اومت كرداش
فبراير 03 2018

حيث تنتشر الكراهية يصبح الجميع خارج دائرة الإنسانية.. التصدّي للحرب واجب أخلاقي مشترك

 

الشر ظاهرة إنسانية. ولهذا السبب يستحيل أن يكون الحيوان شريرًا؛ لأنه يتحرك وفقًا لدوافعه الغريزية في كفاحه من أجل الحفاظ على نوعه الخاص.
الشر يشير إلى محاولة لإزالة الحب والحرية، وهما أيضًا ظاهرتان إنسانيتان، أي إنه يشير إلى حالة دون الإنسانية بدرجات.
الشر في تعريف إريك فروم هو: فقدان الإنسان ذاته في خضم مبادرة مأساوية هربًا من مسؤوليته الإنسانية، أي إنه ترك الإنسان الفضاء الإنساني ودخوله في الفضاء اللاإنساني.
 إن تفكير الإنسان في إمكانية حدوث كل أنواع الشر واتساع قوة خياله ليُغذّي ذلك ويُذكيه يزيد ويُعظم من قدرة الشر على النمو والانتشار.
إن هاجس الموت في مقابل حب الحياة وهاجس "الأنا" المعتمد على المشاعر النرجسية في مقابل الحب الإنساني يدفع الإنسان إلى البغض والكراهية والهدم، ولكنه يدمره ويهلكه بينما يفعل هذا.
لكن حب الحياة والإنسان يضم في طياته الحرية أيضًا، ويحافظ على الإنسان ويؤدي إلى تطوره في مجاله الإنساني.
إننا حين نُقرّب روحنا الصالحة من جوهرنا الذاتي نزيد من حالة الاغتراب بين أنفسنا وروحنا الشريرة.
ومن هذه الناحية فإن الإنسان ميال للتقدم والتراجع على حد سواء. لدينا جميعنا القدرة على التقدم وفقد إنسانيتنا.
إذا اختل توازن الاتجاهات والميول قسى قلب (نفس) الإنسان وتحجر، وحينها يفقد الحرية في الاختيار؛ ومن ثم يخرج عن دائرة الإنسانية. ولكن الإنسان بالرغم من هذا لا يصبح غير إنساني تمامًا؛ إذ يبقى جوهره كامنًا بداخله.
إن الحياة تفرض على الإنسان دائمًا اتخاذ خيارات مختلفة. وإذا كانت آلام الآخرين ومشاعرهم، ومظاهر الجمال الموجودة في الفن والطبيعة تؤثر فينا؛ أي إن كنا قد عانقنا الحياة والحب بوعي فهذا يعني أننا نسير نحو الخير. أما إذا صرنا لا نبالي بالحياة والحب فلا إمكانية ولا أمل كذلك في اختيار الخير.
الإنسان هو من يحمل جميع القيم ويحققها، والقدرة على الحب مرتبطة بتلك القيم.
إن الإنسان الذي يكون جديرًا بالحب يتبوأ المكان الأهم في نيل الحب والمودة، وارتباط الحب بهذه القيم يجعله أقدس العلاقات الإنسانية.
وعلى حد قول فورم فإن الطريق الوحيد للوصول إلى المعرفة الحقيقية هو الحب؛ فهذا الفعل يتجاوز الكلمات والأفكار على حد سواء.
وفيما يرى وجدي آرال فإن الحب الذي يدعو إلى التوجه والتحول إلى الآخرين ليس إلا طرح الوخامة والأعباء من فوق "الأنا/ الذات" ونقلها إلى "الأنت/ الآخر". الحب ليس ظاهرة قائمة على الأحاسيس والمشاعر فقط؛ إنه بالإضافة إلى كل ذلك سلوك يحتاج إلى مرافقة الحبيب والاتحاد والتلاحم معه.
هذا هو ما يجعل الحب قيمة أخلاقية، ويأخذ مكانه في أعمق حنايا تلك الروح وفي الجانب المعنوي من الإنسان. ولهذا فإن الحب ليس شيئًا "كائنًا"، إنه شيء "ينبغي أن يكون".
الحب ليس حاجة طبيعية تقوم على أساس تحقق المنفعة وتتكون بمجرد الحث والتحفيز عليه، بالعكس إنه حاجة أكيدة ترمي إلى اتخاذ موقف لا إرادي بصورة حرة. إنه موقف تجاه جميع الناس حتى وإن ضايقونا. إن حب الأخوة رابطة توحد الإنسانية جمعاء. ويعرف كارل ساغان انتفاء الحب وغيابه بيننا هكذا:
"لقد نشأنا وتربينا على مفاهيم غريبة؛ لدرجة أننا إذا ما التقينا بشخص أو بمجتمع مختلف عنا بعض الشيء شعرنا بعدم الثقة فيه لاختلافه عنا قليلًا، وربما نكرهه. في حين أن ثوابت كل حضارة وثقافتها ليست سوى طريقة، ووجه آخر للإنسانية."
ماتت العديد من الحيوانات بسبب البرد في العصر الجليدي. بينما قررت القنافذ أن تجتمع في صورة قطعان وجماعات؛ وبهذه الطريقة كانت تشعر بالدفء وتحمي أنفسها من الآخرين على حد سواء.
غير أن الأشواك التي تعلو ظهورها كانت تنغرس بأصدقائها الذين يوفرون لها الدفء بفضل التصاقهم بها؛ فقررت الابتعاد عن بعضها البعض، غير أنها بدأت تتجمد وتموت.
وحينها كان ينبغي لها الاختيار؛ إما أن تنقرض من على وجه البسيطة، وإما أن تتحمل وخز أشواك أصدقائها. اتخذت القنافذ القرار الصحيح، فاجتمع شملها من جديد.
لقد تعلمت أن تعيش سويًا متحملة الجروح الصغيرة التي يمكن أن يسببها التقارب؛ ذلك لأنها لن تستطيع التخلي عن حرارة غيرها. (الخداع- باول كويلهو).
يقول الرسول بولس في رسائله إلى شعب كورنثوس: "طالما اختفى الحب فيما أقول فإن صوتي سيظل مجرد صدى بوق ولن يختلف عن رنين الأجراس حتى وإن تحدثت بلسان البشر والملائكة." ويواصل كويلهو قائلًا:
"من أجل الوصول إلى السعادة في حضرة الرب ينبغي العثور على الحب أثناء الحياة على الأرض. وبدون ذلك ليست لنا أية قيمة."
"حتى وإن احترقت أجسادكم باسم الرب فلا تنسوا أنه لا أهمية على الإطلاق للأشياء الأخرى إن لم يكن الحب بداخلكم!".
إن العالم الداخلي للإنسان ليس بوسعه أن يملأ ذاته في أي وقت على الإطلاق، إنه يشعر دائمًا بالحاجة إلى خبرات عوالم داخلية أخرى؛ فإن لم يستطع العثور على هذا عاش وحدة لا نهائية. تمامًا مثلما قال تاغور:
"لا أقول لك تعال إلى منزلي، بل إلى وحدتي اللانهائية اللامحدودة."
في قوس قزح الحب يوجد الصبر والخير والكرم والتواضع واللطف والتضحية واحترام ما هو مختلف والبراءة والصدق والإخلاص. ترتبط كل هذه الصفات بالأبدية والتفاني التي من شأنها أن تجعل الإنسان خالدًا.
غير أنه -لسوء الطالع- يوجد لدى كل إنسان منَّا جانب مظلم؛ فالأشخاص الذين إذا ما امتلكوا القوة عذبوا الآخرين وأذاقوهم الآلام ونشروا الرعب بينهم وكأن وحشًا خفيًا قد انتفض بداخلهم، يتحولون عند عودتهم إلى منازلهم مساءً إلى آباء يفيضون حبًا، وأزواج رائعين على أفضل وجه.
عندما يُترك الحبل على غاربه للجانب الشرير السيء فينا تخيم الظلال على كل جوانبنا الخيرة الطيبة. وهذا الأمر ينطبق على الجميع. السياسيون أيضًا عادة ما يبدؤون مسيرتهم بنية حسنة، لكنهم حين يصلون إلى القوة المطلقة يبدؤون في استخدام الرعب والخوف -أسواء ما في الطبيعة البشرية- كأسلحة ووسائل لتحقيق أهوائهم.
حيث ينتشر الخوف والكراهية والموت يصبح الجميع خارج دائرة الإنسانية. ولهذا السبب فإنَّ التصديَ للحرب التي تأتي بالدمار والموت وتُعمِّق مشاعر الكراهية والبغض، والدفاعَ عن السلام واجب أخلاقي مشترك.
وعلى حد تعبير كويلهو فإن الحكمة والخبرة والزمان لا تحول الإنسان إلى شيء مختلف عما هو عليه أو عن حقيقته، الحب فحسبُ هو الشيء الوحيد الذي يحوله إلى شيء مختلف عما هو عليه. إن هدفنا في العالم هو تعلم كيف نحب، فالحياة مسيرة لتعلم الحب.
فهل نستطيع أن نحب بعضنا البعض؟.
 
يُمكن قراءة هذا المقال باللغة التركية أيضاً:
https://ahvalnews.com/tr/toplum/sevgisizlik