خط تاناب يسلط الضوء على نفوذ تركيا في القوقاز

سيذكر التاريخ على الأرجح تاريخ الثاني عشر من يونيو 2018، اليوم الذي التقى فيه الرئيس الأميركي دونالد ترامب بزعيم كوريا الشمالية كيم جونج أون في سنغافورة. لكن بالنسبة لتركيا وعدد من جيرانها، ذلك اليوم له مناسبة أخرى سعيدة. 
في ذاك اليوم أدار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان صمام خط أنابيب الغاز الطبيعي العابر للأناضول (تاناب) بمدينة إسكي شهر إيذانا ببدء التشغيل في حضور لفيف من كبار الشخصيات الأجنبية، ومن بينهم رؤساء أذربيجان وأوكرانيا وصربيا ورئيس الوزراء البلغاري. ونحن في غنى طبعا عن القول بأن صهر أردوغان – وربما ولي عهده – وزير الطاقة بيرات البيرق كان من بين الحضور، إلى جانب قائمة من ممثلي قطاع الأعمال.

الرئيس التركي أردوغان يحضر حفل افتتاح خط أنابيب الغاز الطبيعي العابر للأناضول (تاناب)
الرئيس التركي أردوغان يحضر حفل افتتاح خط أنابيب الغاز الطبيعي العابر للأناضول (تاناب)

وتاناب ليس بالإنجاز الهين؛ فخط الأنابيب الذي وُضع تصوره في نوفمبر 2011 مصمم لنقل 16 مليار متر مكعب من الغاز سنويا من حقل شاه دنيز قبالة سواحل بحر قزوين في أذربيجان. ومن بين تلك الكمية، يتم توجيه ستة مليارات متر مكعب مباشرة إلى السوق التركية، وعشرة مليارات متر مكعب إلى زبائن في أوروبا. وهذا حجم صغير نسبيا بالتأكيد. ولكي نوضح المسألة بشكل موضوعي، فقد استوردت تركيا ما يقرب من 29 مليار متر مكعب في عام 2017 من روسيا. لكن تاناب قابل للتطوير، ومن المتوقع زيادة طاقته الإنتاجية إلى المثلين بحلول منتصف العشرينات.
ويضع مشروع البنية التحتية هذا أذربيجان على خارطة الغاز الأوروبية. كما أنه يصدر بالفعل الغاز حاليا إلى تركيا؛ لكن حالما يدخل امتداد تاناب – وهو خط أنابيب الغاز العابر الأدرياتيكي (تاب) – حيز التشغيل، ستصبح باكو قادرة على الوصول إلى أسواق الاتحاد الأوروبي أيضا. وقد تصل بعض كميات غاز بحر قزوين إلى غرب البلقان. ومن ناحية السياسة الخارجية، فإن تنويع الزبائن سيعطي باكو مساحة للمناورة في مواجهة روسيا.
وتستورد غازبروم الروسية العملاقة الغاز الأذربيجاني وتعيد بيعه بعد ذلك إلى زبائنها في الغرب (وإن كانت في عام 2017 عادت بالفعل لبيع كميات إلى أذربيجان). لكن شركة الطاقة الوطنية الأذربيجانية سوكار يمكنها الآن التعامل مع المشترين النهائيين بنفسها (أو على الأقل من خلال الشراكة مع رفقائها قي شاه دنيز، مثل بي.بي، وشركة بترول تركيا، وشتات أويل النرويجية، إلخ).

تاناب

وقد أمّن الكونسورتيوم بالفعل حزمة عقود إمدادات لمدة 25 عاما مع شركات من أمثال شل وإنيل وإي.أون وغاز دي فرانس، فضلا عن ديبا اليونانية والشركة البلغارية للغاز (بلغار غاز). وبشكل عام، يعِدُ تاناب/تاب بأن يكون للغاز الأذربيجاني مثل ما يمثله خط أنابيب باكو-تبليسي-جيهان للنفط، إذ سيكون مصدرا للإيرادات وأداة دعم جيوسياسي في مواجهة الغرب وروسيا.
تحقق تركيا مكسبا أيضا، إذ تقترب من تحقيق هدف التحول إلى ممر لنقل الغاز بدلا من أن تظل مستهلكا. فضلا عن ذلك فإن تاناب يحول موضوع ممر الغاز الجنوبي – الذي كثيرا ما خضع للنقاش – من مجرد موضوع للتقارير الرسمية ومراكز البحث إلى واقع ملموس على الأرض. ويثير وجود ارتباط ملموس بين أذربيجان والاتحاد الأوروبي احتمالات أن ينقل منتجون آخرون في منطقة بحر قزوين، وبالتحديد تركمانستان، الغاز إلى أوروبا.
ولا يقتصر الأمر على تنويع تركيا لإمداداتها بعيدا عن روسيا، وتعزيز قدرتها على التفاوض على خفض الأسعار مع غازبروم، لكنه يمتد إلى كونه يتحول إلى جزء لا يتجزأ من أمن الطاقة في الاتحاد الأوروبي.
وتشير جهود أنقرة للمضي قدما في مشروع ممر الغاز الجنوبي إلى علاقتها المتناقضة مع موسكو أيضا؛ فتركيا وروسيا شريكتان ومتنافستان في آن واحد. وفي جنوب القوقاز، ظلت الدبلوماسية التركية لزمن طويل تغرس بذور العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية والأمنية مع جورجيا وأذربيجان لإحداث توازن مع النفوذ الروسي.
وتُجري الجيوش الثلاثة تدريبات عسكرية بشكل دوري. وفي أحدث تجمع لهم في غيرسون يوم 31 مارس، وقع وزراء دفاع الدول الثلاث مذكرة تفاهم بشأن التعاون. وفي أكتوبر، اقتتحت جورجيا وأذربيجان وتركيا خط السكك الحديدية باكو-تبليسي-قارص الذي اكتمل في عشر سنوات. ويعزز مشروع البنية التحتية الاستراتيجي هذا العلاقات بين أوروبا ووسط آسيا. وإلى جانب نفق مرمراي الذي يمر تحت البوسفور، فإنه يترابط مع مشروع "حزام واحد-طريق واحد" الصيني. والمحصلة النهائية هي أن روسيا يتم تجاوزها، وأن الطاقة جزء فقط من القصة الكاملة.
وبطبيعة الحال فإن هذا لا يعني أن تركيا في وضع يسمح لها بأن تحل محل روسيا كقوة مهيمنة في منطقة القوقاز؛ فأنقرة لم تراودها منذ زمن طويل مثل تلك الطموحات غير الواقعية، كما أن الأتراك يحرصون بشدة على عدم استفزاز موسكو. بالإضافة إلى ذلك فإن المتغيرات بين تركيا وروسيا بحاجة إلى أن تكون صفرية المحصلة. والتغيرات التي حدثت في أرمينيا في الآونة الأخيرة تبين هذه النقطة.
فقد مد رئيس الوزراء الأرميني الجديد نيكول باشينيان يده إلى تركيا عارضا تأسيس علاقات دبلوماسية. لكن الحديث في هذا الأمر أسهل من الفعل، بالنظر إلى تحالف أنقرة مع أذربيجان، والتزامها بوحدة أراضيها، وموقفها بشأن نزاع مرتفعات قرة باغ. ويثبت فشل تأسيس العلاقات مع أرمينيا في 2009-2010 أن لدى باكو القدرة على التأثير على السياسة التركية وتشكيلها. لكن إذا كان باشينيان صادقا، فهناك مجال للتعاون بين تركيا وروسيا من أجل تعزيز الاستقرار في المنطقة المضطربة.
وذكّرت أنقرة العالم بأنها ما زالت لاعبا في جنوب القوقاز وبحر قزوين. ويمكنها أن تستخدم بعض ما لديها من أدوات على نحو يصب في مصلحة الجميع. 


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/tanap/tanap-highlights-turkeys-influence-south-caucasus