ذو الفقار دوغان
أغسطس 14 2018

خطابات أردوغان تحطم النموذج الاقتصادي الجديد لتركيا

توقع اقتصاديون أن تمر تركيا بأوقات اقتصادية عصيبة، وكانت هذه هي الفكرة السائدة على نطاق واسع عندما دعا الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى إجراء انتخابات مبكرة في شهر مايو الماضي، وذلك من أجل أن يستبق الظلام الذي يقترب.

وأدت العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة انتقامًا لسجن مواطنين أميركيين إلى تحويل الهزات الأولى للأزمة إلى زلزال كامل.

ومع انتظار مجتمع الأعمال في تركيا بقلق سماع "النموذج الاقتصادي الجديد" الذي كان من المقرر أن يكشف عنه زوج ابنة أردوغان وزير المالية بيرات البيرق، يوم الجمعة، على أمل أن يقوم بتهدئة الأسواق، تدخل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في البداية عن طريق إلقائه خطابين مثيرين يعرفان الأزمة بأنها "حرب اقتصادية" مع الولايات المتحدة الأميركية.

وقال أردوغان يوم الخميس الماضي في خطاب ألقاه في مدينة ريزا الساحلية المطلة على البحر الأسود "ربما تكون لديهم دولاراتهم، لكن نحن لدينا ربنا". وأدى هذا الخطاب بالإضافة إلى الخطاب الذي ألقاه أردوغان في إقليم بايبورت الواقع شمال غرب البلاد صباح يوم الجمعة إلى تراجع حاد في قيمة الليرة التركية أمام الدولار، حيث وصلت إلى 6.5 ليرة للدولار و7.5 ليرة لليورو بحلول مساء يوم الجمعة.

وتأجل خطاب البيرق مرتين لتفادي وقوع تضارب مع خطابي أردوغان. وعندما بدأ البيرق حديثه في الساعة الثالثة مساءً، كانت تصريحات الرئيس قد أدت إلى زيادة تراجع العملة وألقت بظلالها على الحادث.

ومما زاد الأمر سوءًا، التغريدة التي غرد بها الرئيس الأميركي دونالد ترامب على موقع تويتر والتي أعلن فيها رفع الرسوم الجمركية الأميركية على الصلب والألومينيوم التركيين في حين كان البيرق مازال واقفًا على المنصة يلقي خطابه.

وأكد البيرق للمئات من رجال الأعمال الذين تجمعوا في قصر دولمه بهجة الفاره وألوف المستثمرين الذين كانوا يشاهدونه من جميع أنحاء العالم على أن البنك المركزي سيظل مستقلًا.

لكن كلمات البيرق تعارضت مع خطابي أردوغان الطويلين حيث انتقد فيهما ما أطلق عليه "جماعة ضغط أسعار الفائدة"، والتي يقول عنها الرئيس إنها تضغط على تركيا من أجل رفع أسعار الفائدة. 

واستطرد البيرق في قطع جميع أنواع الوعود فيما يتعلق بنموذجه الاقتصادي، الذي قال إنه سيكون منسقًا، وديناميكيًا، ومتوازنًا، وسيعمل به أشخاص مؤهلون، وسيؤدي إلى تعزيز النمو المستدام. لكن ظهور البيرق وهو يتصبب عرقًا، اضطر إلى أن يمسحه عن جبينه كل بضع دقائق، كان يروي قصة مختلفة.

ففي الوقت الذي وعد فيه الرئيس باستثمارات على نطاق واسع في مطار وجامعة جديدين، وعد البيرق بسياسة نقدية مشددة ومنضبطة. كما وعد البيرق بخفض ديون الخزانة، ووقف المشاريع العامة التي لا تفيد في زيادة الصادرات، ووعد أيضًا بخفض العجز في الحساب الجاري.

وقد تم تصوير مجموعة مختارة من رجال الأعمال ذوي السلطة في تركيا، ومن بينهم أيرول بيلجيك رئيس رابطة الأعمال والصناعة التركية، أكبر رابطة أعمال في تركيا، وهم يومئون برؤوسهم موافقين على كلام البيرق.

إلا أنه لم يمر وقت طويل على التصريح الذي أدلى به بيلجيك لصالح الحكومة، والذي يدين فيه العقوبات الأميركية على تركيا قبل أن يؤكد أن "أولئك الذين لا يحبون ما يجنون، يجب أن يضعوا في اعتبارهم ما يزرعون".

وبعبارة أخرى، فإن الأزمة التي نجد أنفسنا نسقط فيها هي نتيجة انتهاج سياسة أجنبية واقتصادية خاطئة، وتوترات متزايدة مع حلفائنا، وتدخلات الحكومة والضغط على البنك المركزي والبنوك العامة، والديون الهائلة التي تكبدتها مشاريع الإنشاءات الحرة والتي غالبا ما كانت فاسدة والتي كانت تشجعها وتضمنها الحكومة.

وبعبارة أبسط، فإن العقوبات الأميركية هي نتيجة عامين من الحكم غير الديمقراطي في ظل حالة الطوارئ، وانهيار استقلال القضاء، واستيلاء الحكومة على الدولة ومؤسساتها، وإسكات المعارضة ووسائل الإعلام التي كانت توجه انتقادات في البلاد. فهم ببساطة قد أسرعوا بهبوط تركيا نحو طريق مسدود كانت قد شرعت في السير فيه بالفعل.

وقطع البيرق وعدًا على نفسه بأن النموذج الاقتصادي الجديد سيتم إنشاؤه بعد إجراء مشاورات شاملة، وعقد ورش عمل مكثفة. كما وعد بأنه ستتم صياغة خطة متوسطة المدى للاقتصاد التركي، وسيساهم رجال أعمال وأكاديميون وخبراء اقتصاديون في صياغة هذه الخطة.

وحتى إذا لم تكن كلمات أردوغان العدوانية في بايبورت كافية لإلغاء ما قاله البيرق، فإن أي شخص متابع لأسلوب حكم أردوغان لن يصدقها بالتأكيد.

وفي الوقت الذي وعد فيه البيرق بإصلاح العلاقات مع الأسواق العالمية من أجل ضمان التمويل، والحصول على ثقة المستثمرين، وخفض التضخم ومعدلات الفائدة، أعلنت رابطة رجال الأعمال والصناعة المستقلة، ثاني أكبر رابطة أعمال في البلاد، رؤيتها أن الحل الوحيد بالنسبة لتركيا سيكون من خلال انتهاج "نموذج مالي إسلامي".

وقال عبد الرحمن كان رئيس رابطة رجال الأعمال والصناعة المستقلة إنه سيترتب على ذلك حدوث تحول كامل للنموذج الاقتصادي السائد إلى نموذج لا توجد به أسعار الفائدة، ويمكن أن يتضمن مبادلة مع قطر، وإيران، والسودان، والدول التي تتحدث لغات لها علاقة باللغة التركية، ودول أميركا الجنوبية، والدول الأفريقية.

وقال كان "نحن نقف خلف الرئيس أردوغان وإدارته الاقتصادية في كل خطوة على الطريق الذي يسيرون فيه، ولن نخسر هذه الحرب الاقتصادية".

وتباينت ردود أفعال المعارضة التركية كما هي العادة على الأزمة المتزايدة، فقد حذر عضو البرلمان التركي عن الحزب الصالح ومحافظ البنك المركزي السابق دورموش يلماز من أن الحكومة ستكون غير قادرة على دفع رواتب العاملين في القطاع العام ودفع المعاشات ما لم تتخذ تدابير صارمة.

وأصدر الحزب الصالح بيانًا ينتقد فيه القرارات التي اتخذتها الحكومة والتي أدت إلى وقوع البلاد في أزمة، لكن الحزب عرض تضامنه ودعمه للتدابير التي يمكن أن تنتشل البلاد من أزمتها.

ولفت كمال كليجدار رئيس حزب الشعب الجمهوري العلماني المعارض الرئيسي في الوقت ذاته الانتباه إلى أنه في الوقت الذي يطالب فيه أردوغان المواطنيين باستبدال ما لديهم من دولارات وذهب بالليرة التركية، فإن المقاولين المرتبطين بالحكومة والذين فازوا بعطاءات في مشاريع عامة سيواصلون الحصول على الإيرادات الممنوحة لهم بالدولار الأميركي.

وقالت سيلين سايك بوكي عضو البرلمان التركي عن حزب الشعب الجمهوري "لقد وقعنا في هذه الأزمة ونحن على دراية كاملة بها".

وأضافت أن هذه النوعية من الانتهازية الفاسدة المخلوطة بحكم الرجل الواحد الاستبدادي لأردوغان وعدم الشرعية هي التي أدت إلى اندلاع الأزمة.

وأضافت"لا يمكنك إخماد هذه النيران عن طريق إلقاء اللوم على القوى الأجنبية".

لكن أردوغان لم يعر لهذا اهتمامًا يذكر. وفي غضون 24 ساعة من محاولات البيرق استمالة عالم الأعمال إلى جانبه وخلق الثقة، أدلى الرئيس التركي مجددًا بخطاب عدواني من على منصة في إقليم كوموش خانة المطل على البحر الأسود، ليعلن هذه المرة أنه تواصل مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkey-economy/turkeys-new-economic-model-crushed-erdogan-speeches