نوع من الهندسة العرقية باستخدام تقنية التلغراف المشفّرة بالتعاون مع الألمان؛ فتم ترحيل الروم والأرمن وارتكاب أبشع المجازر بحقهم، والاستيلاء على ممتلكاتهم وثرواتهم، ومحو أي وجود لهم من المنطقة التي عاشوا فيها منذ آلاف السنين.

وفي المقابل، تم نقل اللاجئين والمهاجرين المسلمين القادمين من البلقان وروسيا، وتوطينهم في الأماكن التي تم إخلاؤها، وبذلك انكسر العمود الفقري الاقتصادي والاجتماعي والثقافي للإمبراطورية العثمانية. 

وما أنقذ الأكراد خلال تلك الفترة من التعرض لهذه المجزرة أنهم كانوا مسلمين - سنة، ولكن هذا لم يمنع  سياسة الاستيعاب القائمة على التدمير والإنكار من أن تطالهم فيما بعد.

كان القاسم المشترك لأعضاء الاتحاد والترقي هو إيمانهم بفكرة القومية والتفاهم الوضعي، والثقة في قوة التعليم للاتجاه نحو الحداثة بما يساهم في إعادة تشكيل المجتمع التركي وفق ذلك. وكان الإسلام السني مجرد وسيلة يمكن اللجوء إليها وقت الضرورة في ظل هذا القاسم المشترك.

وعلى الرغم من أن مصطفى كمال أتاتورك كان يشارك، هو الآخر، أعضاء الاتحاد والترقي في هذا القاسم المشترك، إلا أنه كان أكثر دراية بالأهمية الاجتماعية والسياسية للدين. ويُذكر له قوله، إبان فترة النضال الوطني، "القرآن الكريم هو دستورنا الأساسي"، إلا أنه عمد بعد ذلك إلى سياسة التتريك والقومية التركية عندما بدأ في تنفيذ مشروعه للاتجاه بالمجتمع والدولة نحو الحداثة. وكان الأكراد من الفئات التي تعرضت للإنكار والتدمير خلال هذه المرحلة.

استخدم أتاتورك مصطلح العلمانية كوسيلة للوصول إلى الحداثة، والسير على خطى العالم المتقدم. والواقع، أنها لم تكن علمانية بالمعنى الحقيقي للكلمة. ومع تأسيس رئاسة الشؤون الدينية، تم استخدام الإسلام السني، مرة أخرى، كوسيلة لتحقيق أهداف السلطة الحاكمة، ووُضِعَت تحت رقابة الدولة. 

وقامت الدولة، في ذلك الوقت، بإغلاق نُزُل العلويين وتكاياهم، وصار الأكراد والعلويون وغير المسلمين إلى جانب المسلمين الحقيقيين، الذين لا يؤيدون الدولة من ضحايا اتجاه الدولة نحو الحداثة.
جرى تطبيق سياسات التتريك في الفترة الجمهورية المبكرة بشكل مستبدّ في مجالات الاقتصاد والثقافة على مستوى الفرد والمجتمع. 

وسجَّل التاريخ أحداث تراقيا عام 1934، وتطبيق قانون الثروات والأصول عام1942، باعتبارهما استمراراً لسياسات عقلية الحزب الواحد.. وحدثت فاجعة 6-7 سبتمبر نتيجة التحريض المستمر من جانب الحزب الديمقراطي اليميني المحافظ.

والشيء الذي تجب الإشارة إليه بخصوص العقلية، التي تنتج هذه السياسات التي نتحدث عنها، أنه لا يوجد ثمة فرق بين الذين أخذوا بفكرة الوطنية والقومية التركية، والذين يتحدثون باسم الإسلام. 

وبعد تمرد الشيخ سعيد عام 1925 على أتباع الحكومة هذه السياسة، أصدرت الحكومة آنذاك قرارات بتغيير قانون الخيانة الوطنية وإغلاق الصحف، بزعم نشر مقالات تخالف مبادئ الثورة، ومعاقبة الصحفيين بهذه الصحف، وإعادة محاكم الاستقلال، وإقرار قانون حفظ الأمن.

كانت المناقشات التي جرت في المجلس بخصوص هذه الإجراءات المشددة، وخاصة فيما يتعلق بإقرار قانون حفظ الأمن، تحظى بقدر كبير من الاهتمام، وتحولت هذه المناقشات إلى نوع من أنواع تصفية الحسابات بين الجمهوريين وأنصار الفكر الليبرالي، ووقفت بعض الشخصيات أمثال كاظم قره بكير وعلي فؤاد باشا ورؤوف بك ، والنائب عن منطقة دَرسيم (تونجلي) فريدون فكري بك والنائب عن سيواس هالِص تورغوت بك في مواجهة هذا القانون، وضد إقامة محاكم الاستقلال.

كان هؤلاء الأشخاص يرون أنه ينبغي التفريق في المعاملة بين المتمردين وأبناء الشعب المظلومين، ومن ثم يتعيَّن على الحكومة أن توقف العمل بهذا القانون؛ لأنه سيقضي على الحريات، وسيفتح الطريق أمام الحكم الديمقراطي. 

وعندما احتدم النقاش، وانقسم النواب داخل المجلس إلى معسكرين، حينها طلب مصطفى كمال الكلمة، وصعد المنصة وأعلن عن قراره لبدء عصر جديد.

"يجب علينا أن نمسك بيد الأمة. من بدأ الثورة سيكملها".

كان هذا القرار اختيارًا مهمًا ساهم في خلق واقعنا اليوم وفي تشكيله. كان إيذانًا بأن الجمهورية  ليست لا تؤيد سياسة الانفتاح على الحريات والديمقراطية، وأنها عقدت العزم، على النقيض من ذلك تماماً، على انتهاج سياسة استبدادية لا هوادة فيها.

واجه حزب العدالة والتنمية، بمرجعيته السنية، هذا الوضع عندما وصل إلى الحكم في عام 2002، وخاض نضالاً مريراً من أجل البقاء في السلطة، بالتحرك على المستوى الداخلي والخارجي.

وبالفعل اتخذ بعض الخطوات نحو الديمقراطية، وحدَّ كثيراً من سلطة الجيش، ولكنه جعل المؤسسات البيروقراطية أكثر ارتباطاً بالسلطة الحاكمة، متذرعاً بالرقابة الديمقراطية بما اعتُبر استمراراً للوضع القديم.

عمد حزب العدالة والتنمية ذو المرجعية السنية إلى استخدام الإسلام السني أداة لتدعيم سطوته السياسية وتقويتها تماماً كما فعل الجمهوريون من قبل، واستغلت الدولة رئاسة الشؤون الدينية من أجل مصالحها السياسية كما نرى اليوم.   

ركن حزب العدالة والتنمية إلى العقلية الأمنية وسار وفق السياسات السابقة في تعامله مع القضية الكردية، وبذلك يتأكد لدينا أنه لم يكن لدى النظام القديم أي وجود لثقافة الحقوق والديمقراطية.

ونتيجة لذلك، تثبَّث النظام الحاكم اليوم، ومعظم الشعب، بالنموذج التركي - الإسلامي الذي ابتدعه وفق رؤيته الخاصة. ذلك النظام الذي لا ينتصر للديمقراطية بمعناها الحقيقي، ولا يمنح الحريات. 

ومن الطبيعي في وضع كهذا ألّا تلوح في الأفق بادرة أمل كي يجد أحد فرصةً للعيش في سلام وطمأنينة ما لم يغير المسلمون والكماليون والقوميون عقليتهم، التي لا تتحدث سوى عن الأعداء والخونة، وما لم يحتكموا، بديلاً عن ذلك، إلى صوت العقل والضمير في تقدير الأمور والأحداث. 

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضاً:

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.