هوارد ايسينستات

حملة الحكومة التركية على حزب الشعب الجمهوري

في عام 2017، أظهر حزب الشعب الجمهوري، وهو حزب المعارضة الرئيسي في تركيا، علامات حقيقية على أنه لا يزال على قيد الحياة وذلك للمرة الأولى خلال أكثر من عشرة أعوام.
زعيم الحزب كمال كليجدار أوغلو جازف بالفعل وتمكن من تحويل دفة الحوارات الوطنية ولو لبعض الوقت على أقل تقدير. فعل ذلك أولا من خلال مسيرة العدالة الضخمة خلال شهري يونيو ويوليو العام الماضي ثم مرة أخرى عبر وثائق تكشف على ما يبدو أن أسرة الرئيس رجب طيب أردوغان نقلت ملايين الدولارات إلى شركات وهمية في جزيرة مان ومالطا.
لكن لم يتمكن كليجدار أوغلو في أي من الحالتين من تحويل الاهتمام المبدئي إلى مناقشة أوسع؛ والخطر هنا أنه تمكن من وخز الدب دون أن يجرحه. وإذا تمكن أردوغان من إطلاق حملة على حزب الشعب، فستكون ضربة قاضية لما تبقي من الديمقراطية التركية وستقوض شرعية أردوغان نفسه وستزيد مخاطر الاضطراب في بلد يحتاج بشدة لتفادي أي قلاقل.
وتتزايد المؤشرات الدالة على أن حملة كهذه أمر محتمل حقا.
كثير من الناس أشاروا إلى أن حزب الشعب الجمهوري يواجه بشكل واضح مخاطر أن يتم شنقه على نفس المشنقة التي ساعد هو في بنائها عندما صوت الكثير من أعضائه بالموافقة على رفع الحصانة البرلمانية في مايو 2016.
فعل الحزب ذلك لأسباب منها أن كثيرا من قاعدته الانتخابية كانوا سعداء لرؤية أعضاء حزب الشعوب الديمقراطي المؤيد للأكراد يواجهون العقاب كإرهابيين وأيضا لخشية كليجدار أوغلو من رؤية المعارضة تحتضر وهي مصابة بعشرات الآلاف من الجروح.
تكاليف هذا الخيار جلية الآن، فمعظم قيادة حزب الشعوب الديمقراطي في السجن، ويقضي أنيس بربر أوغلو عضو حزب الشعب الجمهوري عقوبة السجن مدى الحياة ويبدو أن الادعاء يجهز لرفع الحصانة عن كليجدار أوغلو وشخصيات قيادية أخرى في حزب الشعب.
ومع ذلك، فإن سجن كليجدار أوغلو سيكون خطوة سيئة من جانب أردوغان.
سياسيا، سجن كليجدار أوغلو مختلف تماما عن سجن قيادة حزب الشعوب الديمقراطي. الحقيقة الصعبة والقبيحة هي أن 80 في المئة من الناخبين الأتراك راضون تماما بسجن أعضاء حزب الشعوب ويرونهم "إرهابيون".
لكن عددا قليلا فقط خارج القاعدة الأساسية لحزب العدالة والتنمية يعتقدون أن كليجدار أوغلو مذنب حقا في جرائم خطيرة. علاوة على ذلك، يؤدي حزب الشعب الجمهوري وظيفة مفيدة لحزب العدالة والتنمية إذ أنه يمنح الحزب طبقة رقيقة من الديمقراطية ويحافظ على وجود ديمقراطية بها منافسة.
ومن هذا المنطلق، فإن قيادة حزب الشعب تشكل خطورة على حزب العدالة وهي في السجن بدرجة أكبر كثيرا من خطورتها وهي في البرلمان.
والأنباء التي ذكرت اليوم أن السلطات أقالت رئيس بلدية بشيكطاش من منصبه تشير إلى خطر آخر وربما أكبر. فالحكم المحلي بالنسبة لكثير من المنتمين للقاعدة الانتخابية لحزب الشعب يضمن بقاء أحيائهم "مناطق ليبرالية"؛ حيث أثر هيمنة حزب العدالة والتنمية محدود في الحياة اليومية.
وإذا أطلق حزب العدالة والتنمية حملة أوسع ضد المجالس البلدية الخاضعة لحزب الشعب، كما تتوقع بعض التقارير، ناهيك عن الانتخابات البلدية، فإن تأثير حزب العدالة في الحياة اليومية سيزداد بشدة وستتفاقم مشكلة هجرة الكفاءات وروؤس الأموال من تركيا.
سيقضي ذلك أيضا على الأمل الأخير في وجود حقيقي لأحزاب المعارضة. وعندئذ ستكون السيطرة الفعلية لحزب العدالة على المشهد السياسي التركي كاملة.
لا يستطيع حزب الشعب منافسة حزب العدالة والتنمية على مستوى الانتخابات العامة لكنه يمنح حزب العدالة مظهرا بأنه أكثر ديمقراطية عما هو في الواقع.
هذا مهم للقاعدة الانتخابية لحزب العدالة التي تؤيد الديمقراطية كمبدأ عام، ومهم أيضا للمعارضة التي لا تزال تأمل – لكنها واهمة على الأرجح- أن من الممكن إزاحة أردوغان من السلطة بالوسائل الديمقراطية.
والتخلص من هذا الوهم لن يضعف على الأرجح سيطرة أردوغان المباشرة على السلطة لكنها ستجعل تركيا أقل استقرارا وستزيد من هجرة رؤوس الأموال والمهارات وستعطي على الأرجح دعما جديدا للجماعات المسلحة أو المعارضة داخل الجيش.
إن شن حملة على حزب الشعب الجمهوري سيكون مأساة على كل الأصعدة.
ولهذه الأسباب بالتحديد، لا أتوقع حملة موسعة على الحزب الشعب، لكن للأسف لا يمكن استبعاد هذ الاحتمال. 
لقد أصبح اتخاذ القرار مصابا بالانحراف وجنون العظمة على نحو متزايد. ومن المحتمل حقا أن نرى خطوة خاطئة مأساوية.
يمكن قراءة هذا المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/chp/turkish-governments-chp-crackdown