Tiny Url
http://tinyurl.com/yx8uzybd
Ahval logo
مارس 18 2019

خيبة الأمل تنتظر الأتراك بعد الانتخابات

لا شك أن الانتخابات المحلية المقررة في الحادي والثلاثين من مارس لها تداعيات مهمة على عملية انتقال تركيا إلى نظام الرئاسة التنفيذية الجديد الذي دخل حيز التطبيق بعد الانتخابات العامة التي أجريت في العام الماضي.

جميع الأحزاب السياسية بشتى أطيافها، بما في ذلك حزب العدالة والتنمية الذي ينتمي إليه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، تتفق على أهمية هذه الانتخابات. صحيح أن الأحزاب السياسية ترتكز على سياسات الهوية، إلا أنها ستفسر فوزها في الانتخابات على أنه استفتاء على سياساتها.

فإذا فاز حزب العدالة والتنمية، سيفسر الرئيس النتائج حتما على أنها بمثابة شيك على بياض لمواصلة سياساته. على الجانب الآخر، إذا جاءت النتائج في صالح التحالف الفضفاض الذي جرى تشكيله لمواجهة حزب العدالة والتنمية وحلفائه في اليمين المتطرف، فلن يغير مسار السياسات.

وفضلا عن هاتين الكتلتين، ثمة كيان ثالث في هذه الانتخابات وهو حزب الشعوب الديمقراطي، أول حزب مؤيد للأكراد يتخطى العتبة الانتخابية البالغة عشرة في المئة ويدخل البرلمان في العام 2015.

لقد زُج بقادة حزب الشعوب الديمقراطي وعدد من نوابه في البرلمان وكثير من أعضاء الحزب في السجون بتهم تتعلق بالإرهاب. وعلى الرغم من التأييد الشرعي الذي تلقاه حزب الشعوب الديمقراطي في انتخابات عدة، نُبذ الحزب على الساحة السياسية الداخلية وتم التنفير منه وتجريمه. وبغض النظر عن عدد الأصوات التي سيحصل عليها، فمن الصعب تصور حدوث انفراجة ديمقراطية للحزب بعد انتخابات الحادي والثلاثين من مارس.

لم تفسح الحملات الانتخابية المجال لمناقشة الحكم المحلي ومطالب الناخبين، بخلاف الوعود البطولية والخطب الشعبوية المبتذلة، وإنما هيمنت عليها التهديدات والنبرات العدائية. ولعل هذا أمر متوقع، إذ تمر تركيا بأحرج فترة في تاريخها على صعيد الحكم.

كما أن أدوات الدولة بما فيها الجهاز القضائي والهيمنة على المؤسسات وميزان القوى كلها مجهزة لتفيد ائتلاف حزب العدالة والتنمية. فالحكومة أسست على مدى السنوات الخمس الأخيرة هيكلا قائما على الانتفاع والمحسوبية، في نظام مركزي وحزبي كفيل وحده بالحيلولة دون إجراء أي انتخابات نزيهة.

عمليا، تم تعطيل النظام الدستوري. لقد جرى الترويج لنظام الرئاسة التنفيذية بين الناخبين على أنه وسيلة لتعزيز وتحديث الأسس الدستورية في البلاد، غير أنه تم التصويت له في اقتراع شابته مزاعم التزوير. ونظرا لكونه لا يستند إلى توافق اجتماعي أو اتفاق الأغلبية، لم يعد هناك عقد اجتماعي يربط البلاد ببعضها البعض. فالدستور لا يضفي إلا مزيدا من الطابع المركزي على نظام مركزي بالفعل، ومن الممكن أن يدفع المجتمع إلى حافة الهاوية.

وعلى الرغم من أن الرئاسة يُفترض أن تسمو عن السجالات السياسية، صار أردوغان من جديد زعيم حزب العدالة والتنمية، وداس على الدستور والأعراف السياسة بخوضه حملة الانتخابات المحلية بنفسه، دون أن يواجه اعتراضا يذكر. لقد تجاوز أردوغان الكثير من الخطوط الحمراء، واستغل الدين والعرق إلى درجة تفوق أسلافه، وبات خطابه العدواني من طبائع الأمور. وكانت النتيجة أنه لم يعد لدى تركيا أي ضمانات للحقوق العامة.

إن الجهاز القضائي الذي عرف دوما بأنه مسيس بات يعتمد الآن اعتمادا كليا على السلطة التنفيذية. وأصبحت القوانين تطبق بناء على هوى وطلب النظام، أو لا تطبق على الإطلاق. في السابق، كان حزب العدالة والتنمية على الأقل يتظاهر بتمرير قوانين لتعزيز صورته في مراعاة القانون، لكن حتى هذه المسرحية قد أسدل عليها الستار. فالرئيس ووزراؤه الآن يلجأون لإلقاء الخطابات المليئة بالكراهية وتوجيه التهديدات للمسؤولين المنتخبين على الملأ، دون أن يكون لذلك أي تداعيات قانونية عليهم.

ذلك تطور مهم، فهو لا يترك أي مجال للشك في رؤية القائمين على السلطة لنظام الإدارة الجديد.

شرطة مكافحة الشغب التركية تطوق أعضاء حزب الشعوب الديمقراطي المؤيد للأكراد وتحاصرهم أثناء مظاهرة في فبراير 2019
شرطة مكافحة الشغب التركية تطوق أعضاء حزب الشعوب الديمقراطي المؤيد للأكراد وتحاصرهم أثناء مظاهرة في فبراير 2019

يمكن القول إنه بعد الحادي والثلاثين من مارس، وبغض النظر عن نتائج الانتخابات، سينمو نموذج الاستبداد الذي لا حدود له في تركيا وستشتد قوته.

بالإضافة إلى استقلال القضاء، استهدف الرئيس التركي أيضا استقلالية مؤسسات الدولة الرئيسية. صار نفوذ البرلمان محدودا، ولم يعد الآن إلا مجرد منتدى يقتصر فيه دور نواب المعارضة الذين يتقاضون أجورا مرتفعة على تقديم اقتراحات لا غير. لقد انهارت الضوابط والموازين.

ولنضع في اعتبارنا أن الصلاحيات المخولة للسلطة التنفيذية تؤثر على البلديات المحلية بقدر ما تؤثر على البرلمان. فحتى إذا فازوا في الانتخابات، فإن حكومات البلديات التي تديرها المعارضة لا يمكنها العمل إلا بموافقة الحزب الحاكم المركزي. ومن المؤكد أن حزب الشعوب الديمقراطي سيفوز في بعض الانتخابات البلدية بالمنطقة الجنوبية الشرقية الكردية، غير أن الحكومة المركزية ستعين إداريين ليحلوا محل رؤساء البلديات المنتخبين.

ولعل أحد العوامل الأخرى التي ترجح كفة الائتلاف الحكومي في هذه الانتخابات هو الإعلام. ففي انتهاك للوائحها الداخلية، صارت مؤسسة الإذاعة والتلفزيون التركية (تي.آر.تي) الرسمية بوقا لحزب العدالة والتنمية، وعلى نفس المنوال تجاهلت وسائل الإعلام الخاصة، التي تخضع لسيطرة الحكومة بشكل كامل تقريبا، أحزاب المعارضة وخصوصا حزب الشعوب الديمقراطي.

ما من شك أن هذا النظام سيثير حالة شديدة من خيبة الأمل والغضب.

فهل من حلول في هذه الحالة؟
في ظل هذه الظروف، التي تخلو فيها تركيا من العدالة ويسودها شعار الحفاظ على الولاء للحكومة بأي ثمن، فإن المعارضة الوحيدة الفعالة هي الاقتصاد. إن المؤشرات تعكس مع الأسف تباطؤا اقتصاديا حادا بعد الحادي والثلاثين من مارس، وهذا لا يفرض ضغوطا على الائتلاف الحكومي فحسب، بل على المعارضة أيضا.

ووفقا لاستطلاعات الرأي المتلاعب في نتائجها وغير الجديرة بالثقة، ثمة آمال متنامية لدى المعارضة على ما يبدو، كما كان الحال في الانتخابات الماضية. نعتقد أن البراغماتية هي السبيل الأمثل في مثل هذا الوضع. فلا ينبغي أن ننسى أنه في ظل المناخ الحالي الذي تسود فيه المعاملة خارج نطاق القضاء، سيكون من الصعب جدا على أحزاب المعارضة ترجمة الانتصارات في انتخابات البلدية إلى تشكيل حكومة محلية فعالة.

في هذا الإطار، نعتقد أن التكهن بسيناريوهات الانتخابات المبكرة بناء على استطلاعات مشكوك فيها بمثابة بناء قصور في الهواء. فأولا وقبل كل شيء، لن يكون من السهل أن يدعو برلمان تشكل العام الماضي فحسب إلى انتخابات مبكرة. ثانيا، حتى وإن دعا حلفاء حزب العدالة والتنمية في حزب الحركة القومية المنتمي لليمين المتطرف إلى انتخابات مبكرة بسبب الضغوط الاقتصادية، فإن السلطة التنفيذية ستلجأ إلى الأحزاب القومية الأخرى لتشكيل ائتلاف. ويرى موقع "أحوال تركية" أن هذين السيناريوهين كافيان للإشارة إلى مدى خطورة الأزمة النظامية في تركيا.

تولد الفرص من رحم الأزمات. وفي حالة تركيا، يبدو أن "الحلول المدنية" الجديدة وفرص العودة إلى الديمقراطية ستتطلب اشتداد الأزمة الحالية. والمجتمع إما سيخنع أو يجد سبيلا للخروج والتوصل إلى حل وسط.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.