خلل خطير بالاقتصاد التركي

في حين تمّ خفض سعر البنزين 17 قرشًا، ظل البنزين في محطات الوقود أقل سعرًا من الديزل في سابقة من نوعها في تاريخ تركيا الحديث؛ حيث تراجع سعر لتر البنزين إلى ما دون 6.10 ليرة تركية في عموم البلاد. أما لتر الديزل فيباع بسعر يتراوح ما بين 6.1 إلى 6.15 ليرة تركية بحسب المسافة بالنسبة لمحطة التصفية وقنوات التوزيع.

يبدو هذا التغيير خبرًا جيدًا من حيث الحدّ من استخدام الديزل، والذي بات يُعرف مؤخرًا بفضائح التلوث البيئي، أي من ناحية الوعي البيئي. ولكنه يبدو موقفًا على العكس من ذلك تمامًا بالنسبة لديناميات وحركة سوق ناشئة مثل تركيا، سيما أنّ آثار الأزمة الاقتصادية الراهنة لا تزال حاضرة بقوة.

السبب أن البنزين نوع من الوقود المستخدم في السيارات الخاصة كما هو الحال في العديد من دول العالم، بينما الديزل، أي السولار يظل العامل الرئيس لتحديد التكلفة في سلسلة من المجالات تشمل كل مجالات الإنتاج كالزراعة والصناعة والنقل.

إن وصول الديزل المستخدم في الإنتاج إلى أسعار أعلى من البنزين المستخدم بهدف استهلاكي لا يبدو مناسبًا ولا موافقًا لأهداف تركيا في زيادة الإنتاج المحلي أكثر، وإنتاج منتجات تصديرية أقل تكلفة تستطيع المنافسة أكثر من غيرها في الأسواق الخارجية. إنه لا يتناسب ومصالح بلد يعطي الأولوية للإنتاج والاقتصاد في الاستهلاك.

من ناحية أخرى فإن معادل سياسة الأسعار الجديدة، أي بنزين رخيص وديزل أغلى، يشير إلى خلل خطير بحسب المعايير العالمية. لأن أسعار الديزل وصلت إلى أكثر مواقعها تميزًا في السنوات الأخيرة مقارنة بالبنزين بعد الفضائح المتتالية لانبعاثات العادم من مصنعي السيارات.

ومنذ منتصف نوفمبر انخفضت أسعار النفط العالمية بنحو 16.5 في المائة، في حين تراجعت أسعار المنتجات النهائية من البنزين والديزل. إلا أن هذا الانخفاض لم يكن متكافئًا.

فبينما تراجع سعر الجملة للغالون الواحد (3.6 لتر) في البورصات، وبدون ضرائب، إلى 1.4 دولار بانخفاض سعري بقيمة 3.5 في المائة، انخفضت أسعار الديزل من 1.45 دولار إلى 1.23 دولار. وهذا أيضًا يعني أن الانخفاض في أسعار الديزل تجاوز نسبة الـــ 15 في المائة.

إن التغييرات التي حدثت في الأسواق العالمية لصالح مستخدمي الوقود تبدو على النقيض تمامًا في تركيا في الفترة عينها، وعلى المدى الطويل على حد سواء.

إن تركيا التي ألغت نظام التسعير الآلي في الوقود منذ منتصف العام الماضي وحتى الآن، وانتقلت إلى النظام المتغير في تحديد الضريبة وأبعدت عملية ضبط الأسعار عن السوق الحرة، أصبح الديزل -المنتج الذي لا مفر من استخدامه فيها- منتجًا أغلى بكثير من البنزين بشكل سريع.

ولنضرب أمثلة من السوق: أوائل 2017 كان لتر البنزين يباع في محطات شركة "بترول أوفيسي" في منطقة "باغجيلر" بإسطنبول 5.38 ليرة تركية، بينما لتر الديزل يباع بـ 4.64 ليرة تركية. ووفقًا لهذه الأسعار كان الديزل أرخص من البنزين بنسبة 26 في المائة. أما في أوائل 2018 فقد تم تسعير البنزين في المنطقة والمحطات عينها بــ 5.57 ليرة، والديزل بــ5.03 ليرة. وفي هذه الحالة كانت تكلفة الديزل أقل من تكلفة البنزين بنسبة 9.8 في المائة.

وعندما بدأت أسعار الديزل تنخفض عالميًا على نحو أسرع بكثير من البنزين كان لتر البنزين في منتصف نوفمبر يُباع في محطات "بترول أوفيسي" في باغجيلر بــ 6.45 ليرة، بينما الديزل بـ6.35 ليرة، أي إن الديزل كان يباع أرخص بنسبة 1.5 في المائة. 

واعتبارًا من اليوم فإن سعر الديزل أعلى من البنزين بنسبة 1 في المائة في عموم تركيا. وقد أثر في هذا التغير الفرق في معدلات الزيادة التي حدثت خلال العامين الماضيين؛ فمنذ بداية 2017 وحتى الآن كانت نسبة الزيادة في أسعار البنزين 12.4 في المائة، بينما وصل معدل الزيادة في أسعار الديزل 31.5 في المائة. وبينما زادت أسعار الديزل منذ أوائل عام 2018 وحتى الآن بنسبة 21.2 في المائة ظلت الزيادة في البنزين عند 8.6 في المائة.

من ناحية أخرى فإن ربط هذه الفروق في الزيادة بعوامل مثل الأسعار العالمية وزيادة أسعار الصرف ليس منطقيًا. فمثلًا أسعار البنزين عالميًا انخفضت خلال الشهرين الماضيين بنسبة 3.5 في المائة من حيث القيمة الدولارية، بينما انخفضت أسعاره بالمحطات في تركيا بنسبة 6.2 في المائة.

ومع ذلك؛ يلاحظ أن أسعار الديزل التي انخفضت في الأسواق العالمية بنسبة 15.5 في المائة على أساس الدولار، لم تنخفض في تركيا سوي بنسبة 3.1 في المائة على أساس الليرة التركية. وهذا الوضع يدل على أن التغيير في أسعار الديزل ينبع إلى حد كبير من التأثير الضريبي للدولة.

بلغت قيمة ضريبة الاستهلاك الخاص التي حصلتها الدولة من الوقود العام الماضي 55.6 مليار ليرة تركية (انخفضت بنسبة 12.6 في المائة)، لكن إدارة الاقتصاد التابعة لحزب العدالة والتنمية تستهدف أن تحصل هذا العام 68.7 مليار ليرة تركية كضريبة استهلاك خاص بزيادة 23.6 في المائة. وبطبيعة الحال يلزم اتخاذ مجموعة من الخطوات "المجنونة" لزيادة الإيرادات الضريبية المحصلة من الوقود في الاقتصاد التركي المتوقع له أن يحقق هذا العام نموًا قريبًا من صفر في المائة على أحسن التقديرات. ونعتقد أن هذا واحد منها.

حسنٌ، تُرى لماذا فضلت الدولة الحصول على ضرائب أكثر من الديزل بدلًا من البنزين؟ إن كميات الاستهلاك تفسر هذا التوجه؛ فوفقًا لبيانات وزارة الطاقة يتراوح الاستهلاك اليومي من البنزين في تركيا ما بين 7-7.5 مليون لتر، بينما الديزل يتراوح ما بين 45-50 مليون لتر.

وبعبارة أخرى تحصل الدولة من الديزل غالبية الضرائب التي تحصلها من الوقود، ولهذا السبب يبدو أن أحد أسهل الطرق لزيادة الإيرادات الضريبية هي الحصول على عوائد أكثر من الديزل.

بالطبع لهذا الإجراء مردوده؛ إنه التضخم وانهيار المنتجين. فبينما الرئيس أردوغان كان يهدد في السابق باقتحام مخازن البصل لمكافحة التضخم ويعلن التهديدات نفسها اليوم بالنسبة للمحال التجارية والبقالة؛ إذ به لا يتحدث كثيرًا عن الزيادة في تكاليف الإنتاج والقطاع التجاري.

ولكن بيانات هيئة الإحصاء التركية تشير إلى أنه بينما يبلغ معدل التضخم السنوي في القطاعات الاستهلاكية في البلاد 20 في المائة، إلا أنه يصل إلى 34 في المائة في القطاعات الإنتاجية. وتمثل أسعار الطاقة التي ارتفعت بنسبة 57 في المائة العام الماضي المحرك الدافع لهذه الزيادة الكبيرة في الأسعار الإنتاجية.

وبينما تظهر هذه البيانات أن المنتجين يجدون صعوبة في عكس زيادة التكلفة الإنتاجية على المستهلك من ناحية، تكشف من الناحية الأخرى السبب في توالي طلبات إعلان الإفلاس التي تتقدم بها شركات تقدر بعشرات الآلاف، وحالات الإفلاس الفعلي، وعمليات إعادة هيكلة الديون.
 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/akaryakit/motorin-dunyada-yuzde-15-ucuzladi-turkiyede-benzini-gecti
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.
This block is broken or missing. You may be missing content or you might need to enable the original module.