مارك بنتلي
يناير 17 2018

خبير: التوترات التركية-الأمريكية بشأن سوريا تبرز المخاطر الاقتصادية

في هذا المقال، يجيب إينان دمير، خبير الاقتصادات الناشئة بشركة نومورا في لندن، على أسئلة "أحوال تركية" بشأن وضع الاقتصاد التركي والعلاقات الخارجية مع دخولنا العام الجديد.
ومع تسجيل الاقتصاد نموا نسبته 11.1 في المئة في الربع الثالث، أنهت تركيا العام بمعدل تضخم اقترب من 12 في المئة الأمر الذي أثار القلق من احتمال تسجيل معدل تضخم كبير قبيل الانتخابات عام 2019.
يركز دمير على ذلك، وعلى العلاقات المتدهورة مع الولايات المتحدة التي قال إنها يمكن أن تضر باقتصاد تركيا خلال 2018.

أولا، سؤال عام – كيف تنظر إلى الاقتصاد التركي في 2018؟
"السؤال الأساسي بالنسبة لي ويبدو لي أيضا أنه سؤال كثير من المستثمرين هو هل ستسمح السلطات وستتساهل مع بطء النشاط الاقتصادي لتسجيل التصحيح المطلوب بشدة الذي سيؤدي إلى انخفاض التضخم وسيقلل عجز الحساب الجاري. 
أظن أنهم لن يسمحوا بمثل هذا التباطؤ ويستمرون في استخدام أدوات متاحة لديهم لدعم النمو الاقتصادي. عموما، يبدو أن المستثمرين يشاركونهم في هذا الأمر أيضا. بالطبع يظهر هنا سؤال مفاده هل الخلفية الاقتصادية العالمية ستكون مريحة بدرجة كافية لمساعدة السلطات التركية على تقديم عام آخر من نمو اقتصادي فوق الاتجاه السائد مستفيدة إما من السياسة المالية الفضفاضة أو بالاعتماد على البنوك عبر قناة الائتمان. وبالطبع مسألة وفرة هذا الدعم سؤال آخر.
"البيئة العالمية للأسواق الناشئة ربما لن تكون مواتية هذا العام، أو ربما تظل البيئة الاقتصادية العالمية مواتية عموما لكن ربما تصبح مخاطر مرتبطة بتركيا أكثر ظهورا مثل قضية خلق بنك أو مشكلات أخرى مع الولايات المتحدة كما نرى اليوم في سوريا".

ما هو شعورك بشأن السياسة الخارجية؟ يبدو أن (الرئيس التركي رجب طيب) أردوغان يتحدث بنفس الأسلوب مع الولايات المتحدة – لم يخفف من لهجته. هل توجد مخاطر على المستثمرين هناك؟

"أعتقد أنه يوجد مستثمرون قلقون على كلا المستويين – أولا، يوجد الخطر القريب من احتمال اشتباك عسكري في سوريا حيث تجد تركيا نفسها وحيدة، وهو ما قد يؤثر على الأمن الداخلي أيضا. والمستوى الآخر للقلق هو أن المستثمرين يقيسون ذلك على مجالات أخرى لازالت فيها العلاقات مع الولايات المتحدة متوترة.
"لذلك، إذا أصبح أردوغان عدائيا بشدة تجاه موقف الولايات المتحدة في سوريا، فمن المفترض أنه سيكون أقل استعدادا للتفاوض في أمور أخرى أيضا. وهذه الأمور الأخرى قد تشمل مشتريات أنظمة دفاع صاروخي من روسيا أو قضية خلق بنك. أرى أن معظم الناس يعتبرون احتمال قيام تركيا بتحرك عسكري منفرد في سوريا بعيد ا لكن القضية الأهم بالنسبة للكثير من الناس هي إضفاء المشكلة على جوانب أخرى في العلاقات".

هل تعتقد أن المستثمرين ينتظرون من أردوغان أن يخفف لهجته تجاه الولايات المتحدة؟ توجد نقاط نعتقد عندها أن الأمور ستهدأ...
"نعم، لكن حتى عند هذه النقطة – بعد وقت قصير من تخفيف الولايات المتحدة القيود على التأشيرات – قرأت في الصحف المحلية أن الإجراء ربما يكون خطوة استعدادية من جانب الولايات المتحدة باتجاه فرض عقوبات في جوانب أخرى. ولأنهم كانوا يجهزون لإجراءات أخرى ضد تركيا، فقد رغبوا في إسقاط قضية التأشيرات. لأنهم لو لم يسقطوها الآن سيكون من الصعب جدا إسقاطها في وقت لاحق وهذه وجهة نظر. وحتى في هذه المرحلة لم نشهد تحسنا كبيرا في العلاقات.
"ربما يكون تناول وسائل الإعلام المؤيدة للحكومة للقضية صحيحا. لذلك، إذا كان صحيحا فنحن لم نشهد مطلقا انفراجة في العلاقات. وإذا كان غير صحيح، فإن التطورات الأخيرة تظهر أن المشكلات لا تزال كثيرة".

إينان دمير الخبير الاقتصادي في شركة نومورا
إينان دمير الخبير الاقتصادي في شركة نومورا

ما هي احتمالات فرض عقوبات وما هو نوع العقوبات وفي أي شكل؟
"أعتقد أن أهم خطر لا يزال يتعلق بخلق بنك. ووجهة نظري لا تزال أنه سيتعرض لغرامة وليس عقوبات. ويوجد احتمال ان تكون الغرامة كبيرة بدرجة تعتبرها الحكومة التركية غير معقولة...وهذا سيفسر بالتأكيد على أنه إجراء سياسي، لذلك أعتقد أن خطر فرض عقوبات على خلق بنك لا يزال قائما حتى إذا كانت الخطوة الأولى مجرد غرامة. وإذا احجمت تركيا عن التعاون فقد نرى عقوبات إذن.
"من المحتمل أن تشمل عقوبات أخرى صفقة شراء منظومة صواريخ إس-400 من روسيا نظرا لأن الولايات المتحدة تدرج الجهة المنتجة للمنظومة على قائمة عقوبات. والشركات والبنوك التي تبرم صفقات مع كيان يخضع لعقوبات قد تتعرض هي لعقوبات أيضا ما لم يحدث إعفاء. لذلك، إذا تمت صفقة الشراء فمن المفترض خروج قرار سياسي في نهاية اليوم، لكن مسألة نظر الولايات المتحدة في فرض عقوبات مسألة أخرى".
 
عن أردوغان مجددا – إنه يبدو صريحا أكثر وأكثر في أحاديثه بشأن كل القضايا المرتبطة بتركيا. إلى أي مدى يشكل هذا خطرا على المستثمرين – ازدياد النزعة المتسطلة عند أردوغان؟ هل تعتقد أن هذا يمثل مشكلة للمستثمرين أم لا؟
"أعتقد أن هذا واضحا تماما بالنسبة لمعظم المستثمرين. ويمكننا دوما أن نميز بين قطاعات مختلفة من المستثمرين ... لكن ذلك كان جزءا مهما من نقاشات المستثمرين خاصة منذ محاولة الانقلاب العسكري. وأعتقد على سبيل المثال أن قرار المحكمة الدستورية بشأن شاهين ألباي ومحمد ألتان واهمال المحاكم الأدنى للقرار  قد حظي بمتابعة وثيقة من جانب المستثمرين، واعتقد أن هذا سيستمر في إثارة قلق المستثمرين لكني لست متأكدا هل سيؤثر هذا في أداء السوق في المدى القريب.
"نحتاج لرؤية شيء آخر، مثل احتمال رؤية قرار من المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان إذا استمر ألباي وألتان في السجن رغم قرار المحكمة الدستورية. ربما نرى  الكثير من القرارات في هذه القضية لأن من المحتمل أن تقضي المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بأن الوسائل الداخلية قد استنفدت. وفي الرد على قرارات المحكمة الأوروبية، إذا رفضت تركيا مثلا إطلاق سراح الأشخاص المعنيين فقد نرى مشاكل بين المجلس الأوروبي وتركيا. ولذلك أعتقد أننا نحتاج لرؤية الأمور تتحرك لساحة مختلفة تماما حتى تكون عاملا مؤثرا في الأسواق".

نحن ننظر في الشأن التركي، لكن نومورا تغطي بالطبع أسواقا ناشئة أخرى في شرق أوروبا. كيف تختلف تركيا عن دول إقليمية أخرى بها اتجاهات حكم متسلطة مشابهة؟
"هذا بالطبع جزء من اتجاه أوسع. ويوجد أيضا اختلاف مهم أود الحديث عنه بين تركيا وتلك الدول الأخرى وهو أن تركيا هي البلد الوحيد بين هذه الدول التي تعاني من عجز في الحساب الجاري وهو عجز كبير. وتركيا وحدها هي التي تضطر للاعتماد على كرم الغرباء، حقا،  لتمويل هذا العجز ولتمويل نموها الاقتصادي في الأساس. أعتقد أن هذا يفصل بين تركيا ودول سلطوية أخرى.
"قد تقول إن روسيا بثروتها في الموراد الطبيعية وفائض حسابها الجاري يمكنها تحمل السير بمفردها في الكثير من القضايا ومعاداة الغرب. وحتى روسيا دفعت ثمن ذلك عندما انهارت أسعار النفط وانهارت عملتها أيضا في أواخر عام 2014 لكن وجود فائض في الحساب الجاري وعدم الحاجة لتمويل العجز يمنح المزيد من المجال للمناورة. وتركيا لا تملك هذه الرفاهية."

لقد أثرت للتو مسألة روسيا وسوريا. تبدو سياسة أردوغان الخارجية حازمة بشكل متزايد في هذا الأيام. هل تعتقد أنه يطمح حقا في أن تصبح تركيا قوة عظمى أخرى؟ إنه دوما يتحدث بشأن تحول تركيا إلى قوة عالمية أم أنه في الأساس للاستهلاك المحلي في تركيا؟
" لا اعتقد أنه للاستهلاك السياسي المحلي. إحساسي إن تركيا حصلت في مرحلة ما في الفترة بين عامي 2011 و 2013 على فرصة الحشد خاصة حشد قاعدة الإخوان المسلمين في دول المنطقة والتصرف ليس كزعيم بكل كنوع من قائد كبير للحركات الإسلامية السياسية في المنطقة".
"الإخوان المسلمون في وضع سيئ عبر المنطقة ومن الواضح أنهم لا يمكلون تمثيلا في حكومات المنطقة لكن لا يزال يوجد على الأرجح دعم شعبي خفي لهذه الأيدولوجية وربما يستهدف أردوغان هذا الدعم الشعبي الخفي".
"اعتقد انه عندما يخرج بتلك البيانات السياسية فإنها لا تلقى استحسانا بين أعضاء قاعدته الداخلية وحسب بل يستقبلها باستحسان أيضا قاعدة الإخوان المسلحين بمصر وربما في الأردن وفي فلسطين. أعتقد انه يستهدف ذلك على المدى الطويل وإنه يعول على اليوم الذي تعود فيه تنظيمات الإخوان المسلمين بالمنطقة للصعود مجددا".

إلى أي مدى نقترب من مشكلات خطيرة حقا مع الولايات المتحدة  بسبب نهج أردوغان أو هل نحن نقترب منها حقا؟
 "اعتقد أنه من الصعب تحديد الوقت خاصة لأنني غير متأكد هل يوجد موقف موحد ومتجانس في الإدارة الأمريكية بهذا الشأن. لكن بالطبع هذا لا يخدم العلاقات.

نعود إلى الاقتصاد، هل لا تزال ترى التضخم سيظل في حدود 10 بالمئة  وأنه قد ينخفض في الفترة حتى نهاية العام؟
"بالنسبة للتضخم إنني أعتقد نسبة قريبة من 9.5 في المئة حتى نهاية العام. فقط في الشهور الأخيرة من العام سوف نرى عودة التضخم إلى رقم في خانة الآحاد لكن لا يزال ذلك مرهونا بعدم حدوث بيع كبير للعملات في وقت لاحق من العام...سيتعين على الحكومة التساهل مع تباطؤ في الطلب الداخلي. هذا التساهل وغيره من العوامل المخففة في السياسة الداخلية والخارجية ستحول دون بيع كبير للعملة. ولكن إن لم تتحقق هذه الشروط، فسوف نرى خطر وصول التضخم إلى رقمين مجددا في 2018. وإنني أرى احتمال بنسبة 60 في المئة لانخفاض التضخم إلى رقم في خانة الآحاد بنهاية العام الجاري واحتمال 40 في المئة لوصوله إلى رقم في خانة العشرات".

ماذا عن الليرة؟
"أعتقد ان الناس سيفضلون الانتظار حتى يحدث تدهور آخر في العلاقات مع الولايات المتحدة وسيبقون على الليرة، لأن عدم امتلاك ما يكفي مكلف...وإن لم نشهد أخبارا سيئة إذن فمن المحتمل أن تستقر الليرة عند هذه المستويات".

ماذا عن خفض أسعار الفائدة؟
سيحتاج البنك المركزي إلى أن يكون من ذوي الحظ الكبير في كل الجوانب حتى يصل إلى تضخم في خانة الآحاد في نهاية العام. وإذا وجد هذا النوع من التضخم أمامه فإن الجاذبية ستكون كبيرة  للغاية. لكنني أعتقد أنه ينبغي له الإبقاء على السياسة المشددة في المدى القصير. وإذا رأينا تضخما في خانة الآحاد في نوفمبر فقد نرى البنك المركزي يقدم على خفض أسعار الفائدة في ديسمبر".
 
نتحدث مرة أخرى عن خلق بنك، إلى أي مدى تتوقع تعرض بنوك أخرى لعقوبات من قبل السلطات الأمريكية؟
"أعتقد أنه يوجد احتمال كبير في تعرض بنوك أخرى لغرامات. لكن لا افترض أن الادعاء سيجد أدلة تفيد بأن البنوك الأخرى المحتملة كانت متورطة عن قصد مثل خلق بنك لذلك سأندهش إذا واجهت بنوك أخرى غرامات كبيرة مثل ما سيواجهه خلق بنك. أعتقد أن الغرامات في حالات كهذه ستكون أقل كثيرا ستأخذ في الاعتبار إهمالها وضع آليات إشراف ومراقبة جيدة.
"وهذه الغرامات قد تخدم غرض عدم استهداف خلق بنك وحده.  لكنني لا أعتقد أنها ستكون مشكلة كبيرة- لا أعتقد أنه في حالة وجود بنوك أخرى سنرى عقوبات كبيرة لا تستطيع استيعابها. أما مسألة خلق بنك فهي مختلفة تمام".
 
ماذا هي الغرامة الكبيرة في رأيك؟ في حدود؟
"قد يكون الرقم الذي لم نسمع عنه في أي قضية أخرى، والمفاوضات خلف الستار ربما تقلل الرقم إلى مليار أو ملياري دولار. أعتقد ان الأسواق ستتعامل بإيجابية مع أي رقم أقل من خمسة مليارات."

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا: