حضارة عفرين في خطر، عمليات نهب للآثار بإشراف تركي

حلب (سوريا) – بعد تهجير مئات الآلاف من أهالي منطقة عفرين شمال سوريا وتعزيز خطوات التغيير الديموغرافي، تطوّرت الانتهاكات التركية لتصل إلى محو تاريخ المنطقة كاملا، وذلك عبر عمليات نهب عن سابق إصرار وترصد، كما جرى في مناطق سورية مختلفة، فيما يكسب المنفذون المال من عائدات بيع الآثار وما يُعثر عليه من مواد أثرية.
المرصد السوري لحقوق الإنسان وثق بالصوت والصورة عمليات سرقة ونهب يقوم بها فصيل عسكري عامل في منطقة عفرين، وهو الفيلق الأول التابع للجيش الوطني، والذي يقوده العقيد المنشق عن قوات النظام معتز رسلان، والعامل تحت إمرة السلطات التركية، حيث عمد لسرقة آثار في منطقة قلعة النبي هوري، الواقعة في الريف الشمالي لعفرين على مقربة من الحدود السورية– التركية.
وأكدت المصادر الموثوقة للمرصد السوري أن قائد الفيلق هو من يشرف على عملية الحفر ونهب الآثار، ضمن حلقة جديدة في سلسلة نهب الآثار في المناطق السورية، حيث تجري عمليات بيعه في السوق المحلية والإقليمية ومن ثم نقله إلى مناطق أخرى، على غرار ما جرى في محافظة إدلب ومحيطها، خلال السنوات الماضية من قبل الفصائل المسيطرة على المنطقة.
وهذه السرقات والنهب لآثار منطقة النبي هوري في عفرين، تأتي بعد انتهاكات كبيرة شهدتها منطقة عفرين بحق المدنيين ومزارع الزيتون وممتلكات المواطنين والبنى التحتية، إذ كان المرصد السوري رصد قصف الطائرات الحربية منذ بدء عملية "غصن الزيتون" في الـ 20 من يناير من العام الجاري 2018، على 3 مواقع أثرية، هي منطقة دير مشمش الأثرية في جنوب شرق عفرين، ومنطقة النبي هوري في شمال شرق عفرين، كما أغارت على منطقة عين دارة الأثرية في جنوب عفرين.
وتسببت الضربات في أضرار مادية بمنطقتي النبي هوري ودير مشمش، فيما خلفت دماراً كبيراً في موقع عين دارة الأثري، وأثارت عملية استهداف المواقع الأثرية من قبل الطائرات التركية، سخط الأهالي الذين اتهموا القوات التركية بمحاولة محو آثار وتاريخ المنطقة، وأنها تتعمد استهداف هذه الآثار التي تدل على الحضارات التي شهدتها منطقة عفرين.
كما قام المرصد السوري لحقوق الإنسان بسلسلة من الجولات على مدار أشهر متواصلة، وتمكن من جمع معلومات هامة مع صور وأشرطة مصورة، تؤكد عمليات النهب هذه، فمحافظة إدلب تُعدّ واحدة من أغنى المحافظات بالآثار، والتي تعود لحقب زمنية تتبع لحضارات متلاحقة عايشتها المنطقة، بعضها يصل للألف الخامس قبل الميلاد، بدءاً من العصر الحجري الحديث “النيوليت”، مروراً بمملكة إيبلا والحقب الحثية والآرامية والآشورية واليونانية والرومانية والبيزنطية، وصولاً للعصر الإسلامي بمختلف مراحله حتى العهد العثماني، حيث تحتضن محافظة إدلب، أكثر من 400 موقع أثري من ضمنها 200 على الأقل، من التلال الأثرية.
وتنتشر الآثار في محافظة إدلب ومحيطها، ضمن مناطق بابسقا وباب الهوى جسر الشغور ومعرة النعمان وريفها وباب النيرب وقميناس وسهل الغاب، بالإضافة لمناطق أخرى متناثرة داخل المحافظة، كما أن هذه المواقع تراوحت ما بين محفوظ بشكل كامل وبين قرى لم تبق منها سوى أطلال، بالإضافة لقلاع أو أوابد متناثرة.
ومع بدء تبعثر الأمن الاجتماعي وتناثر المسؤولية بين طرفين تمثلا بالمعارضة والنظام، وغياب مسؤولية الطرف الأسبق وهو النظام، بدأت المواقع الأثرية هذه تتعرض للسرقة والنهب والتنقيب، دون رقابة أو سلطة لأحد، على من يمارسون هذه الأعمال، إذ كانت البداية مع أساليب بدائية في الحفر والتنقيب، حيث جرى نهب قطع أثرية ونقلها إلى تركيا، وبيعها لتجار مختصين بمثل هذا النوع من العمليات الربحية.
ومع الوقت وتوسع قاعدة الباحثين عن هذه الآثار، بدأت تتطور وتتصاعد وتيرة التنقيب، فأساليب البحث عن الآثار، تحولت من قضبان نحاسية وقراءة العلامات الموجودة على الصخور المجاورة للمواقع الأثرية، إلى أجهزة تنقيب حديثة، وأجهزة بحث عن معادن مدفونة، وفرض هذا الفلتان وعدم القدرة على ضبط عمليات التنقيب عن الآثار، استشراء هذه الأعمال بين سكان محافظة إدلب، وبات العاطلون عن العمل، يشغلون أنفسهم بالبحث عن لقى أثرية أو كنوز أو قطع أثرية مهمة، فيما لم يعتري أي أحد من المنقبين الخوف، من البحث عن هذه الآثار، لغياب الرقابة.