حينما تحرم المرأة من الميراث في تركيا

يُعتبَر حق الميراث أحد أكثر الأمور التي يظهر فيها بشكل جلي مدى تجاهل المرأة مجتمعيًا. فالنساء في تركيا حرمن منذ سنوات طوال من حقهن في الميراث. وبات حصول الرجال فقط دون غيرهم على هذا الحق، بمثابة مفهوم مجتمعي تعارف عليه الجميع وأصبح من الثوابت التي لا يمكن إنكارها بأي حال من الأحوال. لكن رغم هذا فهناك نساء قاومن، ويقاومن للتغيير من تلك المفاهيم البالية.
وهنا نستعرض معكم حكاية تعتبر من أكثر النماذج الملموسة لاغتصاب ميراث النساء من قبل إخوتهم الذكور. الحكاية تتحدث عن حرمان السيدة "هنا" ابنة رجل يدعى "شمدين بن مامو" التي تعيش ببلدة "سلفان" بولاية ديار بكر، جنوب شرقي تركيا.
هذه الحكاية تمتد حتى العام 1880، وهو العام الذي جلس فيه السلطان عبد الحميد الثاني أحد سلاطين الدولة العثمانية. الأب في هذه الحكاية هو، "شمدين بن مامو" الذي لم يعجز في إيجاد طريقة من أجل منع ابنته "هنا" من الحصول على حقها في الميراث، وقصر الميراث كاملًا على نجليه عمر، وعبد الرحمن. والحيلة التي لجأ إليها الرجل لتنفيذ ما يريد، هي أنه لم يسجل ابنته في الأوراق الرسمية كابنة له، بل قال إنها ابنته من التبني.
الابنة "هنا" في تلك السنوات لم تكن لديها القوة الكافية للاعتراض على استبعادها من الميراث بهذه الطريقة التي ذكرناها. فالقضية طيلة 72 عامًا كانت مهملة. لكن مع تأسيس الجمهورية التركية في العام 1923، بدأت البلاد تشهد وجود قانون مدني، وقانون ميراث حديث. بدأت مثل هذه القوانين تظهر حتى ولو كان ذلك بخطى صغيرة.
ورغم مرور سنوات طوال مرت على هذا الأمر، استمرت قضية حرمان "هنا" من حقها في الميراث، تتوارثها الأجيال، وتتناقلها الأسر فيما بينها. ظل الأمر على هذا الحال حتى العام 1952 الذي شهد أول اعتراض على حرمانه الابنة من ميراثها. هذا الاعتراض جاء من "فضيلة يازار" حفيدة "هنا" التي أنجبتها ابنتها "آسيا".

صورة
بدأت البلاد تشهد وجود قانون مدني، وقانون ميراث حديث.

الحفيدة "يازار" بدأت في العام 1952 معركة على الميراث ضد أحفاد كل من عمر، وعبد الرحمن الذين تقاسما معًا كل ميراث شقيقتهما "هنا". وكان أول عمل قامت به الحفيدة في هذا الصدد، هو سعيها لإثبات حق جدتها في الميراث.
ولتحقيق هذا الهدف ظلت الحفيدة "فضيلة يازار" تذهب إلى المحاكم بشكل متكرر، وصمت آذانها عن الإنصات للأصوات التي كانت تحاول تثبيط هممها، وتؤكد لها أنها لن تنجح في إثبات أي شيء. لكن رغم هذا نجحت الحفيدة بعد 16 عامًا في أن تثبت للقضاة الذي تعاقبوا على نظر القضية، حق الجدة في ميراثها. وفي المقابل رفع أحفاد عمر وعبد الرحمن، شقيقا "هنا"، دعوى قضائية لإبطال حكم المحكمة الخاص بإثبات حق الجدة في الميراث؛ لكن قضيتهم لم تقبل من المحكمة؛ ليتأكد بذلك بشكل قاطع حق الجدة في الميراث.
وفي العام 1968، بدأت الحفيدة "فضيلة يازار" جولة أخرى من القضية من أجل أن تثبت حقها هي والفروع المنحدرة من الجدة "هنا" في ميراث الجدة المذكورة. وإن كانت أقدم السجلات الخاصة بالقضية، والتي تم الحصول عليها، تعود للعام 1974، إلا أنه من المعروف أن تلك القضية توارثتها الأجيال المتعاقبة منذ العام 1968 وحتى الآن.
ولا شك أن النضال الذي خاضته الحفيدة "فضيلة يازار" بات نموذجًا يحتذى به في مثل هذه القضايا المتعلقة بالمواريث. وفي المستقبل القريب سينضم للقضية أحفاد الجدة "هنا" من ابنتها "أمينة" التي انحدرت منها عائلة "آكار"، وابنتها الثانية "فاطمة" التي انحدرت منها عائلتا "أوزر"، و"شمشك". هذه القضية كما قلنا باتت واحدة من أقدم قضايا الميراث ربما في تاريخ تركيا. ولقد وردت طلبات كثيرة من أفراد يقولون أنهم من أحفاد الجدة "هنا"، وصل عددهم إلى 121 شخصًا جميعهم يؤكدون أن لهم حق في الميراث، ويطلبون ضمهم كأطراف في القضية.
الأراضي التي تتضمنها القضية، تقع في قرى "كاجيكان"، و"غولريزا"، و"ميركسواش" ببلدة "سيلفان" بولاية ديار بكر. ولا شك أن هذه القضية التي ما زالت مستمرة حتى اليوم بفضل النضال الذي خاضته الحفيدة "فضيلة يازار"، ستكون نموذجًا للسيدات اللاتي حرمن من ميراثهن في تركيا، وتم اغتصاب حقوقهن. القضية هذه تعاقب عليها أكثر من 20 قاضيًا، الأمر الذي كان له بالغ الأثر في تأخير عملية النطق بحكم فيها.
وقد التقى موقع "أحوال تركية" حفيدة أخرى تدعى "دنيز أجيق غوز"، وهي واحدة من الأسماء التي تواصل قضية جدتها "فضيلة يازار". الحفيدة أكدت في حديثها أنهم سيواصلون نضالهم في القضية حتى الحصول على حقوقهم المسلوبة. وشددت على أنها لن تتوانى عن فعل كل ما يتعين عليها أن تقوم به في هذه القضية التي بدأت قبل مجيئها للدنيا، وسبق أن ناضلت أمها فيها بحثًا عن ذات الحق المسلوب. وذكرت كذلك في ذات السياق أن جدتهم "هنا" التي فارقت الحياة قبل 18 عامًا، قضت جزءًا كبيرًا من عمرها في أروقة المحاكم طلبًا لحقها في الميراث الذي حرمت منه.
وأفادت "أجيق غوز" كذلك في ذات السياق أنهم ينتظرون النطق بحكم قريبًا في تلك القضية التي بدأت كما قالت عندما أظهر "مامو" والد جدتهم الكبرى "هنا"، ابنته على أنها طفلة بالتبني. وتابعت قائلة:
"من الشائع كثيرًا في منطقتنا حرمان النساء من الميراث؛ والسبب الرئيس في ذلك هو رغبة العائلة في عدم خروج ميراثها خارج نطاق أفرادها الذكور. ولذلك تم تسجيل جدتي الكبرى هنا على أنها طفلة بالتبني، ما حال دون تمكنها من الحصول على حقها في ميراث والدها الذي فعل ذلك ليترك الميراث بأكمله لأبنائه الذكور. ورفضت جدتي "فضيلة" هذا الأمر، ورفعت قضية لإعادة الحق المسلوب. وعلى كل نحن ننتظر أن تصدر المحكمة قرارها بشأن القضية في القريب العاجل. فواجبنا اليوم مواصلة ما بدأته جدتي من نضال، ونحن سعداء للغاية لقيامنا بهذا الأمر. ولقد بذلت جدتي جهودًا كبيرة في هذه القضية، ولم تحصل على الميراث، لكننا من بعدها ماضون في تحقيق ذلك مهما كلفنا ذلك".
في ذات السياق أكد إبراهيم اجيق غوز، زوج السيدة "دنيز أجيق غوز"، أنه سيواصل وقوفه بجوار زوجته في قضيتها، وأنه سيفعل كل ما ينبغي عليه فعله كزوج يقف بجوار زوجته سعيًا للحصول على حقها المسلوب.
أما "بولنت مرتشه" أحد أحفاد "جزيمه" ابنة "فضيلة يازار"، فذكر أن عدد الأطراف في القضية يقترب من 500 شخص 121 منهم من طرف الجدة "هنا" وبالتالي من طرف ابنتها "فضيلة يازار". أما البقية المتبقية فهم من طرف الأبناء الذكور الذين استقر عندهم ميراث والد الجدة "هنا".
وأوضح "مرتشه" أن القضية تأخرت كثيرًا بسبب التغيير المستمر في القضاء الذين ينظرون القضية، مؤكدًا أنه رغم ذلك باتت القضية في مراحلها الأخيرة، وأن الحكم بات وشيكًا ليعيد حقًا سعى وراءه كثيرون لإثباته. وتابع في ذات السياق قائلًا:
"لقد خاض الجميع نضالًا كبيرًا من أجل مساواة الذكور بالإناث؛ لا سيما في مسألة الميراث. وأنا هنا أشعر بفخر واحترام لكوني حفيدًا لامراءة كان لها باع طويل من النضال في هذا الأمر. وهدفنا الرئيس من وراء ذلك هو القضاء على فكرة حرمان النساء من حقهن في الميراث؛ تلك العادة السيئة التي تنطوي على كافة معاني الظلم. القضية ستنتهي في القريب العاجل بحكم من المحكمة، ليكون الأمر سببًا قويًا يجعل أي شخص يرغب في حرمان النساء من حقهن، يفكر ألف مرة قبل الشروع في ذلك الأمر، بل ويمنعه من تنفيذ ما يريد".
تجدر الإشارة أنه من المنتظر أن تنعقد يوم 8 يناير المقبل جلسة جديدة من جلسات قضية ميراث "فضيلة يازار" التي تعتبر من أقدم قضايا الميراث في تاريخ تركيا، إذ تناقلتها 3 أجيال تعاقبت على خوض المعركة في أروقة المحاكم سعيًا لإثبات الحق في الميراث.
 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/yargi/uc-kusaktan-kadinlar-hana-ninenin-miras-hakki-icin-66-yildir-savasiyor&nbsp
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.