عمر ياديكاردش
يناير 06 2018

حي كاراكوي باسطنبول.. التخبط من خلال التكدّس المروري وارتفاع أسعار السكن

 

إن حي كاراكوي هو التاريخ المتبقي بين مشروع غلاطة بورت الذي يستمر العمل فيه على الساحل وبجانبه مشروع طائر النورس في حي كاباتاش، وجارهما مشروع الخليج بورت في حي أيوب. سيصبح الحي في مواجهة مشكلة مرورية كبيرة في المستقبل بهذه المشاريع في الوقت الذي يترك السكان الحي بسبب الإيجارات المرتفعة.
 
أما تحوّل كاراكوي ووضعها اليوم فيشرحه هذان البيتان من أغنية "كاراكوي" للمطربة أزجي جونليو:
 
"اسطنبول الكبيرة التي ذهبت، أنا أبيعها فهل من مُشترٍ/ أما الحب الذي عشته فالقليل منه أغانٍ ومُعظمه كذب."
يمرّ الحي في السنوات الأخيرة بعملية تحوّل كبيرة. ملأت المقاهي الحديثة والملاهي الليلية ومحلات البيع الصغيرة تُحيط بالحي من كل جانب. ومن المنتظر أن يرتدي الحي وجهًا جديدًا تمامًا مع انتهاء أعمال الإنشاء في غلاطة بورت الذي تستمر الأعمال فيه الآن.
تطوير حي كاراكوي

 

استمرّ الجدال طويلًا حول مبنيي "صالون كاراكوي التاريخي للمسافرين" و"مكتب بريد الطرود" اللذان تمّ هدمهما أثناء عمليات إنشاء غلاطة بورت. وحتى وإن لم يتضح المشروع بشكل كامل بعد فإن أهم مشكلتين تنتظران كاراكوي أثناء عملية الإنشاء وبعد الانتهاء هما: المرور، وارتفاع أسعار الحي.
مع زيادة المقاهي الحديثة وأماكن التصميم يزداد عدد زوار الحي، بينما من المنتظر أن يزداد عدد زوار غلاطة بورت لـ30 مليون زائر في غضون سنوات.
ومن غير المعروف كيف سيستوعب حي كاراكوي صاحب الطريق الواحد ذو حارتي سير للسيارات وترامواي، هذه الكثافة المرورية. ولقد تحدثنا مع مخطط المدينة أورهان دمير حول هذه المشكلة المرورية.
حي كاراكوي
أورهان دمير

ازدادت أسعار الإيجارات في الحي الذي تحول لمركز جذب للمشاريع والاستثمارات خمسة أضعاف في السنوات الأخيرة. أما سكان كاراكوي فوجدوا أنفسهم مضطرين للانتقال لأحياء اسطنبول البعيدة. وتحدث تجار الحي وسكانه لأحوال حول تأثير هذه المشروعات التي ترفع من مستوى الحي.
يعمل مخطط المدينة أورهان دمير منذ زمن طويل في مشاريع النقل والمواصلات. ويقوم بتدريس المواد المتعلقة بالتخطيط للنقل والمواصلات في جامعة معمار سنان.

 

يوضح دمير أنّ الدول المُتقدمة تعمل على تقليل الازدحام المروري في مراكز المدن، أما في تركيا فيحدث العكس، معطيًا مثال بغلاطة بورت:
 
"تعمل الدول المتقدمة على تقليل الازدحام المروري للسيارات في مراكز المدن. يمكن جعل الناس يتخلون عن قيادة السيارات عن طريق السعر المرتفع لمرافئ الانتظار، وتقليل أماكن انتظار السيارات، أو باتباع سياسات مختلفة متعلقة بوسائل النقل الجماعي.
أما هنا فالوضع معاكس تمامًا. لا نعرف المشروع بشكل كاف ولكنهم يقولون أنه سيكون مكان لاستقبال أربعة آلاف سيارة، وهذا تقريبًا عشرة أضعاف المرفأ الموجود في كاراكوي.
وعلى جانب آخر قال رئيس البلدية وقتها أن مشروع طائر النورس الموجود في كاباتاش سيكون عبارة عن مرفأ يستوعب ألف سيارة. وفي النهاية فإن زحامًا مروريًا أكبر بكثير من الموجود اليوم ينتظرنا في كاراكوي."
مشاكل تطوير حي كاراكوي

 

من المنتظر أن يفد على غلاطة بورت 30 مليون زائر سنويًا. ويقول دمير أن وضع الطرق وشبكة المواصلات الحاليان لا يمكن أن يستوعبا هذا العدد من الزوار:
 
"سيأتي هذا الكم من الناس، ولكن من أي الطرق وبأي الوسائل؟ في النهاية لا يوجد في المنطقة سوى طريق يحتوي على حارتي مرور في كل اتجاه. لن يزيد عن حارتين مهما حاولنا أن نصنع.
طاقة الاستيعاب واضحة. ولكن ما يكتسب الأهمية هو كيفية استخدام هذه الطاقة. إذا وجهت الزوار لاستعمال سياراتهم الخاصة عن طريق إنشاء الكثير من المرافئ للانتظار، فلا مفرّ من أن يكون هذا الأمر سببًا في تكدس هذا الشريان الذي هو متكدس كل يوم، بل وكل ساعة."
 
يشدد دمير على أن غلاطة بورت سيخلق أزمة مرورية لا يمكن حلها لأنه مصمم ليكون حيًا طوال اليوم:
 
"هو نظام أكثر حفاظًا على البيئة، وأكثر أمانًا وثقة من الترامواي والباصات التي تخدم المنطقة، ولكن طاقته الاستيعابية تساوي تقريبًا نظام الباصات بالكامل.
في النهاية فإن هذا المشروع والكثافة المرورية التي سيشكلها بسبب المسافرين ستزداد مع عدم وجود حل لها. يتم التخطيط لجعل الفنادق والسوق الحرة وميناء الرحلات البحرية حية طوال ساعات اليوم.
وبقول آخر فإنه سينتج مكان مزدحم مروريًا طوال الوقت. ونحن نرى عن قرب الوضع الذي نعيشه في مراكز التسوق المشابهة."
 
أفاد دمير بأن الأعمال التي تنفذ من أجل حل مشكلة المرور، أي إنشاء المرافئ من أجل حل المشكلة سيزيد من تفاقم هذه المشكلة، مقدمًا تحذيرًا مهمًا:
 
"أخشى أن هذا الانسداد المروري سيتسبب في كوارث أخرى لأن هناك عادة في تركيا؛ إذا ازداد الازدحام في طريق ما فإننا نقوم بتوسعته لنعيد إليه السيولة. ونقوم بإنشاء الجسور والأنفاق لعبور المشاة.
في حين أن هذا يزيد من الازدحام المروري. وقد شبّه أستاذ قديم لي هذا الوضع بسقي العطشان ماء المخلل؛ حيث نرى أنه لم يكن حلًا في كثير من الأماكن، ولكن يتم تكرار نفس الخطأ في كل مكان."
 
وبحسب دمير الذي أوضح أن النقل والمواصلات في تركيا يتم حسابها بعد المشاريع، فإن مشاكل المرور ليست مفاجئة ولكنها آخر ما يتم التفكير به:
 
"استخدام الأرض ووسائل المواصلات هما جزئين لا ينفصلان عن بعضهما. إذا اختلف استخدام الأرض يحدث الزحام في المرور، أما إذا أنشئت البنيىة التحتية للمواصلات فإن استخدام الأرض يختلف.
كان من الضروري التخطيط لهذا مسبقا. ولكن بعدما ظهرت مشكلة المرور بعد تغيير استخدام الأراضي بتركيا ـ وكأنها مفاجأة ـ نسأل الآن عن كيفية حل المشكلة. نحن نفكر مؤخرا بالشيء الذي كان يجب أن نفكر به أولا."
 
ويختتم دمير حديثه مُشددا على ضرورة مناقشة الموافقة على مشروع غلاطة بورت سرّيَّا:
 
"ثمة أمرهام. لم تُناقش مسألة إنشاء المشروع بشكل سرّي. في أوروبا، وإن كان هناك بناية تحت الإنشاء، يسألون الشعب الذي سيتأثر بالموضوع. أما في تركيا يُعِد مجلس البلدية خطة الإنشاء، ويعلقونها على حائط بالطابق السفلي مُحددين شهرا واحدا فترة للاعتراض عليها.
وإن رآها أحد واعترض عليها، يقوم مجلس البلدية الذي اعتمد الخطة بالنظر في الاعتراضات أيضا. أي أن المؤسسة ذاتها هي التي تعتمد الخطة وتنظر في الاعتراضات.
مع الأسف ننتبه للعديد من المشاريع المهمة التي تهم المدينة بعد الانتهاء من إنشائها، تتوارى المشاريع عن أنظار المدن ولا تُناقش بشكل كاف أمام الرأي العام."
حي كاراكوي

 

تحدثنا مع سكان حي كاراكوي عما يعيشونه وعن آثار المشروع.
يصف لنا جيلبر أزناكيان (65 عام) ـ صاحب متجر ملابس بكاراكوي لمدة 44 عاما ـ التغير الاجتماعي للحي على النحو التالي:
 
"لقد تغير المفهوم. جاءت الحياة الليلية من حي باي أوغلو إلى هنا. لم يكن هناك شيئ بالماضي. لم تكن تسمع صوتا عند إغلاق المحلات في الساعة السابعة تقريبا. أما الآن فالحياة تبدأ بعد السابعة. وامتلأ الحي بالمطاعم والمقاهي ومحلات البوتيك والملاهي الليلية. لم يتبق أحد من التجار القدامى. كان هناك غير مسلمين ولكن الآن لم يعد هناك غيري. كما أني أقدمهم."
جيلبر أزناكيان
جيلبر أزناكيان

 

ووفقا لجيلبر ـ الذي أوضح أنه لا يأمل خيرا من مشروع غلاطة بورت ـ لم يصمد أولئك الذين لا يملكون محلات أمام الإيجار المتزايد:
 
"لا أظن أنه ستأتي سفينة إلى غلاطة بورت. ليس هناك سفينة كهذه في الوقت الراهن. لا أظن أنه سيأتي حتى زورق. لن تأت سفينة إلى هنا تحمل ألف شخص. لن يأتي السياح.
أعيش هنا منذ 44 عاما. لم تقترب أي سفينة من هنا على مدى السنوات الخمس الماضية. أتمنى لو تأت الكثير من السفن لأربح وتربح الدولة أيضا. لم أكن لأستطيع الصمود أمام تلك الإيجارات ما لم أكن صاحب متجر. حتما سأربح نفس المال بتأجيري للمتجر إن أردت، ولكني أحب التجارة."
 
أما جان بولات (60 عام) ـ الذي نشأ وترعرع بكاراكوي والذي يعمل بموقف عام للسيارات ـ فقد تأثر بالمقاهي الحديثة على نحو إيجابي:
 
"كنا عتّالين. كان يوجد هنا العديد من العتّالين والعمال. والآن فُتِحت المقاهي. فالزمن يتغير. في الماضي لم يكن يمر أي شخص مساءً. كان من الجيد افتتاح المقاهي. حيث الشباب، النظافة والجمال. ارتاح السياح أيضا. هل تريد الجلوس بمقهى باتاك أم احتساء الشاي أمام البحر؟"
جان بولات
جان بولات

 

ودّعنا بولات وذهب نحو السيارات مشيرا إلى صعوبة ظروف الحياة تدريجيا:
 
"إني مستأجر. ارتفعت الإيجارات جدا. وظروف المعيشة غالية جدا. لقد ترك العديد من السكان الحي. فللخمور تأثير في ذلك. فهي لا تناسبهم. في الماضي لم نكن نرى سيدة تمسك خمورا بيدها. أما الآن فتسير بها بالشوارع. ولكن الحياة تتغير ونحن نتقدم ونتطور. وهذه أمور طبيعية."
 
ويخبرنا أتا أويغور (85 عام) ـ الذي يعيش بكاراكوي منذ 60 عاماـ بافتقاده لحياة الحي القديمة، وصعوبة تكيفه مع الوضع الجديد بالحي:
 
"كان يعرف الجميع بعضهم البعض. ولكن ترك الكثيرون الحي وذهبوا إلى أحياء بعيدة جدا لدرجة أنها تُعد خارج اسطنبول. تبقى عدد قليل من العائلات. وكذلك المباني. بقيت بعضها مهجورة وتم بيع البعض الآخر. إن الوضع الحالي للحي جيد. نحاول التكيف. بالطبع نحن الجيل القديم نلاقي صعوبة في التكيف. تخيلوا، كان هناك قصور في اسطنبول قديما."
حي كاراكوي

 

ويذكرنا أويغور بالمشاجرة التي وقعت بين مشتري الخمور وسكان الحي أثناء افتتاح احدى صالات الفنون التشكيلية بطوب خانه عام 2014م. فقد ترك السكان الحي لعدم تكيفهم مع الوضع الجديد:
 
"لم ينسجم المترددون على المقاهي مع السكان. يأتي أناس لا نعرفهم إلى الحي. فالشباب يحاولون مواكبة الموضة في النهاية. لا يمكنك أن تقول شيئا لهذا.
وقعت حوادث في بوغازكاسان قبل عامين أثناء افتتاح أحد الأماكن بوجود الخمور. حيث انزعج السكان من تناول الخمور. ووقعت المشاجرة. لم يحدث توافق. ومن لم يستطع التكيف مع هذه الأوضاع باع منزله وترك الحي قائلا سنعيش في مشاكل في المستقبل."
 
ويخبرنا حسن بوراك مبتسما بأنه هو وزوجته آسية بوراك اللذان يديران محل بقالة لمدة 37 عاما أقدم تجار بالحي، كما يصف لنا تعكر صفو الحياة بالحي:
 
"تبقى منّا عدد قليلا. وباع معظم السكان منازلهم ونزحوا إلى أحياء لم أرها من قبل. وارتفعت الإيجارات بسبب مشروع غلاطة بورت. ليصبح عدد السكان الحاليين يُعدّ على الأصابع. هناك الكثير من الغرباء. وبينما كان هناك العديد من غير المسلمين لم يتبق سوى عدد ضئيل إن وُجد. لقد تعكر صفو الحياة بالحي. نلتقي بأشخاص جدد لم نرهم من قبل. لم يعد هناك الآن إنسان تعرفه تقل له مرحبا."
حي كاراكوي اسطنبول

 

ويوضح لنا حسن بوراك بصوت مُعاتِب طرد سكان الحي مُشيرا بإيجاز إلى تغير الحياة:
 
"نأمل في جني ثمار ما زرعه الآخرون، لم يعد هناك أحد ينظر بوجهنا. ولم يكن هناك أحد يتناول الخمور. أما الآن يتجوّل الناس في الشوارع بزجاجات الخمر. وللمقاهي والمشاريع الكبيرة أثر في وجود هذا الوضع. ربما سيكون جيدا. يقولون سيأتي السياح إلى هنا. ولكنهم يقومون بطردنا. ويشتري الغرباء المنازل. وارتفعت الإيجارات. لقد أصبح الوضع لا يسمح بجلوس السكان هنا. فالحياة صعبة جدا."
 
وبينما نغادر حي كاراكوي، أرى التغير الذي عاشه محيط جامع قليج علي باشا من ناحية، والناس التي تجلس على طول المنحدر الذي يطل على الجامع من ناحية أخرى. مع الأسف يأخذ حي اسطنبول القديم مكانه بين صفحات التاريخ المُغبرّة.
 
يُمكن قراءة هذا التحقيق باللغة التركية أيضاً: