أبريل 01 2018

حملة دعائية حكومية لأظهار متانة الاقتصاد التركي رغم الحرب والركود والتضخم

في وقت تخوض فيه تركيا صراعات على جبهات عدة لا يخفى ان لتلك الصراعات تكلفتها الباهضة اقتصاديا لاسيما مع خروج الجيش التركي الى ما وراء الحدود في صراعه الطويل ضد حزب العمال الكردستاني ثم ضد قوات حماية الشعب الكردي وقوات سوريا الديموقراطية وفصائل وجماعات أخرى. 
لكن الحكومة التركية تدرك جيدا احتمالات الذعر الذي أصاب كثيرا من المستثمرين وأصحاب رؤوس الأموال ما دفعهم للابتعاد باستثماراتهم عن بلد لا يُعرف بالضبط متى تنتهي صراعاته وتقلّباته السياسية. 
وفي ضوء ذلك لم يكن مستغربا التسليم بأن الاقتصاد التركي لا يمر في الوقت الحاضر بمرحلة واعدة بل بالعكس، هنالك العديد من المؤشرات السلبية التي صارت صفة ملازمة له.  
مؤخرا خفضت وكالة موديز للتصنيف الائتماني درجة تركيا وقدرتها على تسديد ديونها وذلك على خلفية القلق ازاء سياستها النقدية والتأخر في الاصلاحات ومدى صلابة المؤسسات.

هبوط في قيمة الليرة التركية متزامنا مع ارتفاع معدلات التضخم
هبوط في قيمة الليرة التركية متزامنا مع ارتفاع معدلات التضخم

وأعلنت موديز في بيان لها انها تخفض التصنيف الائتماني لتركيا من "بي ايه 1” الى “بي ايه 2” مع آفاق مستقرة.  
وتقول موديز ان تصنيف BA يشير الى عدم استقرار وتترتب عليه مخاطر تسليف كبيرة. ويعتبر المستثمرون السندات الصادرة تحت هذا التصنيف بلا قيمة.  
وقالت موديز ان المؤسسات الحكومية تضعف نتيجة الصراعات المستمرة وعدم الاستقرار والهجمات الارهابية والمحاولة الانقلابية الفاشلة وحملة القمع غير المسبوقة التي اعقبتها منذ العام 2016.  
واعتبرت الوكالة ان "ضعف قوة المؤسسات ينعكس على عدة اصعدة اقتصادية ومالية وسياسية رغم معدلات نمو قوية ومالية عامة سليمة".  
وتابعت ان حملة القمع في أعقاب الانقلاب الفاشل أدت الى تقويض سلطة القضاء، واتهمت الحكومة بالتركيز خصوصا على اجراءات قصيرة الأمد على حساب سياسة نقدية فعالة واصلاح اقتصادي في العمق".  
وركزت الوكالة على ان التضخم لا يزال كبيرا وان الخلل في توازن الاقتصاد في تزايد رغم النمو القوي.  
  كما أشارت الى ان مخاطر حصول بلبلة مالية كبيرة نتيجة انعكاس مسار رؤوس الاموال الاجنبية او ازمة في توازن المدفوعات لا يزال “متدنيا”، الا انه ازداد بالمقارنة مع العام الماضي.  
ولفتت ايضا الى دور تركيا في سوريا حيث اطلقت منذ يناير عملية عسكرية على نطاق واسع ضد المقاتلين الاكراد.  
وقالت موديز ان تركيا تواجه مخاطر متزايدة بالتعرض لصدمة من الخارج نظرا للعجز الكبير في الحسابات الجارية والدين الخارجي الذي ازداد حجمه.

تصريحات الرئيس التركي بخصوص سعر الفائدة تقلق الاسواق العالمية بعده تدخلا في السياسة المالية للبنك المركزي
تصريحات الرئيس التركي بخصوص سعر الفائدة تقلق الاسواق العالمية بعده تدخلا في السياسة المالية للبنك المركزي

في موازاة ذلك ولغرض طمأنة الأسواق، بدأت الحكومة التركية حملة دعائية شارك فيها مسؤولون على اعلى المستويات وبما فيهم الرئيس التركي نفسه. 
وفي هذا الصدد قال الرئيس التركي رجب طيب إردوغان إن بلاده ستحقق نموا اقتصاديا مرتفعا في 2018 وإنها ستبقي بابها مفتوحا على مصراعيه أمام المستثمرين الدوليين.  
وأبلغ إردوغان أعضاء حزبه الحاكم العدالة والتنمية "عندي نبأ سيء لأولئك الساعين لاستخدام أسعار الصرف فزاعة لترويع شعبنا" مضيفا "أن تركيا ستحبط مجددا ما يحاك حولها بالنمو القوي الذي ستحققه في 2018".  
 وتقول أوساط الحكومة في هذا الصدد، ان تركيا سجلت نجاحا في النمو على مدار 10 أعوام متتالية، رغم التوترات الجيوسياسية في المنطقة وأزمة الديون الحكومية في أوروبا (اندلعت عام 2009)، وتعرضها لمحاولة انقلاب فاشلة قبل نحو عامين.  
وفي وقت سابق، أعلنت مؤسسة الإحصاء التركية أن الاقتصاد التركي حقق نموا بنسبة 7.4 بالمئة خلال 2017.   
ووفقًا لمؤسسة الإحصاء التركية، فإن اقتصاد تركيا حقق نموا بنسبة 0.8 بالمئة خلال 2008، التي بدأت فيه الأزمة الاقتصادية العالمية.  
كما حقق نموا بنسبة 4.7 بالمئة في 2009، و8.5 بالمئة في 2010، و11.1 بالمئة في 2011.  
وفي 2012، تمكن الاقتصاد التركي من تحقيق نمو بنسبة 4.8 بالمئة، و8.5 بالمئة في 2013، و5.2 بالمئة في 2014، و6.1 بالمئة في 2015.  
ونجح الاقتصاد التركي في تسجيل نمو في 2016، بنسبة 3.2 بالمئة، رغم محاولة انقلاب فاشلة نفذتها منظمة فتح الله غولن الإرهابية، منتصف ذلك العام.

مخطط يظهر الانخفاض المتواصل لقيمة الليرة التركية امام العملات العالمية
مخطط يظهر الانخفاض المتواصل لقيمة الليرة التركية امام العملات العالمية

وفي غضون ذلك، أكّد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أنّ تخفيض نسب الفائدة، هو السبيل الوحيد للقضاء على التضخم وارتفاع اسعار السلع.  
وجاءت تصريحات أردوغان هذه في كلمة ألقاها أمام حشد من أنصاره في منطقة بنديك بمدينة إسطنبول، قبيل مشاركته في المؤتمر العام الاعتيادي لحزب العدالة والتنمية.  
وأوضح أردوغان أنّ نمو الاقتصاد التركي بنسبة 7.4 بالمئة خلال عام 2017، أثبت للجميع قدرة تركيا على مواجهة التحديات على المستوى الاقتصادي والسياسي والعسكري.  
وانتقد أردوغان بعض أعضاء حزب العدالة والتنمية الذين حذّروا من أزمة اقتصادية في البلاد، قائلاً في هذا السياق: " ترون النمو الذي حققه الاقتصاد التركي في العام الماضي، صحيح أنه يجب علينا اخذ كافة التدابير لمواجهة التحديات، ولكن هذا لا يعني أن نروج بأن اقتصادنا يعاني من أزمة".  
واردف قائلاً: "الفائدة سبب كل بلاء في عالم الاقتصاد، فالفائدة تزيد من فقر الفقير، وتغني الغني اكثر، ومؤسسات التمويل هم الذين يقفون وراء ارتفاع نسب الفائدة، واقولها بصراحة فإنّ بنوك الدولة أيضاً شريكة في ارتفاع نسب الفائدة".  
وسعيا لابعاد البنك المركزي التركي عن التدخلات السياسية كما هو معلوم في سياق الاقتصادات المتوازنة والناجحة، أبقى البنك أسعار الفائدة دون تغيير ، وقال إنه سيحافظ على سياسة التشديد النقدي لحين انحسار الضغوط السعرية، بما يشير إلى نيته مواصلة كبح التضخم الذي يبلغ معدلا في خانة العشرات في ظل مناخ سياسي صعب.  
وتراجع التضخم السنوي من ذروته في 14 عاما البالغة 12.98 بالمئة المسجلة في نوفمبر إلى 10.26 بالمئة في فبراير شباط، لكنه ما زال أحد الاختلالات الرئيسية في الاقتصاد ويتجاوز كثيرا المستوى الذي يستهدفه البنك المركزي عند خمسة بالمئة. ورغم ذلك، دعا الرئيس التركي رجب طيب إردوغان مرارا إلى خفض تكلفة الائتمان لتعزيز الاقتصاد، مما أثار مخاوف المستثمرين من وقوع البنك المركزي تحت تأثير النفوذ السياسي.  
كانت آخر مرة رفع فيها البنك أسعار الفائدة في ديسمبر، في أول تشديد للسياسة النقدية في ثمانية أشهر.  
وللاجتماع الثاني على التوالي، أبقى البنك على أسعار الفائدة الأربعة التي يضعها دون تغير، مثلما توقع جميع خبراء الاقتصاد الخمسة عشر الذين استطلعت رويترز آراءهم.

حملة دعائية حكومية تركز على التصدير للخارج ومؤشرات من هنا وهناك للتغطية على الواقع الحقيقي للوضع الاقتصادي التركي
حملة دعائية حكومية تركز على التصدير للخارج ومؤشرات من هنا وهناك للتغطية على الواقع الحقيقي للوضع الاقتصادي التركي

وأبقى البنك على نافذة السيولة المتأخرة، وهي أعلى الأدوات التي يستخدمها لتحديد السياسة، عند 12.75 بالمئة. وأبقى سعر فائدة الإقراض لأجل ليلة واحدة عند 9.25 بالمئة وسعر الاقتراض لليلة واحدة عند 7.25 بالمئة.  
ونزلت الليرة التركية إلى 3.8115 مقابل الدولار بحلول الساعة 1210 بتوقيت جرينتش بعد أن سجلت 3.8035 عند الإغلاق.  
وسبق ان قلصت موديز التصنيف الائتماني التركي إلى عالي المخاطر في 2016، نظرتها المستقبلية إلى سلبية من مستقرة في مارس من العام الماضي. وغيرت الوكالة نظرتها إلى مستقرة في أحدث خفض للتصنيف.  
 وقال وزير السياحة التركي نعمان قورتولموش "إن قرار خفض التصنيف غير منصف. لقد إجتزنا للتو أخطر فترة في التاريخ التركي الحديث. تعافينا بسرعة شديدة ولدينا استثمارات كبرى ما زالت مستمرة ومشاريع كبيرة" على حد قوله.  
وأضاف قائلا " للأسف ان بعض المشاعر والتهديدات السياسية لا يعكس واقع الاقتصاد التركي".  
ووصف مصرفي خفض التصنيف بأنه "تطور مفاجئ" قد يضع بعض الضغوط على الأسواق التركية.  
وقال المصرفي الذي امتنع عن الكشف عن هويته "أظن أن هذا القرار يعكس مسار العلاقات بين تركيا والولايات المتحدة، لأننا لسنا في مكان مختلف بالمعنى الاقتصادي عما كنا قبل عام".  
رغم تلك المؤشرات السلبية فأن تركيا الآن ضمن الشريحة العليا من البلدان متوسِّطة الدخل، مع ناتج محلي إجمالي قدره 799.54 مليار دولار، مما يضعها في المركز 17 كقوة اقتصادية عالمية.  
   كما تُعد تركيا ثامن أكبر منتج للمواد الغذائية في العالم والوجهه السياحية السادسة الأكثر شعبية. كما أن 43 شركة من أكبر 250 شركة إنشاءات عالمية تركيَّة.
قبل عشر سنوات تدهورت صناعة الغزل والنسيج بشدة، أما الآن فقد أصبحت صناعة متطورة وتصدر سلعًا ذات جودة أعلى إلى أوروبا. 
كل ذلك ليس كافيا بكل تأكيد للأطمئنان لمتانة الاقتصاد التركي وقدرته على تخطي الاختناقات المتلاحقة والتي تمثلت في تضخم المديونية وفي تدني سعر صرف الليرة والعجز في الحساب الجاري للحكومة وهي تحديات بنيوية تحاول حكومة الرئيس اردوغان وهو شخصيا التغطية عليها من خلال حملات دعائية وتصريحات إعلامية لكن لغة الأرقام لا تخطئ ابدا ولا تغطي عليها الخطابات السياسية الرنانة والوعود البراقة التي تتردد لأغراض انتخابية مقبلة.