عمر ياديكاردش
ديسمبر 22 2017

حي "بلاط" التاريخي في إسطنبول.. المواطنون ضد الوافدين

 

تزين بلاط خلفية صور الإنستغرام في الأيام الأخيرة، حيث أصبح الحي مركز جذب بوساطة الجيل الجديد من أصحاب المقاهي، أما تجار الحي القدامى والسكان المحليين فيرفضون هذا الوضع.
نحن في طريقنا إلى بلاط الذي يعد واحدا من الأحياء التاريخية في اسطنبول.
ونخرج من جامع تختة منارة الذي يصل تاريخه إلى عام 1458، ونصل إلى "شارع فودينا"، والذي يعني اسمه "الكثير من الماء" في اللغة السلافية، وتوجد فيه الأجيال الجديدة من أصحاب المقاهي.
في شارع فودينا هناك أكثر من 50 من الجيل الجديد من عمال المقاهي، والقادمين في أيديهم آلات التصوير يستريحون من عناء اليوم لدى بائعي القهوة من ناحية، ومن ناحية أخرى فإنهم يسألون التجار عن الأماكن التي تم فيها تصوير المسلسلات الشعبية مثل "شوكت يريمدار"، و"تشوقور".
ولكن لا أحد يسأل جيران الحي تقريبا عن معبد "أهريدا" الذي بني قبل فتح اسطنبول، وكنيسة "ستيفي ستيفان" البلغارية، وبطريركية "فينر اليونانية".
وفي حين أغلق التجار المحليون المحلات، فقد غادر السكان حي بلاط مع زيادة الإيجارات، وفي السنوات الأربع الماضية، تم فتح أكثر من عشرين محلا للعقارات في الحي، ويعد سكان بلاط أيضا من الناس المتضررين من عدم التخطيط الحضري في اسطنبول.
تورغوت سيمين حي بلاط

وسكان الحي الذين يصيدون الذباب أمام محلاتهم، فهم من القادمين إلى بلاط، أو الذين يجلسون في المقاهي، وقد وصف تجار بلاط، وسكانها القدامى، الآثار الاقتصادية والاجتماعية للتحول في السنوات الأخيرة، لموقع أحوال تركية:.
نلتقي بائع الفطائر المحشوة تورغوت سيمن 68 عاما، وقد تعلم جيدا اللغة اليونانية واللغة الفرنسية من أصدقائه غير المسلمين في بلاط عندما كان طفلا، وسومر يبيع حاليا اليقطين الحلو لمطاعم الحي، ونحن نسأله، ويبدأ هو في وصف بلاط:

كان أبي يعمل بتجارة الفاكهة والخضر هنا، بعربة الحصان، وكان المال وفيرا أيضا، وهناك تسامح وسلام وسرور بين الناس، وكنا مع اليونانيين والأرمن واليهود مثل الإخوة.
في هذا الحي الصغير كان هناك ثلاثة دور سينما، وثلاثة حمامات، وثمانية جزارين، وقد ذهب المسلمون عندما ذهب غير المسلمين، وذهبت البركة أيضا، كنا فقراء، ولكن سعداء، لم تتغير بلاط فقط، وإنما تغيرت اسطنبول أيضا، عندما كانت اسطنبول مليئة بالفطير المحشي باللحم المفروم، والكفتة النيئة، ثم تغيرت في هذا الوقت.

وهناك أكثر من 50 مقهي في شارع فودينا في بلاط، إذا أضفنا الأزقة، ووفقا لما يقول سيمين، فإنها لم تقدم أية فائدة للتجار وسكان الحي، واستقبلوها بشكل غريب:

كان سكان الحي ضد المقاهي، حيث يذهب أحدهم من الذين يعيشون هنا، ولا يشرب القهوة هناك، لقد تغيرت ثقافة الحي، الاختلاف في الثقافة كبير، وملابس وسلوك الوافدين مختلف، إنه سخيف، وسكان الحي هم أيضا الأكثر غضبا من ذلك، ويمكنك أن تدرك ذلك من نظرة سكان الحي الجالسين في المقاهي.

يختتم سيمين كلامه بالقول إن الازدحام يكون بركة في العادة، ولكن هذا الوضع ينعكس على بلاط، وخاصة على التجار سلبا:

أصحاب المقاهي والزبائن يأتون من الخارج، ويذهبون للتسوق ليلا، ويفعلون ذلك في حيهم، وليست لهم أية إضافة هنا، بل على العكس من ذلك، فإنهم يصيبونا بالضرر، فقد زادت الإيجارات كثيرا، والمحل الذي كان إيجاره ألف ليرة في عام 2012، أصبح إيجاره اليوم ما يقرب من 4 آلاف ليرة، كما زادت إيجارات المنازل كثيرا.
فالمنازل التي كانوا يطلبون 300 ليرة إيجارا لها قديما، أصبحوا الآن يطلبون 1500 ليرة من أجلها، وسكان الحي ليسوا أغنياء، فاضطر معظم الناس إلى مغادرة الحي، ويغلق التجار في الحي محلاتهم، وكل يوم يفتح مقهى جديد، تخيل يوجد 25 تاجر عقارات في حي واحد؟ كان هناك تاجر عقارات واحدـ في غابر الأيام، كما قام تجار العقارات برفع الإيجارات.
 

وبينما كنا نتحدث مع تورغوت سيمين، تدخل في الحديث صاحب متجر للفطائر المحشوة لم يرغب في أن يفصح عن اسمه، ويقول أيضا أنه قد انزعج من التغييرات الأخيرة، وزيادة الإيجارات:

في عام 2013، قمت بتأجير المحل بمبلغ 3000 ليرة، وقال لي التاجر هل تعطينيى "3 آلاف ليرة"، اليوم تبدأ الأسعار من 5 آلاف ليرة، لا عمل، وأفكر في إغلاق المحل.
إنهم يسألون عن مكان مسلسل "شوكت يريمدار"، و"تشوقور"،  هذه ليست بلاط، فهنا توجد البطريركية التاريخية، ومدرسة فينر اليونانية الثانوية، والمعابد، ولكن الأماكن التي يسألون عنها هي المسلسلات دائما، وهم ينظرون إلى صور بلاط من هواتفهم الخلوية الموجودة في أيديهم.
 

حي بلاط التاريخي اسطنبول
الممثل الشهير راسل كرو، في شوارع بلاط، خلال تصوير فيلم "ذا ووتر ديفاينر"

نحن نجلس مع رجب تشيبر وسادات يانيق في مقهى تاريخي في شارع فودينا، كل منهما من سكان بلاط القدامى، تشيبر عمره 60 سنة، وقد ولد وترعرع هنا، ويذكر أن الثقافة القديمة لم تعد موجودة، وأن المقاهي المفتوحة حديثا لا تضيف شيئا للتجار. 
لقد تغيرت أشياء كثيرة في بلاط، وتغيرت الإنسانية، ولم يبق هناك أحد، فقد غادر غير المسلمين أيضا بلاط، والآن تم افتتاح المقاهي، والمقاهي لا تقوم حتى بالتسوق في المتاجر الموجودة هنا.
سكان الحي لا يذهبون أيضا، ولماذا تذهب وتنفق 10 ليرات من أجل كوب من الشاي! ما هي فائدة كل هذا العدد الكبير من المقاهي هنا؟ كان يتم تصوير الأفلام هنا لأن بلاط مكان جميل جدا، وقد فر صناع السينما دون أن يدفعوا نقود الإيجار، ولا يستطيع حتى التاجر تأجير محله بعد الآن ".
تشيبر يقول أن الناس بمن فيهم نفسه يشعرون بالانزعاج من افتتاح المقاهي، ويقول إن أكثر ما يزعج سكان بلاط هو سلوك الوافدين، وينهي كلامه قائلا: 

الجميع منزعج للغاية، فالكراسي في الخارج، ولا يوجد هناك مكان للسير، وأبواق السيارات في الشارع لا تتوقف، أما الشباب الذين يتفاخرون الآن هنا، فهم الشاب الخنفوس محبي موسيقى الجاز.
هؤلاء ليسوا من سكان بلاط، لقد جاءوا حديثا، هل تعرف ما هو الشيء الأكثر إزعاجا لسكان بلاط؟ الوافدون يقولون: "كان هناك فرن هنا، آه انظر إلى متجر البقالة"، ما هي أهمية وجود الفرن، ومحل البقالة والجزار؟ ما هو هذا السلوك؟ هذا هو وسط اسطنبول.

حي بلاط التاريخي

أما سادات يانيق فيعيش في بلاط منذ عام 1954، عائلته من "ريزة"، ولكنه يرى نفسه من هذا الحي، ويتذكر حالة بلاط القديمة والعالمية، وأيامه الجميلة بهذه الكلمات:

تعلمنا الثقافة من اليونانيين، وغير المسلمين لم يكونوا أقلية هنا، كانوا أغلبية، وعندما توفي جدي جلب جيراننا اليونانيين الأطعمة الموجودة في المنزل، والآن لا يمكنك حتى العثور على واحد، لم تعد هناك المشاركة القديمة، وتحولت بلاط إلى مثل هذا المكان عندما تم بيع عربات الخيول.

حي بلاطة اسطنبول
سادات يانيق وتشيبر

ويشير يانيق إلى أن التحول الأخير في بلاط قد حدث من قبل أشخاص ليسوا من سكان بلاط الأصليين، وينهي كلامه قائلا:

 

الرجل يجعل من متجر صغير مقهى، فإذا جلست في الداخل لا يوجد هواء، وإذا جلست في الخارج تعاني من البرد، وهم يحضرون الشاي لك، وكأنه ليس كوبا، وإنما مرجل، والثمن أيضا باهظ، ولذلك فسكان بلاط لا يذهبون أبدا.
الحرفي يبكي دما، لقد ارتفعت الإيجارات، والآن لا يعيش السكان الأصليون في بلاط، أنا أحب هذا المقهى، والدردشة هنا، والبيئة كثيرا، ومن ترعرع هنا لا يستطيع أن يغادر ذلك المكان، وأنا دائما أعود في نهاية كل أسبوع، ولكن يجب أن أقول، أن بلاط سوف تصبح غير معترف بها بعد خمسة عشر عاما.
حي بلاط التاريخي
أحمد آقار وزوجة ابنه أوزغون آقار

أحمد آقار كان يعيش في بلاط منذ عام 1956، تقاعد من العمل في مهنة الحداد، وزوجة ابنه أوزغون آقار تساعده في محل الأدوات المكتبية، وعندما سألناه قائلين ماذا تغير في بلاط، ابتسم آقار،  وأجاب قائلا "كنا نلعب بالبلي، أما الآن فالخرسانة في كل مكان"، ويقول آقار إن وسائل الإعلام قد أظهرت الوضع في بلاط بشكل خاطئ:

وبافتتاح المقاهي الجديدة، تبدو بلاط وكأنه قد تم إحيائها، ولكن من ناحية، فإن الإيجارات آخذة في الازدياد، التجار لا يعملون، ماذا تفعل هذه المقاهي؟ هل يعقل أن الشاي الذي ثمنه 75 قرشا، يبيعونه بثمان ليرات؟ الناس النظيفة تذهب، والناس الهمج إذا جاز التعبير، يفدون، والله يعلم ماذا سيحدث ...

 

وأوزغون آقار تدير محل "غونسه لي" لبيع الأدوات المكتبية في بلاط، وتؤكد آقار أن هناك فجوة بين وجوه بلاط المرئية وغير المرئية:
هذا الشارع هامشي جدا، والناس يبدون هامشيون جدا، ولكن اذهب، وانظر إلى الأزقة، أقول بتعبير سيء: ضاحية، نحن جميعا هكذا، وسائل الإعلام تبدو شعبية، كيف هي شعبية؟ الناس جائعون، وعليهم أن يدرجوا حساب القلم الواحد الذي ثمنه ليرة، فهم من ناحية يأتون من الخارج، "وهناك من يقول يا له من شي جميل"، ومن ناحية أخرى يحاولون بيع أشياء بليرة واحدة، ويحضرون الخبز للمنزل.
إنه مثله مثل التجار الآخرين في بلاط، يشكو هو أيضا من ارتفاع الإيجارات، ويشير إلى أن الاستثمار برمته تم في شارع فودينا، والناس في الشوارع الخلفية منسيون، وحالة الناس سيئة:

المنزل  الذي كان إيجاره 300 ليرة أصبح إيجاره 1500 ليرة، وهم يطلبون ألف ليرة إيجار من أجل المنازل التي بها مدفأة، وكان هذا في السنوات الثلاث الماضية، إنهم يحرقون القلب رسميا، ولا يمكنهم التفكير بشكل سليم، كم هو الحد الأدنى للأجور، حتى تطلب مثل هذه الأموال من الناس، تحدثنا مع أصدقاء من الحي الليلة الماضية، الجميع يريد أن يذهب، ولكنه لا يستطيع، لأن مدارس الأطفال هنا، المقاهي لطيفة جدا، ولكن هناك مشاهد رهيبة في الشارع الخلفي، هناك أشياء يجري القيام بها في هذا الشارع، حسنا، والأهالي؟ لا أحد يراهم أبدا، حقا إنه شيء مؤسف.

حي بلاط اسطنبول

يُمكن قراءة هذا التقرير باللغة التركية أيضاً: