جنكيز أكتار
نوفمبر 25 2017

حمى التشييد في تركيا و"مشروع القناة المجنونة"

 

اتجهت إدارة الرئيس التركي رجب طيب اردوغان، التي تعاني من عزلة دولية ومتاعب اقتصادية، إلى حملة جامحة لتأكيد نفوذها واستعادة زمام المبادرة والاستعداد للانتخابات الرئاسية في عام 2019.
الوصفة بسيطة للغاية ومكررة بالنسبة لنفس الإدارة، وهي إطلاق حملة تشييد محمومة وشاملة تهدف إلى إقامة شبكات طرق وأنفاق وجسور ومشروعات للإسكان الاجتماعي، وسجون ونقاط عسكرية في المنطقة الكردية، ومساجد ومراكز تجارية ومطارات وموانئ بحرية ومنتجعات ضخمة، ومفاعلات نووية ومحطات تعمل بالفحم ومحطات للطاقة الكهرومائية، وأخيرا "بوسفور" ثان بين البحر الأسود وبحر مرمرة يسمى "المشروع المجنون".
نلاحظ هنا أنّ كل هذه المشروعات، التي لها أضرار طبيعية وحضرية وثقافية وبشرية، مُعفاة بموجب مرسوم حكومي من الخضوع لأي تقييم لآثارها البيئية و/أو الاستراتيجية.
اكتشفت الصحافة الدولية مؤخرا أحد هذه المشروعات ويسمى "المشروع المجنون"، والذي كان إردوغان ذكره أول مرة في عام 2011 قبل الانتخابات البرلمانية.
انتقد بعض العلماء والنشطاء المشروع، لكن الحكومة بدت عازمة على المضي قدما في تنفيذه دون أي عملية استشارية عن تأثيراته المحتملة.
دعنا نتذكر بعض هذه الآثار المحتملة في نقاط كما تحدث عنها اثنان من العلماء وهما البروفيسور جمال سايدام الأستاذ بجامعة "حجة تبه"، والبروفيسور "إيسيم جوننج" من جامعة أسطنبول الفنية:

 

* سيطرأ تغير  في التوازن المائي. مياه البحر الأسود الباردة العذبة، والمياه الدافئة المالحة المتدفقة إلى البحر الأسود من البحر المتوسط عبر بحر مرمرة.
* رغم ارتفاع منسوب البحر الأسود نحو 30 سنتيمترا عن بحر مرمرة إلا أنه توجد تيارات مائية في الاتجاهين بين البحرين عبر القناة الطبيعية البوسفور. 
أما القناة الجديدة التي ستكون في اتجاه واحد، فإنها ستجبر البحر الأسود على تزويد بحر مرمرة بالمياه العذبة بشكل دائم، دون أن يحصل على مياه من تيارات مائية مضادة توجد في البوسفور، وهي التي تغذي البحر الأسود بالمياه الدافئة المالحة.
* هذا سيكون بداية كارثة بيئية لا يمكن علاجها، إذ سيجري إفراغ البحر الأسود بوتيرة أسرع بواقع ضعف المُعدّل الطبيعي بوجود قناتين لخروج المياه، وبقاء معدل المياه الداخلة فيه وإمكانات الأنهار التي تغذيه كما هي.
هذا يخص المصادر الرئيسة لمياه البحر وهي أنهار الدانوب والدنيبر والدينستر، وأيضا الدول التي تمر منها هذه الأنهار.
* رغم بطء جفاف البحر الأسود، إلا أن دفء وملوحة بحر مرمرة والبحر المتوسط سوف تتغير. سيتحول بحر مرمرة إلى كتلة مياه متعفنة يستحيل إعادتها إلى حالها الأول، مع ما سيصحب ذلك من آثار مدمرة للحياة البحرية والحضرية.
* الجزء من منطقة "تريس" الذي يقع بين القناة الجديدة والبوسفور سيصبح جزيرة، وسوف تحل مياه البحر محل مياهه الجوفية.
* بمجرد شق القناة سيصبح من المستحيل إعادة الأمور إلى وضعها السابق.
* أخيرا سيقام المشروع في محيط إسطنبول تلك المدينة الضخمة المحصورة في مساحة صغيرة من الأرض بين البحر الأسود وبحر مرمرة، ويسكنها حاليا نحو 15 مليون نسمة لم يعد لديهم مكان للتنفس. إن حلم إردوغان بالعظمة مرشح ليصبح كابوسا.
 
وأمام الكثير من المتناقضات، ومنها التكلفة الهائلة للمشروع قد يعتقد المرء أن المشروع غير قابل للتنفيذ، وبالنظر إلى الأزمات الاقتصادية والسياسية وأيضا جبروت إردوغان، فإنّ من المحتمل بقوة أن يمضي المسؤولون قدما في المشروع، وهنا فإن "المشروع المجنون" يملك مقومات أن يكون في النهاية "مشروع جنون".
لذلك، سوف تساعد حملة توعية بالمخاطر المدمرة للمشروع تشمل جورجيا وروسيا وأوكرانيا ودول أوروبية أخرى، في زيادة اهتمام الرأي العام وصناع القرار على كل المستويات المعنية.
ينبغي عليهم دعوة إدارة إردوغان إلى إعادة النظر بجدية في مسؤولياتها الداخلية، وأيضا التزاماتها تجاه جيرانها.
 

يُمكن قراءة هذا المقال أيضاً باللغة الإنجليزية: