حزب العدالة يسرق مشاريع المعارضة ويُهدّد رموزها بمقصلة القضاء

 

يتبين جليًّا كلما اقترب موعد الانتخابات البلدية في تركيا أن الحزب الحاكم يتوسع في استخدام مقصلة القضاء وقوات تنفيذ القانون لإشاعة الخوف وممارسة القمع على المعارضة والرأي العام والناخبين.
فعقب الدعوى التي رفعها وزير الداخلية سليمان صويلو ضد زعيم حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة، كمال كليجدار أوغلو، انطلقت دعوى أخرى ضد زعيمة الحزب الصالح ميرال أكشينار بتهمة "إهانة رئيس الجمهورية والافتراء عليه"، ثم تلتها قبل أيام معدودات دعاوى جديدة ضدّ مرشحين معارضين آخرين. إذ أطلقت النيابة العامة في مدينة توجلي، شرق تركيا، تحقيقات بحق رئيس حزب الشعوب الديمقراطي الكردي سزاي تمللي بتهمة "الدعاية لتنظيم إرهابي وامتداحه"، وطالبت برفع الحصانة البرلمانية عنه.
وبعد فتح تحقيق مع منصور يافاش، مرشح تحالف الشعب المكوّن من حزب الشعب الجمهوري والحزب الصالح قبل نحو أسبوعين، بدعوى "التلاعب في أوراق رسمية"، أعلن مكتب المدعي العام في أنقرة تحقيقًا جديدًا معه بتهمة "إخفاء جريمة وحيازة صورة فاحشة".
من جانب آخر، بادر مرشح تحالف الأمة المكون من حزبي العدالة والتنمية والحركة القومية في أنقرة محمد أوزحسكي إلى رفع شكوى ضد نائب الرئيس العام لحزب الشعب الجمهوري ولي آغبابا، والنائب عن صفوفه غورسيل تكين بدعوى صلتهما بمنظمة فتح الله غولن والمشاركة في فعالياتها.
كما أقدمت الشرطة على توقيف مواطن اعترض على وصف وزير الداخلية زعيم حزب السعادة تمل كرم الله أوغلو بـ"بيع الوطن والتعاون مع حزب العمال الكردستاني الإرهابي".
يرى مراقبون أن تسليط السلطات القضائية والقوات الأمنية على الزعماء والمرشحين والنواب المعارضين على نطاق واسع، في وقت تفصلنا عن موعد الانتخابات أيام معدودات، يدل على أن الحزب الحاكم لا يزال يُستنزف، على الرغم من هيمنته البارزة على وسائل الإعلام واللقاءات الجماهيرية.
ومن اللافت أن أردوغان بعدما صوّب سهامه نحو مرشح تحالف الشعب المعارض في إسطنبول أكرم إمام أوغلو، أخذ يستهدف هذه المرّة وبصورة مباشرة مرشح المعارضة منصور يافاش في أنقرة أيضًا. فقبل ليلة واحدة من بدء التحقيق الثاني في حقه قال أردوغان عبر بث مباشر على الشاشات إن يافاش سيدفع الثمن أمام القضاء! حيث قال خلال برنامج تلفزيوني: "لا يمكن التغاضي عن القرار الذي أصدره القضاء بحق السيد يافاش. وإن تمكن من خوض غمار الانتخابات البلدية رغم كل شيء فإنه وسكان أنقرة سيدفعون الثمن بعد الانتخابات."
هناك قضيتان حيويتان قد دخلتا ضمن أجندة الحزب الحاكم أيضًا بعد أن أدرجهما الحزب الجمهوري في بيانه الانتخابي العام ومرشحوه لرئاسة البلديات في مشاريعهم الاقتصادية التي سينفذونها في حال فوزهم بالانتخابات. بمعنى أن الحزب الجمهوري دفع تحالف الأمة إلى وضع هاتين القضيتين ضمن وعوده الانتخابية. ألا وهما: إعطاء الأولوية للتنمية الريفية ودعم البلديات للإنتاج الزراعي والحيواني في محيط المحافظات الكبرى والمدن.
وخلفية ذلك أن المشاريع التي أطلقها مرشح الحزب الجمهوري لرئاسة بلدية إزمير الكبرى في بلدة "سفري حصار" قد حظيت بإعجاب كبير من قبل الناخبين. حيث إن المشاريع التي طرحها حول تطوير ودعم التعاونيات الريفية والشتلات / البذور المحلية، وقيام البلدية بإعادة تنشيط إنتاج الخضروات والفواكه من خلال توفير البذور المحلية لأهل القرى، ونموذج شراء البلدية للمنتجات وتسويقها للزبائن، أسفرت عن نتائج ناجحة للغاية.
وعلى الشاكلة نفسها، كان مرشح المعارضة لرئاسة بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو الذي يرأس حاليًّا بلدية "بيليك دوزو" قد نفّذ مشروعًا ناجحًا أيضًا تمثَّل في تخصيص أراضٍ تابعة للبلدية في القرى والمناطق الريفية لمن يسكنون فيها حتى يقوموا بإحياءها عن طريق زراعة الخضروات والفواكه وتربية الحيوانات والمواشي وإنتاج الحليب واللحوم.
وأكد إمام أوغلو أنه في حال فوزه ببلدية إسطنبول سوف يطّبق هذا النموذج في عموم المناطق الريفية، وسيعمل على تطوير إسطنبول إلى مرحلة بحيث تعتمد على ذاتها من حيث المنتجات الزراعية والحيوانية، وسيسعى إلى تنظيم المنتجين في شكل تعاونيات من أجل بيع منتجاتهم في الأسواق المجاورة لإسطنبول، وتسويقها لسلاسل المتاجر الكبرى والمدن الأخرى.
وكذلك سبق أن نفّذ منصور يافاش مشاريع لافتة عندما كان رئيسًا لبلدية "بي بازاري" في العاصمة أنقرة أسهمت في تطوير السياحة وإحياء المناطق الريفية في البلدة. وهو تعهد بإطلاق مشاريع جديدة توفِّر وتنوِّع المواد الغذائية بأسعار رخيصة في المدينة، عن طريق تطوير المناطق المشتهرة بطماطمها وعنبها وفواكهها وخضرواتها.
ولما وعد أكرم إمام أوغلو بافتتاح حضانة ومكتبة ومركز ثقافي في كل حي، وتوفير 150 ألف وظيفة للنساء والشباب، انتقد ذلك مرشح العدالة والتنمية بن علي يلدريم قائلاً: "مهمة البلدية ليست توفير وظيفة والبِقالة وإنتاج خضروات وفواكه.. فكيف يمكن للبلدية أن توفّر 150 ألف وظيفة؟"
ثم رفع إمام أوغلو العدد وتعهد بتوفير 250 ألف وظيفة، رغم هذه الانتقادات، خاصة بعدما بدأت مشاريعه تتجسد في أرض الواقع. وحينها أخذ يلدريم يطلق عنان وعوده قائلاً: "في حال انتخابي رئيسًا للبلدية فإنني سأحوّل بلدتي "جاتالجا" و"سليفري" إلى مركزين لإنتاج الخضروات والفواكه واللحوم والألبان، والحثّ على بناء الصوبات الدفيئة، حتى تتمكن إسطنبول من الاكتفاء الذاتي في هذا الصدد." فضلاً عن أنه تعهد بتوفير 500 وظيفة في حال الفوز برئاسة البلدية!
في حين أن أردوغان تحدث في لقاءاته الجماهيرية عن اعتزامه على توحيد بحيرتي "موجان" و"أَيْمير" مع مشروع "قناة أنقرة"، لينقذ بذلك سكان أنقرة من التدفّق إلى المدن الساحلية أيام الإجازة.
وبعد أن أعلن أكرم إمام أوغلو أنه سيحوّل مقر بلدية إسطنبول الواقع في "ساراج خانه" إلى مكتبة عامة للمدينة، صرّح أردوغان أنه سيحوّل ثكنة "رامي" التاريخية إلى مكتبة كذلك، وهبّ بعد ذلك مرشحو العدالة والتنمية أيضًا ليعِدوا للناخبين بافتتاح مكتبات وحضانات ومراكز للشباب والنساء ومشاريع تطوير المناطق الريفية في كل مكان.
وهذا يكشف أن أردوغان عندما لاحظ أن خطاباته الانتخابية القائمة على مقولة "بقاء تركيا أو زوالها"، ومشاريعه "الجنونية"، ووعوده الخاصة بإنشاء مناطق ومدن صديقة للبيئة والبشر، لم تحظَ بقبول الناخبين، لمخالفتها لِمَا أنجزه على أرض الواقع طيلة 17 عاماً من حكمه، توجه إلى التشبّث بمشاريع المعارضة. وذلك على الرغم من أنه وصف المنتجين وأصحاب المحلات بـ"الإرهابيين"، واعتبرهم مسؤولين عن ارتفاع أسعار الخضروات والفواكه.
بغضّ النظر عمّن سيفوز، فإنه يمكن أن نقول إن أكبر مكاسب تركيا من هذه الانتخابات هو أن جميع الأحزاب أدركت، بشكل أو بآخر، الأهميةَ الحيوية التي تكتسبها الزراعة في المناطق الريفية، وتوفير البلديات وظائف جديدة من خلال مشاريع المنتجات الزراعية والحيوانية المحلية.
 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/yerel-secimler/chp-sayesinde-tarim-ve-istihdam-tum-adaylarin-vaadi-oldu
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.